آراء
هناك لحظات في التاريخ تشبه الوقوف على حافة منحدر. خطوة واحدة بحسابٍ خاطيء، قد تؤدي بصاحبها إلى الانزلاق والهلاك. تحريك قوة عسكرية أمريكية باتجاه إيران بوصفه أداة ردع، قد يبدو في حسابات البيت الأبيض وساكنه رسالة قوة واضحة. لكن الردع ليس عرضًا مسرحيًّا، بل معادلة نفسية دقيقة. وإذا أُسيء تقدير أحد أطرافها، تتحوّل من أداة منع حرب إلى شرر لإشعالها.
بين نظرية إيران المعروفة بـ ”أم القرى“ وعقيدة إسرائيل القائمة على ”حافة الهاوية“ يقف الشرق الأوسط فوق خطّ صدع استراتيجي دقيق. ”أم القرى“ تنطلق من فكرة أنّ بقاء المركز؛ الدولة الإيرانية نفسها هو الأولوية القصوى، لذلك تُدار الصراعات غالبًا في الأطراف وتُستخدم أدوات غير مباشرة لتجنب نقل الحرب إلى الداخل. أمّا ”حافة الهاوية“ فتعتمد على الاقتراب المتعمد من شفير الانفجار لإجبار الخصم على التراجع، عبر إظهار استعداد حقيقي للذهاب بعيدّا جدًّا. حين يحرك دونالد ترمب قوة عسكرية باتجاه إيران، فهو يدخل إلى معادلة تتقاطع فيها هاتان الفلسفتان؛ فإذا شعرت طهران بأنّ القلب مهدد، قد تتخلى عن إدارة الصراع في الأطراف وتنتقل إلى رد مباشر؛ وعندها يلتقي منطق حماية المركز مع منطق الاقتراب من الحافة في نقطةٍ واحدة، قد يتحوّل الردع من أداة منع للحرب إلى مقامرة بإشعالها.
منذ انسحاب إدارة دونالد ترمب من الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٨، تبنّت واشنطن سياسة الضغط الأقصى. الفكرة كانت بسيطة نظرياً؛ خنقٌ اقتصادي، تهديدٌ عسكري، وعزلٌ سياسي. الهدف إجبارُ طهران على تقديم تنازلات. لكن النظرية شيء، وسلوك الدول تحت الضغط شيٌء آخرُ تماما. الدول لا تتصرف كالروبوتات بديناميات صماء؛ لديها ذاكرةٌ، وعقيدة، ومؤسساتٌ عسكرية ترى في التراجع تهديدا لبقائها.
في علم الاستراتيجية، الردع يقوم على عنصرين: القدرة والمصداقية. تحريك حاملات طائرات أو بطاريات دفاع جوي يعزّز صورة القٌدرة. صحيح مبدئيًّا. لكن المصداقية لا تُبنى بالعرض العسكري وحده، بل بوضوح الخطوط الحمراء. المشكلة أنّ الخطوط بين واشنطن وطهران أصبحت رمادية وغير مُمأسسة، على الأقل في باكورة الولاية الثانية لترمب. لا يمكن اختزال الاستعراض بالقوة الأمريكية في مستهدفٍ واحد للردع؛ هل الهدف تعطيل البرنامج النووي؟ أم كبح النفوذ الإقليمي؟ أم ردع هجوم مباشر على الحلفاء؟ عندما تكون الرسالة غير محددة، يصبح كلّ تحرك قابلًا لسوء الفهم. وهنا مكمن المقامرة.
إيران خلال العقد الماضي طوّرت نمطًا خاصًا في الرد. بعد اغتيال قاسم سليماني في يناير ٢٠٢٠، ردّت بقصف قاعدة عين الأسد في العراق، لكنّها حرصت – وفق تقديرات متعددة – على تجنب قتل أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين. الرسالة كان لسان حالها ”نستطيع الرد، لكنّنا لا نريد حربًا شاملة“ هذا النمط يتكرّر في سلوك إيران؛ استخدام ساحات بديلة، رسائل من لهيب دون كسر العتبة التي تستدعي رداً كاسحًا.
هذه الاستراتيجية يمكن وصفها بـالرد المحسوب خارج السيادة الوطنية. تمامًا كلعبة شد الحبل دون قطعه. ضربات عبر وكلاء، أو في مسارح بعيدة، تتيح لطهران إنكارًا معقولًا وتجنب التصعيد المباشر.
لكنّ ثمّة تحوّلا لافتًا في الخطاب الإيراني خلال السنوات الأخيرة. المسؤولون العسكريون يتحدّثون صراحة عن الرد المباشر بينما توارت رواية أنّ المعركة على أرضنا إن فُرضت علينا. المناورات العسكرية أصبحت أكثر علانية. تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لم يعد رسالة ضمنية بل إعلان قوة وقدرة. هنا نحن أمام تطور في عقيدة الردع الإيرانية؛ من الرد غير المباشر منخفض الكثافة إلى الاستعداد لرد مباشر عالي المخاطر.
لماذا هذا التحوّل؟ أرى أن جزءًا منه موجّهٌ للداخل؛ فأيّ نظامٍ سياسي تحت ضغط اقتصادي طويل يحتاج إلى ترميم صورة الردع أمام جمهوره. وجزء منه للخارج؛ توالي الضربات الإسرائيلية في سورية لسنوات، والهجمات السبرانية، والعقوبات، كلها خلقت شعورًا بأنّ الرد غير المباشر لم يعد كافيًا لاستعادة التوازن.
عندما يقرّر طرف ما أنّ الرد على أرضه ليس خطًا أحمر وإنّما خيارٌ مطروح، فإنّ معادلة الردع تتغير جذرياً. لأنّ الحرب المباشرة بين إيران والولايات المتحدة ليست اشتباكًا محدودًا؛ بل حدث يعيد تشكيل الإقليم.
المنطقة ليست لوحة شطرنج ثابتة. مضيق هرمز شريان محوري للطاقة عالميًّا. العراق وسورية ولبنان ساحات مشبعة بالسلاح والفاعلين. إسرائيل طرفٌ لا يمكن تغريبه عن المعادلة. أيّ ضربة مباشرة قد تفتح سلسلة ردود لا يمكن احتواؤها؛ استهداف قواعد أمريكية في الخليج، توجيه ضربة لإسرائيل، ضربات على منشآت نفطية، فتح ساحات جديدة للمواجهة أو إعادة إنتاج للوكلاء، وربما تعطيل الملاحة.
المفارقة أنّ الردع يفترض عقلانية متبادلة. لكنّه يعتمد أيضا على القراءة الصحيحة لنوايا الخصم. إذا اعتقدت واشنطن أنّ تحريك القوة سيجبر طهران على التراجع، بينما ترى طهران في التحرك مقدمة لضربةٍ حتمية، فقد تختار الضربة الاستباقية أو الرد المباشر لتثبيت معادلتها. هنا يتحوّل الردع إلى معضلة أمن كلاسيكية: كلّ طرفٍ يزيد أمنه فيقلل أمن الآخر فيستجيب الآخر بالمثل، يؤدي ذلك إلى سباقٍ في التسلح قد لا يقتصر على الخصمين فقط، بل على كلّ القوى العسكرية في الإقليم الملتهب أصلا.
الخطير في المقامرة الحالية أنّ كلفة الخطأ أعلى من أيّ وقتٍ مضى. إيران اليوم ليست إيران ٢٠٠٣، رغم ما تكبدته الصيف الماضي. ترسانتها الصاروخية أكبر، شبكات حلفائها أكثر تجذرًا، وخبرتها في الحرب غير المتكافئة أعمق. في المقابل، أيّ حربٍ مفتوحة لن تكون عملية جراحية محدودة؛ ستكون نزيفًا إقليميًّا طويلًا.
هل يعني ذلك أنّ إيران تسعى إلى الحرب؟ ليس بالضرورة. الأنظمة البراجماتية تتجنب الانتحار الاستراتيجي. لكن التاريخ يعلّمنا أنّ الحروب الكبرى كثيرًا ما بدأت بسوء تقدير، لا بنيّة مبيتة. الحرب العالمية الأولى لم تنطلق لأنّ أحدًا أراد حربًا عالمية، بل لأنّ كلّ طرفٍ ظنّ أنّ الآخر سيتراجع.
في هذا السياق، تحريك قوة عسكرية كرسالة ردع قد يحقّق هدفه إذا كان مصحوبًا بقنوات اتصال واضحة وخطوط حمراء محددة. لكنّه يصبح مقامرة خطرة إذا كان جزءا من سياسة ضغط بلا مخرج تفاوضي. الردع بلا دبلوماسية يشبه تمامًا مكابح سيارة مقطوعة الكابلات؛ تبدو موجودة، لكنّها لا تعمل عند الحاجة.
إيران اليوم تشير لفظيًّا وعمليًّا إلى استعدادها لرد مباشر وباتر. الولايات المتحدة قد ترى في ذلك استعراضًا، لكن تجاهله خطأٌ حسابيٌ جسيم. في عالم مشبع بالصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، لم يعد البحر حاجزًا كافيًا، ولا القواعد العسكرية جزرًا معزولة.
السؤال ليس فقط: هل تنجح معادلة الردع؟ بل: ماذا لو فشلت؟ عندها لن يكون الاشتعال موضعياً. سيكون حريقًا تتغذى عليه هشاشة الإقليم، وتدفع ثمنه اقتصادات العالم وأسواق الطاقة، وربما أجيال كاملة تعيش على وقع حرب لم يكن أحد يريدها، لكن الجميع ساهم في إشعالها بخطوة محسوبة خطأ.
الردع فنّ دقيق وشديد الحساسية. وعندما تتحوّل الرسائل إلى تهديداتٍ متبادلة بلا مخارج سياسية، يصبح السلام نفسه رهينة حسابات خاطئة. في الشرق الأوسط، الخطأ لا يبقى خطأ صغيرًا للأسف؛ سرعان ما يتحوّل إلى جحيمٍ مقيم يأتي على الجميع. الخلاصة تكمن في معادلة عسكرية تقليدية: أخطر الحروب هي تلك التي لم يكن أحد يريدها، لكن الجميع ظنّ أنّه يستطيع التحكم في مسارها.




