مدونات

“سيميائية الراية السورية” سيرة علم سوريا منذ عام 1918

أبريل 3, 2026

“سيميائية الراية السورية” سيرة علم سوريا منذ عام 1918

يوسف شندي الراوي

في عِلم الرايات (Vexillology) وهو الدراسة العلمية لتاريخ وتصميم ورمزية الأعلام: لا يُنظر إلى العلم كأداةٍ بصرية فحسب، بل كـ “عقدة اجتماعية فريدة”.

بالنسبة للسوريين بشكلٍ خاص، لم يكن العلم يوماً مجرد ألوان على قطعة قماش؛ بل كان يشكل “الحدود النفسية” بين الوطن والغربة، وبين الحرية والاستبداد، وبين النصر والهزيمة.

تبدأ قصة تشكل العلم السوري من اللحظة التي قرر فيها شريحة من السوريين التمايز عن الحالة العثمانية، وصولاً إلى اللحظة التي تسلق فيها شاب عاموداً في مدينة عين العرب لينزع العلم السوري في صراعٍ رمزي لم ينتهي بعد.

المحور الأول – (1918 – 1946) الجذور التاريخية:

بدأت الحكاية بعلم الثورة العربية الكبرى عام 1916

علم الثورة العربية - ويكيبيديا

وهو “الأب الروحي” لكلّ الأعلام العربية؛ لكن الخصوصية السورية ولدت في 8 آذار 1920، عندما رُفع علم المملكة العربية السورية بدمشق:

المملكة العربية السورية - ويكيبيديا

  • الابتكار الرمزي: كانت الإضافة السورية هي “النجمة السباعية البيضاء” في قلب المثلث الأحمر؛ لم تكن مجرّد زينة، بل كانت “بيان سيادة” يضمّ أقاليم سوريا الطبيعية السبعة.
  • صدمة الانتداب: كانت هذه المرحلة هي أول محاولة لـ “هزيمة الهوية الوطنية عبر العلم”، حيث فُرض إضافة العلم الفرنسي الصغير في الزاوية، لكن السوريين رفضوه نفسياً قبل أن يرفضوه سياسياً بعد ذلك؛ علم دولة سوريا “الاتحاد السوري”

الاتحاد السوري (دولة) - ويكيبيديا

حاول الاستعمار الفرنسي “تفتيت الرمز” عبر أعلام الدويلات؛ علم دولة دمشق

دولة دمشق - ويكيبيديا

علم دولة حلب

ملف:Flag of the State of Aleppo.svg - ويكيبيديا

علم دولة جبل العلويين

دولة جبل العلويين - ويكيبيديا

علم دولة جبل الدروز

دولة جبل الدروز - ويكيبيديا

علم الدولة السورية (1925–1930)

الدولة السورية (1925–1930) - ويكيبيديا

  • علم الجمهورية السوريّة أو الجمهورية الأولى (1932): علم الاستقلال هو البطل الحالي للمشهد (الخطوط: الأخضر، الأبيض، الأسود؛ مع 3 نجوم حمراء)؛ صُمم ليكون صرخةً ضدّ الانتداب؛ اللون الأخضر: يرمز إلى العهد الفاطمي، اللون الأبيض: يرمز إلى العهد الأموي، اللون الأسود: يرمز إلى العهد العباسي، والنجوم الثلاث كانت تعبيراً عن “وحدة الأجزاء السورية” التي حاول الفرنسي تقسيمها؛ وُضع تصميمه في دستور عام 1928، واعتُمد علماً رسمياً للبلاد بعد نيل الاستقلال التام عن الانتداب الفرنسي في 17 نيسان 1946.

File:Flag of Syria (1930–1958, 1961–1963).svg - Wikimedia Commons

المحور الثاني – (1958 – 2011) صراع الأيديولوجيات:

عندما يصبح العلم ساحة للقرار السياسي لا انعكاساً للهوية الوطنية: لم تكن تبدلات العلم السوري في هذه المرحلة ناتجة عن تطور طبيعي في الوجدان الشعبي، بل كانت انعكاساً لـ “سياسية فوقية”؛ دخلت سوريا نفق الأيديولوجيا القومية والاشتراكية، وتحوّل العلم من رمز السيادة إلى أداة التبشير السياسي.

  1. علم الوحدة (1958 – 1961) الحلم الذي ابتلعته المركزية:

في عام 1958، ومع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر، تمّ التخلي عن علم الاستقلال (الأخضر) لصالح علم الوحدة (الأحمر والأبيض والأسود مع نجمتين خضراوين)

علم الجمهورية العربية المتحدة - ويكيبيديا

  • الرمزية الأصلية: كانت النجمتان تعبران عن “تساوي” الإقليمين السوري والمصري في دولة واحدة.
  • التحوّل النفسي: بمرور الوقت، ومع طغيان المركزية الناصرية في القاهرة، بدأ السوريون يشعرون بأنّ العلم يمثل “ذوبان الشخصية السورية” أكثر ممّا يمثّل اتحادها؛ تحوّل العلم من رمزٍ لحلم قومي إلى رمزٍ لسطوة الأجهزة الأمنية والمخابرات التي ميّزت تلك الحقبة، ممّا جعل “الانفصال” عام 1961 يعيد مؤقتاً علم الاستقلال كفعل “استرداد للذات الوطنية”.
  1. حقبة البعث (1963 – 1980) سلسلة التجارب الرمزية:

بعد انقلاب الثامن من آذار 1963، دخل العلم في دوامة “التجريب الأيديولوجي”:

  1. علم النجوم الثلاث الخضراء (1963): تمّ تبديل علم الاستقلال بعلمٍ يشبه علم الوحدة ولكن بـ ثلاث نجوم خضراء؛ كانت ترمز للوحدة الثلاثية المأمول قيامها بين (سوريا، مصر، العراق)، ولشعار الحزب (وحدة، حرية، اشتراكية). هنا، أصبح العلم “بياناً حزبياً” قبل أن يكون رمزاً وطنياً.

علم الجمهورية العربية السورية ما بين عامي ١٩٦٣ إلى ١٩٧٢ كان هذا العلم يرمز في نجومه الثلاث إلى سوريا و العراق و مصر إذ قام اتحاد لهذه الدول الثلاث في ١٧ نيسان

  1. علم اتحاد الجمهوريات العربية (1972): في عهد حافظ الأسد، استُبدلت النجوم بـ “صقر قريش” الذهبي (الذي وُضع أيضاً في علم مصر وليبيا آنذاك). كانت هذه المرحلة تمثل محاولة النظام الجديد تثبيت شرعيته عبر رموز “عروبية” فضفاضة، مع ترسيخ سلطة الدولة المركزية القوية.

علم اتحاد الجمهوريات العربية - ويكيبيديا

  1. استقرار النجمتين (1980) العلم كماركة مسجلة:

في عام 1980، وبقرار سيادي حاسم، عاد العلم ذو النجمتين الخضراوين ليكون الراية الرسمية الدائمة للبلاد؛ والمفارقة التاريخية هنا تكمن في أن استعادة “علم الوحدة” لم تكن تهدف لإحياء المشروع الاتحادي مع مصر (التي كانت قد خرجت من الصراع مع الكيان المحتل باتفاقية كامب ديفيد)، بل كانت مناورة رمزية لترسيخ القطيعة مع الجوار؛ حيث أراد نظام آل الأسد التميز بصرياً عن “بعث العراق” الذي كان يرفع النجوم الثلاث.

منذ تلك اللحظة، توقف العلم عن كونه “مشروعاً قومياً”، وبدأ يأخذ مساراً مغايراً تماماً في الوعي السوري:

  • تجميد الرمز: تحوّلت “النجمتان” من حلم بالوحدة إلى أيقونة ثابتة للنظام القائم؛ فصار العلم يرمز لاستقرار السلطة وبقائها أكثر من تعبيره عن طموحات الشعب.
  • الأدواتية السياسية: استُخدم العلم أداة لفرز “الوطنية” بمقاسات السلطة، فبات القماش يمثّل شرعية الحزب الحاكم لا شرعية الدولة المؤسساتية، ممّا مهد الطريق لعملية “التطويب” النفسي التي جعلت العلم ملحقاً بصورة القائد تدريجياً.
  1. البُعد النفسي والارتباط الشرطي “أدلجة القماش”:

كيف تمّ دمج “الوطن” في “الشخص”؟

على مدار أكثر من أربعة عقود (1970 – 2024)، لم تكتفِ عائلة الأسد بالسيطرة على الجغرافيا السورية، بل مارست “هندسة اجتماعية” استهدفت الوعي البصري للسوريين، عبر عملية دمجٍ قسري بين “القائد” و “الرمز الوطني”.

تمّ إلغاء استقلالية العلم السوري كرمزٍ مجرد؛ ففي طقوس الدولة الأمنية، لم يعد العلم يُرفع منفرداً كرايةٍ للبلاد، بل صار “خلفية بصرية” ثابتة ترافق صور “القائد الخالد” أو “الرئيس الشاب”؛ في طوابير الصباح المدرسية، وفي الثكنات العسكرية، وفي واجهات الدوائر الحكومية، جرى تكريس معادلة بصرية مفادها: “العلم موجود لأنّ الرئيس موجود”، ممّا حوّل الراية من “مظلةٍ للجميع” إلى “إطار للصورة”.

نشأت أجيال كاملة تحت وطأة “تشويه المفاهيم”؛ حيث تمّ استبدال “الولاء للوطن” بـ “الولاء للنظام” عبر التوحيد بين العلم الرسمي وشعار الحزب القائد؛ نفسياً تمّ ربط ألوان العلم (الأحمر والأبيض والأسود) بمنظومةٍ أمنية وسياسية محددة، بحيث أصبح احترام العلم في العقل الجمعي يعني بالضرورة “الخضوع للسلطة”، ممّا أفرغ الرمز من قدسيته الوطنية الصافية.

هذا الاحتقان النفسي هو الذي فجر حالة الانفصال عن علم السلطة في عام 2011؛ فعندما بدأ المتظاهرون بإنزال العلم الأحمر ذي النجمتين، لم تكن تلك إهانة للوطن في وجدانهم، بل كانت “عملية تطهير” لفصل الطاغية عن الوطن؛ لقد كان تمزيق أو حرق العلم فعلاً تحررياً يهدف إلى تحطيم “صورة الظالم” التي التصقت بذاكرتهم، وبحثاً عن رمزٍ وطني لم تتلوث ألوانه بتبعية الأشخاص والاستبداد.

المحور الثالث – استرداد الرمز “علم الاستقلال” لماذا؟

لم تكن العودة لـ علم 1932 (الأخضر) في عام 2011 مجرد نكوص عاطفي نحو الماضي أو حنين للزمن الجميل، بل كانت “ضرورة وطنية” للتحرر من سطوة الرمز الذي صبغه الدولة بلونه الخاص لعقود.

  • الانفصال البصري: كان البحث عن بديل يكسر “الارتباط الشرطي” بين العلم والحاكم (الوطن والطاغية)؛ فاستعادة الأخضر كانت بمثابة “إعلان استقلال ثانٍ” للوعي السوري من احتلال الأيديولوجيا الحزبية البعثية والأسدية.
  • شرعية ما قبل الاستبداد: تكمن عبقرية هذا الاختيار في كونه رمزاً وُجد قبل حقبة الأسد والبعث، ممّا يمنحه حصانة تاريخية وقدرة على البقاء بعد زوالها؛ لقد أراد السوريون رايةً لا تدين بوجودها لأيّ سلطة، بل تستمد شرعيتها من ميثاق وطني قديم وصافٍ، ليكون هذا العلم هو “المطهر” الذي يغسل الهوية الوطنية من رواسب الحقبة الأمنية.

المحور الرابع – حرب الأعلام وسيكولوجية الانقسام (2011 – 2024)

لم تكن شرارة الثورة في 15 آذار تستهدف العلم بحدّ ذاته، بل كانت تنادي بالحرية تحت نفس علم “النجمتين”؛ لكن الإصرار العنيف على ترسيخ فكرة “مزرعة الأسد” بعلمها ذي النجمتين حوّل الراية إلى جبهة قتال، لتبدأ أكبر مرحلة من مراحل الانقسام الرمزي في التاريخ السوري المعاصر:

  • الهروب إلى الجذور: في نيسان 2011 ومع تصاعد وتيرة القمع حدث “استحضار جماعي” لـ علم الاستقلال؛ لم يكن مجرّد اختيار تاريخي، بل كان “انحيازاً نفسياً” لعصر سوريا الذهبي، عصر التعددية والبرلمانية قبل حقبة “الدولة الأمنية”؛ لقد كان العلم الأخضر هو “الملاذ البصري” الذي استرد فيه السوريون هويتهم المغيبة.
  • الجغرافيا والسيميائية: تحوّل لون العلم إلى “محدد للهوية ومقرر للمصير”؛ ففي سوريا المقسمة أصبح العلم هو البطاقة الشخصية الحقيقية؛ عند “الحاجز الأمني” كانت صورة العلم الأخضر في الهاتف تعني الاعتقال أو الموت بتهمة الخيانة، بينما في مناطق الثوار كان العلم الأحمر يُقرأ رمزاً صارخاً للطغيان والإبادة، ممّا خلق حالة من “الغربة الرمزية” داخل الوطن الواحد.
  • الرمزية والإهانة: بلغت “حرب الأعلام” ذروتها في طقوس الإهانة المتبادلة؛ فبينما كان “شبيحة” النظام يدوسون علم الثورة لإذلال الحاضنة الشعبية، كان تنظيم “داعش” يحرقهما معاً باعتبارهما “أصناماً وطنية” تتعارض مع دولته العابرة للحدود؛ وفي الشمال الشرقي مارست “قسد” إقصاءً طويلاً للعلم الأخضر، معتبرة إياه رمزاً لخصومها السياسيين، ممّا حوّل الساحة السورية إلى “غابة من الرايات المتصارعة” غابت فيها روح الدولة الواحدة لسنوات طويلة.

المحور الرابع – المنعطف التاريخي (2024 – 2026):

لم يكن دخول دمشق في 8 كانون الأول 2024 مجرد انهيار لمنظومة عسكرية، بل كان في جوهره “انقلاباً سيميائياً” أطاح برموز حقبة كاملة؛ في تلك اللحظة تحوّل العلم من أداةٍ احتجاج إلى صك شرعية للدولة الجديدة:

  • فلسفة السيادة البصرية: أدركت السلطة الانتقالية منذ الساعات الأولى أنّ السيطرة على “الرموز” تسبق السيطرة على “المكاتب”؛ لذا كان استبدال الأعلام فوق القصر الجمهوري وساحة الأمويين والمؤسسات السيادية فعلاً يمثّل أولوية قصوى لإعلان القطيعة التامة مع الماضي، وترسيخ هوية “الجمهورية الثانية” في الوعي الجمعي قبل صدور المراسيم الرسمية.
  • سيكولوجية العودة: بالنسبة لملايين اللاجئين العائدين عبر الحدود والمطارات، لم تكن الأوراق الثبوتية هي ما منحتهم الشعور بالأمان، بل كانت رؤية “العلم الأخضر” يرفرف فوق مطار دمشق؛ لقد تحوّل العلم في تلك اللحظة من “راية عسكرية” إلى “مظلة أمان” وصك ضامن يؤكد أنّ العودة لم تكن إلى “سوريا التي تركوها”، بل إلى “سوريا التي حلموا بها”.
  •  

المحور الخامس – قلق الهوية وحادثة النوروز:

بينما كانت سوريا تحتفل بالذكرى الخامسة عشرة لثورتها، وبالأجواء التفاؤلية لـ “الدولة الجديدة” بعد سقوط نظام عائلة الأسد المجرم، جاءت حادثة مدينة عين العرب (كوباني) في ريف حلب الشرقي خلال احتفالات النوروز (21 آذار 2026) لتضع مشروع “الاندماج الوطني” أمام مرآة الواقع القاسي:

الحادثة والدوافع: في ذروة احتفالات عيد النوروز، وأمام حشود جماهيرية، تسلق شاب سارية مركزية ونزع علم الاستقلال وألقاه أرضاً وسط هتافات فئوية.

الدوافع: لم تكن الحادثة مجرد فعل طائش، بل كانت “رسالة بصرية” مشحونة بالخوف؛ ففي الوعي الجمعي لشريحة من المكون الكردي (المتأثر بسنوات الإدارة الذاتية)، يُقرأ العلم ذو النجوم الثلاث أحياناً لا كرمزٍ للتحرّر من الأسد، بل كرمزٍ لـ “المركزية القومية العربية” التي يخشون أن تصادر خصوصيتهم الثقافية والسياسية مجدداً، إنّها صرخة “انفصال شعوري” تعكس ريبة عميقة تجاه الدولة الأم.

التداعيات الميدانية والتوترات الأمنية:

  • في عين العرب: أدى إنزال العلم إلى مشادات متنامية بين مؤيدي “الدولة الموحدة” وبين أنصار “الخصوصية المحلية”، ممّا استدعى تدخلاً سريعاً من (قوى الأمن الداخلي) للقبض على مرتكب هذه الفعلة بالإضافة إلى منع الاشتباكات ومنع تحوّل هذه الحالة إلى صراع إثني وعرقي عبر ضبط الحالة الأمنية في المناطق مختلطة التكوين.
  • الاستنفار الرمزي: رداً على الحادثة، شهدت مدن مثل إعزاز، الباب، ودمشق “موجة تظاهرات ورفع أعلام” عفوية ومكثفة، كما وغطى علم الاستقلال واجهات المباني الرسمية والخاصة، ممّا كشف عن حالة من “الاستقطاب الرمزي” فما صنف كثر هذه الحالة ك “إهانة للسيادة” والوحدة الوطنية.
  • الرد المؤسساتي: تعاملت الحكومة السورية بذكاء قانوني مغاير لأسلوب النظام البائد:
    • توصيف الجرم: لم تُصنف الحادثة كـ “خيانة عظمى” تستوجب القمع العسكري، بل كـ “تهديد للسلم الأهلي” وخرق لقانون الرموز الوطنية.
    • المسار القانوني: أُعلن عن توقيف المتورطين مع التأكيد على احترام “حق الاحتفال بالنوروز”، في محاولة لفصل “الجرم القانوني” عن “الحقّ القومي”، وهي سابقة في التعامل مع قضايا السيادة في سوريا.
  • النتائج والدروس المستفادة: أثبتت واقعة عين العرب أنّ العلم لم يصل بعد لمرحلة “الرمز الجامع” في كافة الجغرافيا السورية؛ إنّها “صدمة وعي” للسلطة القانونية تؤكد أنّ فرض العلم فوق المباني هو إجراء إداري أساسي، أمّا غرس احترامه في القلوب التي أثقلتها عقود من التهميش فهو عملية “بناء ثقافي منهجي” طويلة الأمد؛ يعتبر العلم اليوم “مشروع هوية وطنية قيد الإنجاز”، يحتاج إلى تطمينات سياسية وعملية تُقنع الشاب في عين العرب أنّ هذا العلم يحمي لغته وخصوصيته كما يحمي تراب سوريا كلها.

المحور السادس – الرمزية العابرة للحواس:

في اللحظة الراهنة، تجاوز علم الاستقلال كونه “راية احتجاج” ليصبح حجر الزاوية في منظومة سيادية متكاملة؛ فالدولة السورية الناشئة تدرك أنّ السيادة ليست قراراً سياسياً فحسب، بل هي “حالة إدراكية” تصل للمواطن عبر سمعه، وبصره، وحتى تعاملاته اليومية البسيطة.

  • ثنائية “الصورة والصوت” (العلم والنشيد): تعيش سوريا اليوم حالة فريدة من “التزاوج الرمزي”؛ فرغم بقاء لحن “حماة الديار” كبروتوكول رسمي في المحافل الدولية (نظراً لجذوره التي تسبق عهد البعث)، إلا أنّ اقترانه بـ علم النجوم الثلاث لم ينزع عنه “غبار الحقبة الماضية” وما كانت تحمل معها من ظلم.
    • التحوّل الشعوري: لم يعد السوريون ينشدون “حماة الديار” كواجب مدرسي قسري، بل أصبح النشيد هو “الحنجرة” التي انشدت هتافات المظاهرات كلها، والتي منحت العلم الأخضر صوتاً، هذا التكامل خلق روحاً ثورية جديدة في الاحتفالات الوطنية، حيث بات اللحن القديم مجرد حالة مؤقت إلى حين ولادة اللحن الوطني الجديد، ممّا جعل الهوية السورية “المسموعة” حالة مؤجلة قريبة.
  • العملة السورية: انتقلت الرمزية من السارية إلى الحياة الاقتصادية والمدنية؛ كان طرح الفئات النقدية الجديدة في مطلع عام 2026 منعطفاً اقتصادياً ونفسياً؛ فوجود العلامة المائية لعلم الاستقلال بدلاً من صور القادة السابقين، منح الليرة “ثقلاً وطنياً” ساهم في تعزيز القيمة النفسية للعملة؛ بدأ المواطن يشعر أن ماله يمثل “دولة” لا “نظاماً”، مما ساعد في الاستقرار لليرة بشكل أو بأخر أمام العملات الأجنبية نتيجة استعادة الثقة في الرمز الوطني.
  • تكامل الرموز درع نفسي: إنّ هذا “التكامل السيادي” الحتمي بين العلم، والنشيد، والعملة، يشكل درعاً نفسياً للمواطن السوري. ففي آذار 2026، لم يعد المواطن بحاجة للبحث عن انتمائه في “الجماعات الضيقة”، لأنّ رموز الدولة أصبحت حاضرة وموحدة، ممّا خلق شعوراً عاماً بالاستقرار الوجودي بعد عقد ونصف من التفتت الرمزي.
  •  

المحور السابع – الزاوية الدبلوماسية

في آذار 2026، أغلقت سوريا فصلاً مريراً من “الانفصام الدبلوماسي”؛ فبعد سنوات طويلة كان فيها العالم يقف حائراً أمام “علمين” يمثلان شعباً واحداً، حُسم المعنى وانتهى التيه الرمزي؛ لقد أصبح علم الاستقلال هو اللغة الوحيدة التي تخاطب بها سوريا المجتمع الدولي:

  • نهاية زمن “العلمين”: مع استقرار الحكومة الجديدة في دمشق واعتراف القوى الكبرى بالواقع السياسي الجديد بعد كانون الأول 2024، أُنزلت رايات الحقبة الماضية من كافة السفارات والبعثات الدبلوماسية حول العالم؛ اليوم يرفرف علم النجوم الثلاث وحيداً أمام مبنى الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف، وفي مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة، ليعلن انتهاء حقبة “ازدواجية التمثيل” التي أرهقت الهوية السورية في الخارج لأكثر من عقد.
  • السيادة في المحافل العالمية (أولمبياد 2026): يكتسب العلم زخماً استثنائياً مع التحضيرات لـ دورة الألعاب الأولمبية 2026؛ حيث سيقف الرياضيون السوريون خلف راية الاستقلال والثورة لأول مرة كـ “بعثة وطنية موحدة” وشاملة لكل السوريين (الداخل والمهجر). هذا المشهد البصري المنتظر ليس مجرّد نشاط رياضي، بل هو “إعلان انتصار سيادي” يثبت أنّ سوريا استعادت وحدتها العضوية تحت رمز تاريخي أصيل.
  • استعادة “الكرامة القانونية”: بالنسبة للمواطن السوري، لم يكن اعتراف العالم بالعلم مجرّد إجراء بروتوكولي، بل كان بمثابة “إعادة اعتبار”؛ لسنواتٍ طويلة كان السوري يشعر بالتهميش القانوني والرمزي بسبب “تلوث” رموز الدولة السابقة بجرائم الحرب؛ أمّا اليوم فإن اعتراف المنظمات الدولية بعلم الاستقلال منح السوريين “مظلة قانونية” محترمة، سهلت إجراءات التنقل والإقامة والتمثيل وأعادت ربط الفرد السوري بالعالم كـ “مواطن” معترف بكيانه، لا كـ “لاجئ” يبحث عن هوية.

هل انتهت القصة؟

إنّ سيرة العلم السوري ليست مجرّد تعاقب رايات وألوان، بل هي ملحمة شعبٍ رفض بعنادٍ استثنائي أن يُختصر تاريخه في “فرد”، أو تُحصر آماله في “حزب”؛ فمنذ عام 2011 وحتى 2026، لم يعد هذا الرمز مجرد “راية” تُرفع في المناسبات، بل استحال “جلداً ثانياً” للسوريين؛ نبتَ من جروحهم، واصطبغ بدماء مئات الآلاف من الشهداء والحالمين، حتى صار انتزاعه يُشبه انتزاع الروح من الجسد.

ومع ذلك، فإنّ قصة العلم لا تنتهي عند السارية، فالتحدي الوجودي الذي تواجهه “سوريا الجديدة” اليوم ليس في تثبيت الأعلام فوق القمم أو في المحافل الدولية، بل في تحويل هذا الرمز من “إجراء سيادي” إلى “عقدٍ وجداني”؛ إنّ الاختبار الحقيقي يكمن في ترسيخ ألوان هذا الرمز في القلوب التي أوجعتها السنون، وترميم الذاكرة الجمعية لمكوّنات الشعب السوري كافة؛ من دمشق إلى عين العرب، ومن حلب إلى درعا، وتأصيلها بحالة إيجابية مرتبطة بهذا العلم.

إنّ الهدف الأسمى للمرحلة القادمة هو الوصول إلى تلك اللحظة التي لا يجرؤ فيها أحدٌ على إنزال العلم أو المساس به؛ ليس رهبةً من “سوط القانون” أو هيبة المؤسسة الأمنية، بل إيماناً أصيلاً وراسخاً بأنه “البيت الرمزي” الذي يتسع للجميع بشتى لغاتهم ومذاهبهم؛ فالعلم الذي خُضب بالدماء كي يرتفع، يحتاج اليوم إلى “العدل” و “المواطنة” كي يستقر.

لقد رُفعت الراية أخيراً فوق الأرض، وباتت المهمة أن تظل الراية مرفوعةً في القلوب كضمانةٍ أخيرة لكي لا تسقط سوريا مرةً أخرى في تيه الرمزيات المتصارعة.

شارك

مقالات ذات صلة