مدونات
علي البرغوث
في صيفِ عام 2011، كانت سوريا تدخل أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع الاحتجاجات الشّعبيّة. المدن تغلي بالمظاهرات، والجيش ينتشر في الشّوارع، والانشقاق داخل المؤسسة العسكرية كان لا يزال ينظر إليه باعتباره أمراً مستحيلاً.
في تلك اللحظة، ظهر ضابطٌ سوريٌّ برتبة مقدّم أمام الكاميرا بزيه العسكري، وأعلن انشقاقه عن الجيش السوري، رافضاً تنفيذ أوامر إطلاق النّار على المدنيين. كان اسمه حسين الهرموش، الضابط الذي تحوّل خلال أيام إلى أحدِ أكثر الوجوه رمزيّة في بدايات الثّورة السورية، قبل أن يختفي لاحقاً في واحدةٍ من أكثر قضايا الاختطاف غموضاً وتعقيداً في تاريخ النّزاع السوري.
بعد أكثر من عقدٍ على اختفائه، ما يزال اسم الهرموش حاضراً بوصفه “أول ضابط منشقّ”، والرجل الذي فتح الباب أمام موجة الانشقاقات العسكرية التي غيّرت شكل الصراع في سوريا.
ابن جبل الزاوية
وُلِد حسين الهرموش عام 1972 في قرية إبلين التابعة لمنطقة جبل الزاوية بريف إدلب، لعائلةٍ ريفية محافظة. التحق بالكلية الحربية السورية، ثمّ تابع دراسته العسكرية في روسيا، حيث تخصّص في الهندسة العسكرية والمنشآت الدفاعية.
خدم سنواتٍ طويلة ضمن الجيش السوري، وعُرِف بين معارفه بالانضباط والهدوء، بعيداً عن العمل السياسي أو النّشاط المعارض. لكن مع اندلاع الاحتجاجات الشّعبيّة في مارس/ آذار 2011، بدأت ملامح التحوُّل تظهر في حياته.
بحسب روايات مقرّبين منه، صُدِم الهرموش من طبيعة الأوامر العسكرية التي صدرت للقوات المنتشرة في مدن وبلدات ريف إدلب، خصوصاً في جسر الشغور، حيث شهدت المنطقة عمليات اقتحامٍ واسعة وسقوط أعدادٍ كبيرة من الضحايا المدنيين.
في تلك الفترة، توصّل إلى قناعةٍ ستغيّر مصيره بالكامل: “الجيش الذي يوجّه سلاحه إلى شعبه يفقد شرعيته الأخلاقية.”
في 9 يونيو/ حزيران 2011، ظهر الهرموش في تسجيلٍ مصور انتشر سريعاً عبر الإنترنت ووسائل الإعلام العربية. وقف بلباسه العسكري معلناً انشقاقه عن الجيش السوري، وداعياً الجنود والضباط إلى رفض تنفيذ أوامر قتل المدنيين.
كان ذلك الظهور حدثاً مفصلياً في بدايات الثورة السورية. للمرة الأولى، يظهر ضابط برتبة متقدمة نسبياً بشكلٍ علني، معلناً انحيازه إلى المحتجين، بعد أيام، أعلن تأسيس “لواء الضباط الأحرار”، الذي اعتبر لاحقاً النواة الأولى لما أصبح يعرف باسم “الجيش السوري الحر”.
لم يكن الهرموش يمتلك حينها قوة عسكرية كبيرة، لكن رمزيته كانت هائلة. فقد شكّل انشقاقه أول تصدع علني داخل المؤسسة العسكرية السورية، في وقتٍ كانت السلطة تؤكد أنّ الجيش ما يزال متماسكاً بالكامل.
مع تصاعد الملاحقات الأمنية، غادر الهرموش إلى تركيا واستقر في مخيمات اللاجئين بمحافظة هاتاي الحدودية، حيث بدأ بالتواصل مع ضباط وجنود منشقين آخرين.
هناك، ظهر في عدة مقابلات إعلامية، تحدّث فيها عن العمليات العسكرية ضدّ المتظاهرين، وطالب المجتمع الدولي بحماية المدنيين السوريين.
لكن وجوده في تركيا لم يدم طويلاً.
في 29 أغسطس/ آب 2011، اختفى الهرموش بشكلٍ مفاجئ من داخل الأراضي التركية، في حادثةٍ أثارت صدمة واسعة داخل الأوساط السورية المعارضة.
لاحقاً، ظهرت روايات متعددة تحدّثت عن تعرضه لعملية استدراج واختطاف معقّدة، شاركت فيها شبكة مرتبطة بالمخابرات السورية. وتشير شهادات متقاطعة إلى أنّه نُقل سراً عبر الحدود إلى داخل سوريا. في المقابل، نفت أنقرة حينها أيّ دورٍ رسمي في تسليمه، بينما بقيت ملابسات العملية موضع جدل لسنوات طويلة.
بعد أسابيع من اختفائه، ظهر حسين الهرموش على شاشة التلفزيون السوري الرسمي في مقابلة بدت واضحة التأثر بالإكراه والتعذيب، ظهر الرجل بملامح مرهقة وصوت متعب، متراجعاً عن تصريحاته السابقة، ومتحدثاً بلغةٍ اعتبرها كثيرون بعيدة عن خطابه المعروف.
ناشطون حقوقيون ومعارضون قالوا إنّ آثار التعذيب كانت واضحة على وجهه وطريقة حديثه، معتبرين أنّ المقابلة جاءت بعد ضغوطٍ قاسية داخل مراكز الاحتجاز، كان ذلك آخر ظهور علني معروف له.
بعد ظهوره التلفزيوني، انقطعت أخباره بالكامل، فيما تحدّثت تقارير حقوقية وشهادات معتقلين سابقين عن نقله إلى سجن صيدنايا العسكري، أحد أكثر السجون السورية شهرة بسوء المعاملة والتعذيب.
لسنوات، بقي مصيره مجهولاً، بين روايات تقول إنّه أُعدِم عام 2012، وأخرى تُرجّح وفاته تحت التعذيب داخل السجن، وفي السنوات الأخيرة، نقلت عائلته عن شهودٍ ومعتقلين سابقين معلومات تُفيد بأنّه تُوفّي في سجن صيدنايا في يناير/كانون الثاني 2012، بعد أشهرٍ من اعتقاله.
لكن حتى اليوم، لم تصدر وثيقة رسمية مستقلة تؤكّد مكان دفنه أو ظروف وفاته بشكلٍ نهائي.
لم تتوقّف تداعيات انشقاق الهرموش عند شخصه فقط فقد تعرّضت عائلته في قرية إبلين لحملات مداهمة وملاحقة، كما تحدّث مقرّبون عن تدمير منازل واعتقال عددٍ من أقاربه خلال العمليات العسكرية التي شهدها ريف إدلب في تلك الفترة.
بالنسبة لكثيرٍ من السوريين، أصبحت قصة الهرموش مثالاً مبكّراً على الثّمن الذي دفعه المنشقّون عن المؤسسة العسكرية، ليس فقط هم، بل وعائلاتهم أيضاً.
تكمُن رمزية حسين الهرموش في التوقيت الذي ظهر فيه ففي الأشهر الأولى من الثورة السورية، كان انشقاق ضابطٍ برتبة مقدّمٍ حدثاً غير مسبوق، حمل دلالة سياسية وعسكرية كبيرة، وبالنسبة لمؤيدي الاحتجاجات، مثل الهرموش صورة الضابط الذي رفض توجيه سلاحه ضدّ المدنيين، ودفع حياته ثمناً لذلك أمّا بالنسبة للسلطات السورية، فقد كان انشقاقه تهديداً مبكّراً لصورة المؤسسة العسكرية ووحدتها.
وبين الروايتين، بقيت قصته مفتوحةً على أسئلةٍ كثيرة: كيف اختُطف من داخل تركيا؟ من شارك في تسليمه؟ وأين انتهت جثته؟
اليوم، وبعد مرور سنواتٍ طويلة على اختفائه، ما تزال عائلة حسين الهرموش تبحث عن إجابةٍ نهائية، مثل آلاف العائلات السّورية التي فقدت أبناءها في السجون أو خلال سنوات الحرب.
قصته لم تعد مجرّد قصة ضابطٍ منشقّ، بل تحوّلت إلى جزءٍ من الذاكرة السّورية الحديثة؛ ذاكرة بلد بدأ احتجاجاته بشعارات الحرية، ثمّ غرق تدريجياً في الحرب والاختفاء والسّجون.
ورغم أنّ جسده غاب منذ سنوات، فإنّ اسم حسين الهرموش ما يزال يُذكَر بوصفه الرّجل الذي قال “لا” في لحظةٍ كان الصمت فيها أكثر أماناً من أيّ شيءٍ آخر.