مدونات
علي البرغوث
في تاريخ الثّورة السّورية، ظهرت شخصيات كثيرة حملت السلاح أو تصدّرت المشهد السياسي، لكن قلة من الأسماء استطاعت أن تتحوّل إلى رمزٍ شعبي يتجاوز الانتماءات الجغرافيّة والسياسيّة كما فعل عبد الباسط الساروت.
لم يكن الساروت سياسيًّا ولا قائداً عسكريًّا في بداياته، بل كان حارس مرمى شاباً ينظر إليه بوصفه أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم السورية. كان حلمه أن يمثل منتخب بلاده لسنواتٍ طويلة، وأن يصنع اسماً رياضيًّا في الملاعب العربيّة والآسيويّة. لكن الأحداث التي اجتاحت سوريا عام 2011 غيرت مسار حياته بالكامل، لتنقله من مدرجات الملاعب إلى ساحات الاحتجاج، ومن الهتافات الرياضية إلى أناشيد الثورة، ومن شهرةٍ رياضيّة واعدة إلى واحدةٍ من أكثر الشخصيات رمزيّة في الذاكرة السورية المعاصرة.
عندما قتل في حزيران 2019، لم ينظر إلى رحيله باعتباره مقتل قائد ميداني فحسب، بل باعتباره نهاية فصل كامل من فصول الثورة السورية، جسّده شاب خرج من أحياء حمص القديمة حاملاً صوته فقط، قبل أن يجد نفسه في قلب واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين.
من ملاعب حمص إلى ساحات الاحتجاج
وُلد عبد الباسط ممدوح الساروت عام 1992 في مدينة حمص، ونشأ في حي البياضة، أحد الأحياء الشعبية التي لعبت لاحقاً دوراً بارزاً في الحراك المعارض.
منذ طفولته، أظهر موهبةً لافتة في كرة القدم، ليلتحق بنادي الكرامة، أحد أكبر الأندية السورية وأكثرها نجاحاً. ومع مرور السّنوات، أصبح حارساً لمنتخبات الفئات العمرية السورية، وشارك مع منتخب الشّباب، حيث اعتبره كثير من المدربين مشروع حارس مرمى للمنتخب الأول.
كان الساروت في 19 من عمره فقط عندما اندلعت الاحتجاجات السورية في مارس/آذار 2011. في البداية، ظهر بين المتظاهرين في حمص كأحد الشباب الذين يقودون الهتافات في الساحات العامة. امتلك صوتاً قويًّا وحضوراً شعبيًّا لافتاً، ما جعله سريعاً أحد أبرز وجوه الحراك السلمي في المدينة.
في ساحة الساعة الجديدة بحمص، التي أصبحت رمزاً للاحتجاجات في بدايات الثورة، برز الساروت بوصفه “منشد الثورة”. كانت مقاطع الفيديو التي يظهر فيها وهو يقود الحشود تنتشر بسرعة داخل سوريا وخارجها، وتحوّل صوته إلى أحد أكثر الأصوات ارتباطاً بالمظاهرات السورية في عامي 2011 و2012.
لم يكن تأثيره نابعاً من موقعٍ سياسي أو تنظيمي، بل من قدرته على التعبير عن مشاعر آلاف الشباب الذين وجدوا في الأغاني والهتافات وسيلة لمواجهة الخوف والقمع، لكن بينما كانت شهرته تتصاعد، كانت مدينة حمص تنزلق تدريجيًّا نحو الحرب.
الحصار والخسارات التي غيرت حياته
شكّلت السنوات اللاحقة نقطة تحوُّل عميقة في حياة الساروت، فمع اشتداد العمليات العسكرية في حمص القديمة، وجد نفسه محاصراً مع آلاف المدنيين والمقاتلين داخل أحياء المدينة. وبينما كان العالم يشاهد صور الدمار والحصار، كان الساروت يعيش سلسلةّ من الخسارات الشخصيّة القاسية.
خلال سنوات الحرب، فقد عدداً من إخوته وأقاربه في ظروفٍ مختلفة مرتبطة بالنّزاع. وتحوّل الشاب الذي كان يقود المظاهرات السلمية إلى شخصيةٍ تعيش يوميًّا تحت القصف والجوع والحصار.
في تلك المرحلة، تغيّر دور الساروت تدريجيًّا. فمع عسكرة الصراع وتراجع الحراك السلمي في حمص، أصبح جزءاً من الفصائل المقاتلة داخل المدينة، مدفوعاً بحسب مقربين منه بقناعة أنّ الخيار السلمي الذي آمن به في البداية لم يعد قادراً على حماية المدنيين المحاصرين.
وخلال حصار حمص القديمة، أصبح الساروت أحد أكثر الشّخصيات حضوراً في المشهد الإعلامي للمدينة. كانت صوره ومقاطع الفيديو التي يظهر فيها بين الأنقاض أو على خطوط القتال تنتشر باستمرار، وتحوّلت قصته إلى مرآةٍ تعكس التحوُّلات التي مرّت بها الثورة السوريّة نفسها؛ من الاحتجاجات السلمية إلى المواجهة المسلّحة.
ورغم الجدل الذي أحاط ببعض مواقفه خلال سنوات الحرب، بقي بالنسبة لكثيرٍ من السوريين رمزاً لمدينة دفعت ثمناً هائلاً خلال النزاع.
في عام 2014، خرج من حمص ضمن اتفاق إجلاء المقاتلين والمدنيين من الأحياء المحاصرة، لينتقل لاحقاً إلى شمال سوريا، حيث واصل نشاطه العسكري والسياسي والإعلامي.
الرحيل وبقاء الأسطورة
في يونيو/حزيران 2019، شارك الساروت في المعارك الدائرة بريف حماة الشمالي، خلال واحدة من أعنف الحملات العسكرية التي شهدتها المنطقة.
أُصيب بجروحٍ خطيرة خلال الاشتباكات، ونُقل إلى الأراضي التركية لتلقّي العلاج. لكنّ إصاباته كانت بالغة، وفارق الحياة في الثامن من يونيو/حزيران 2019 عن عمرٍ لم يتجاوز السابعة والعشرين.
أثار خبر وفاته موجةً واسعةً من التّفاعل داخل سوريا وخارجها. ففي مناطق المعارضة خرجت جنازاتٌ ضخمة وفعاليات تأبينية، بينما أعادت وسائل إعلام ومنصات دولية استعراض مسيرته بوصفه أحد أبرز رموز الثورة السورية.
بالنسبة لمؤيديه، كان عبد الباسط الساروت تجسيداً لجيلٍ كامل من الشّباب السوري الذي بدأ حياته بأحلامٍ عادية في الملاعب والجامعات والشوارع، قبل أن يجد نفسه وسط حرب غيّرت كلّ شيء. وبالنسبة لمنتقديه، ظلّ شخصيّةً مثيرة للجدل بسبب مساره خلال سنوات الصراع المسلّح.
لكن ما يصعب إنكاره هو أنّ الساروت تحوّل إلى واحدٍ من أكثر الوجوه شهرة وتأثيراً في تاريخ الثّورة السّوريّة. فقد جمع في شخصه مساراتٍ متعددة عاشتها سوريا خلال العقد الماضي: الرّياضي الشّابّ، والمنشد الشعبي، والمتظاهر السلمي، والمُحاصَر في مدينةٍ مدمّرة، ثمّ المقاتل الذي انتهت حياته على جبهة قتال.
بعد سنواتٍ من رحيله، ما يزال صوته حاضراً في تسجيلات المظاهرات القديمة، وما تزال صوره تُرفع في مناسباتٍ عديدة داخل الأوساط السّوريّة. أما بالنسبة لمدينة حمص، التي شهدت صعوده وسقوطه، فقد بقي عبد الباسط الساروت أكثر من مجرّد شخص؛ أصبح رمزاً لذاكرة مدينة كاملة، وواحداً من أكثر الوجوه ارتباطاً بقصة سوريا الحديثة بكل ما حملته من أمل وخسارة وألم.