مدونات
يونس العيسى
أطلق شخصٌ سوري يعيش في الخارج دعوة مثيرة بقوله: “ضعوا ملحاً على الجرح وانسوا الماضي”، دعوته كانت تحمل في طياتها مفارقة كبرى، فالملح على الجرح ليس وسيلةً للنسيان، بل هو تجسيد للألم ذاته، ولا يوجد جرح أقسى في الذاكرة العربية المعاصرة من الجرح السوري، الجرح الذي يريد البعض نسيانه برش الملح لم يكن مجرد خلافات سياسية بين شعبٍ مقهورة ونظام مستبد، بل سنوات من القهر المنظم، وعن تهجير قسري طال الملايين، وعن تدمير ممنهج للبيوت والمدارس والمستشفيات، وعن أبناءٍ قضوا في زنازين صيدنايا وفي غرف الملح تلك الغرف التي تحوّلت إلى رمزٍ للتعذيب باسم التطهير.
فغرف الملح في سجون نظام الأسد لم تكن مجرد مكان للاحتجاز، بل كانت مقصلة بطيئة تلتهم الجثث قبل الأرواح. الجلادون هناك لم يكونوا يظنّون أنّ الملح يعقم الجروح، كانوا يضعون المساجين في غرف يرش فيها الملح على جراحهم المتقيحة، لا ليشفوا، بل ليبقوا في عذاب أبدي بين الموت والحياة، فصيدنايا لم تكن سجناً فقط، كانت معملاً لتمليح الأرواح.
هذا هو الفرق الجوهري الذي يجب أن يفهمه كلّ من يدعو السوريين إلى وضع ملح على الجرح ونسيان الماضي، تضميد جراح الشعب الثائر لا يكون بمزيد من الملح السياسي الذي يحرق، ولا بدعوات النسيان القسري التي تزيد النزيف، فالتضميد الحقيقي يكون بالعدالة الانتقالية لا التصالحية.
فقبل أن يكتب نظام الأسد فصوله الدموية في غرف الملح، كان الراحل عبد الرحمن منيف قد كتب روايته الرائعة”مدن الملح”، ليقدّم أعمق قراءة أدبية للملح في السياسة العربية.، وجعل منيف من الملح مجازاً للنفط.
الذي يبدو مورداً ثميناً لكنّه يحمل دماراً بطيئاً، ويجب على أهل المنطقة التكيف مع تغيرات جذرية وفرض نمط تعايش جديد، وفي روايته إشارة لذلك بقوله: “الملح لا يموت، لكنّه يذيب كلّ ما هو حي حوله”، ووصف الصحراء العربية بعد اكتشاف النفط بأنّها “جرح مملوح” بألم التحديث القسري والعيش بقسوة البيئة الأصلية.. وحذّر منيف من الملح الذي يأتي على شكل ثروة، فيملح الجروح الاجتماعية ويذيب الهوية، بقوله: “هذه المدينة مبنية من الملح، أول قطرة مطر أو دم تذيبها”.
صيدنايا وغرف الملح، ومدن منيف والملح كلاهما يحكي قصة مفادها، أنّ الملح عندما يصبح أداة سلطة، فإنّه لا يحفظ بل يذيب، لا يعالج بل يحرق، لا يبني بل يدمر، ويصبح الحاكم هو الملح نفسه.
فقد كان الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي يصف نفسه بأنّه ملح الأرض، أيّ المادة الحافظة التي تمنع فساد البلاد وتفككها، وهو ما يعكس النظرة السلطوية التي يرى فيها الحاكم نفسه بأنّه الضمانة الوحيدة لمسنقبل البلاد والعباد، ويجعل من نفسه مادة حافظة ورمزاً للحماية، مع العلم أنّ الحاكم المستبد في حقيقته ملح يحرق الجروح التي سببها للشعب بالقمع والفساد والقهر والفقر، وتمليح الجروح في السياسة، يأتي بحل يبدو في ظاهره علاجاً، لكنّه في باطنه يزيد الوضع سوءاً.
في عام 1930، قاد المهاتما غاندي مسيرة الملح الشهيرة متحدياً قانون الاحتكار البريطاني، وحوّل الملح من مجرّد مادة غذائية لرمز لمعاناة الملايين من الفقراء الذين أرهقتهم الضرائب، وحول حبة الملح إلى سلاح مقاومة سلمية في تلك المسيرة، ولم يضع ملحاً على الجرح، بل استخرج الملح من جرح الأمة ليصنع منه دواء، بينما جلادو صيدنايا استخدموه ليكووا به الجرح ويحرقوه، وهنا الفرق بين من يضع الملح ليشفي، ومن يضعه ليعذب.
وتأثر بفلسفة غاندي السلمية مارتن لوثر كينغ واستخدم الملح في خطاباته الشهيرة بقوله: “الظلم كالملح في جرح الكرامة الإنسانية، لا يمكننا أن نرتاح حتى يُغسل هذا الجرح بماء العدالة”، وكان الملح عنده أداة بلاغية لفضح الظلم، لا وصفة للنسيان.
العدالة الانتقالية هي البلسم الحقيقي الذي يطهر الجرح قبل أن يبدأ بالالتئام، وهي تقوم على أسسٍ واضحة: كشف الحقيقة، محاسبة الجناة، جبر الضرر للضحايا، فالعدالة ليست ملحاً يحرق، بل هي الماء الذي يغسل الجرح. والعدالة هي أن يعترف الجلاد بجرائمه، وأن يواجه الضحايا الجلادين، وأن ترد الاعتبارات، وأن تُبنى مؤسسات بقوانين ناظمة على أنقاض غرف الملح.
فالعدالة الانتقالية ليست رفاهية فكرية، بل شرط أساسي لأيّ التئامٍ حقيقي، بدونها، سيبقى الجرح السوري مفتوحاً، وكل دعوة للنسيان لن تكون إلا كمن يضع الملح على جرح ما زال ينزف.
وبين الملح الذي يحرق والملح الذي يحفظ يحمل الملح في السياسة معنيين متناقضين: ملح يحرق كما في غرف صيدنايا، وكما في النفط في رواية منيف، ملح يحفظ كما في المقاومة السلمية لغاندي، وكذالك في عدالة انتقالية حقيقية تطهر الجروح.
ودعوات تمليح الجراح باسم النسيان ليست سوى محاولة للهروب من المواجهة، والجروح التي لا تعالج بالصدق تظلّ تنزف تحت سطح النسيان.
وربما حان الوقت لنسأل: هل نريد ملحاً يذيب، أم نريد دواء حقيقياً لجروحنا؟ التاريخ لم يرحم من ملحوا الجروح باسم النسيان، والشعب الثائر على ظالم رش الملح على جروحه واستعمل كلّ أساليب القتل ضده وهجر ودمر واعتقل وزج بالسجون أحراراً عرفوا الملح بأقسى صوره في زنازين صيدنايا وغرف التعذيب، فإنّهم يعرفون أكثر من غيرهم أنّ الجرح لا يلتئم بالملح، بل بالعدالة، والعدالة وحدها هي التي تستطيع أن تحوّل غرف الملح إلى ذكرى لا إلى جرحٍ مفتوح، وأن تجعل من مدن الملح التي كتبها منيف درساً لا يتكرّر.

