مشاركات سوريا

دمشق في مرمى الحسابات الإسرائيلية.. قراءة ما قبل الانتخابات

أكتوبر 16, 2026

دمشق في مرمى الحسابات الإسرائيلية.. قراءة ما قبل الانتخابات

ربما يكون من السهل أن ننظر إلى ما يجري في جنوب سوريا بوصفه سلسلة من التوغلات الإسرائيلية التي اعتدنا أخبارها منذ سقوط نظام الأسد، لكن تراكم هذه الوقائع خلال الأشهر الماضية يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها أحداثاً منفصلة. فالمسألة لم تعد فقط أين دخلت القوات الإسرائيلية، ولا كم كيلومتراً تفصلها عن دمشق، وإنما ماذا تريد إسرائيل أن يكون عليه جنوب سوريا في اللحظة التي تحاول فيها الدولة السورية الجديدة استعادة سيادتها وبناء مؤسساتها.


في أيلول/سبتمبر الماضي، حمل تقرير رويترز عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة توصيفًا لافتًا للنشاط الإسرائيلي في جنوب سوريا؛ إذ تحدثت اللجنة عن نشاط عسكري إسرائيلي أصبح “متزايدًا ومستدامًا ومتجذرًا”، مشيرة إلى توغلات برية متكررة، ودوريات ومداهمات وعمليات تفتيش، وإقامة نقاط تفتيش وبنية عسكرية داخل الأراضي السورية.


والأهم أن أعضاء اللجنة قالوا إنهم شاهدوا هذه الوقائع ميدانيًا خلال زيارتهم للقنيطرة ودرعا، واستمعوا إلى سكان تحدثوا عن أثرها في حياتهم اليومية، فيما وثقت اللجنة، حتى تموز/يوليو 2026، احتجاز 49 شخصًا، بينهم طفلان، من الأراضي السورية ونقلهم إلى إسرائيل.


لكن قراءة هذا المشهد من الجانب السوري تضيف إلى الصورة ما لا يظهر دائمًا في التقارير الدولية. فقد وثق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن النصف الأول من عام 2026 عشرات حالات الاحتجاز المرتبطة بالقوات الإسرائيلية، ولاحظ تركّز جزء كبير منها في القنيطرة وارتباطها بالتوغلات البرية المتكررة. وفي تموز/يوليو، وثقت الشبكة نفسها توغلًا إسرائيليًا في قرية عابدين بريف درعا الغربي، تلاه قصف مدفعي، في حادثة قالت إن عناصرها ما زالت تتحقق من بعض تفاصيلها.


هذه التفاصيل مهمة، ليس لأنها تثبت وحدها وجود مشروع إسرائيلي للوصول إلى دمشق، فهذا استنتاج لا تسمح الأدلة المتاحة بالجزم به، وإنما لأنها تشير إلى أمر أكثر وضوحًا: الوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري لم يعد مجرد رد فعل عسكري سريع على سقوط النظام، بل أصبح واقعًا ميدانيًا يتكرر ويمتد زمنيًا، فيما تتشكل حوله بنية أمنية جديدة.

وهنا يصبح الحديث عن جبل الشيخ أكثر من مجرد صورة رمزية. فعندما يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هناك، وعندما تعلن القيادة الإسرائيلية تمسكها بما تسميه المنطقة الأمنية، فإن الرسالة لا تتوجه إلى سكان الجولان فقط، بل إلى دمشق أيضًا.


فإسرائيل لا تتعامل مع الجنوب السوري بوصفه فراغًا جغرافيًا تنتظر أن تستعيد الدولة السورية سيطرتها عليه، وإنما بوصفه مساحة تريد أن يكون لها فيها نفوذ أمني مباشر، أو على الأقل هامش حركة لا تستطيع دمشق تجاهله.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الرواية الإسرائيلية التي تقول إن هذه الإجراءات دفاعية ومؤقتة، وإن الهدف منها منع تهديدات محتملة بعد انهيار النظام البائد، لا احتلال أراضٍ سورية بصورة دائمة.


هذه الرواية لا ينبغي إسقاطها من التحليل، لكنها تصطدم بسؤال بسيط: إذا كان الوجود مؤقتًا، فما الذي سيحدد نهايته؟ وإذا كان مرتبطًا بتهديد أمني محدد، فما الذي سيجعل إسرائيل تعتبر هذا التهديد منتهيًا؟ هنا تنتقل القضية من الأمن إلى السياسة؛ لأن كل يوم إضافي على الأرض يصنع واقعًا جديدًا، وكل واقع جديد قد يتحول لاحقًا إلى ورقة تفاوض.


ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: هل ستدخل إسرائيل دمشق قبل الانتخابات الإسرائيلية؟ فهذا السيناريو لا تسنده، حتى الآن، تقارير موثوقة يمكن تقديمها بوصفه قرارًا إسرائيليًا قائمًا. بل إن تحليلاً حديثاً لمعهد واشنطن يرى أن إسرائيل لا تبدو متجهة إلى خطوات أمنية كبرى جديدة قبل انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر في ملفات المنطقة المختلفة، في حين أظهر تقرير رويترز عن الانتخابات الإسرائيلية أن نتنياهو يخوض حملته مستنداً بقوة إلى صورة “حامي إسرائيل” وإلى الخطاب الأمني.


السؤال الأكثر جدية، في رأيي، هو هل تريد إسرائيل الوصول إلى دمشق، أم أنها تريد شيئاً يمكن أن يكون أكثر قابلية للتحقق وأطول أثراً: أن تجعل الجنوب السوري نفسه ورقة دائمة في أي علاقة مقبلة مع دمشق؟


الفارق بين السؤالين كبير، فالوصول إلى دمشق يعني حرباً مفتوحة وسيناريو عسكرياً واسعاً، بينما تثبيت نفوذ أمني في الجنوب يمكن أن يتحقق تدريجياً عبر التوغلات والقواعد والحواجز والضغط السياسي والتفاوض على ترتيبات أمنية جديدة، ولهذا ربما يكون من الخطأ قراءة المشهد كله من خلال المسافة الجغرافية بين جبل الشيخ ودمشق، فالمسافة الأخطر ليست تلك التي تقطعها الآليات العسكرية، وإنما تلك التي قد تتشكل سياسياً بين الدولة السورية وسيادتها على جزء من أراضيها.


وهنا تلتقي التقارير الدولية مع التوثيق السوري عند نقطة واحدة، حتى لو اختلفت اللغة والتوصيف: هناك واقع ميداني إسرائيلي يترسخ في الجنوب السوري، وهناك دولة سورية جديدة تحاول في الوقت نفسه إعادة بناء جيشها ومؤسساتها وحدودها، وبين المسارين، ستتحدد خلال المرحلة المقبلة طبيعة الجنوب: هل يعود إلى كنف الدولة باعتباره جزءاً طبيعياً من أراضيها، أم يتحول إلى منطقة أمنية مفتوحة على تفاوض طويل لا تكون دمشق وحدها من يحدد شروطه؟


الانتخابات تحرّك الحسابات
إذا كان الجنوب السوري قد أصبح خلال الأشهر الماضية مساحة اختبار للأمن الإسرائيلي، فإن الانتخابات المقبلة تضيف إلى المشهد طبقة سياسية لا يمكن تجاهلها.


فتقرير رويترز المنشور في 29 أيلول/سبتمبر يقرأ الحملة الانتخابية الإسرائيلية من زاوية الأمن، ويشير إلى أن بنيامين نتنياهو يعيد استخدام صورته التقليدية بوصفه الرجل القادر على حماية إسرائيل وسط محيط إقليمي مضطرب، فيما تأتي انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر باعتبارها أول انتخابات إسرائيلية منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.


لكن ربط هذا المعطى بالوجود الإسرائيلي في سوريا يحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالانتخابات لا تعني بالضرورة أن تل أبيب تبحث عن حرب جديدة، ولا توجد أدلة موثوقة تثبت أن قرارًا بالتقدم نحو دمشق قد اتُّخذ.


ما يمكن قراءته بصورة أكثر واقعية هو أن الأمن أصبح مرة أخرى لغة انتخابية داخل إسرائيل، وأن الجنوب السوري يقع في قلب هذه اللغة بحكم قربه من الجولان ودمشق معًا. وهذا يفسر، ربما، لماذا تبدو إسرائيل أكثر تمسكًا بالترتيبات التي فرضتها ميدانيًا منذ سقوط النظام، وأقل استعجالًا للعودة إلى ما كان عليه الوضع قبل كانون الأول/ديسمبر 2024.
وفي المقابل، تدخل دمشق هذه المعادلة من موقع مختلف تمامًا. فقد أكد الرئيس أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر التزام سوريا باتفاق فصل القوات لعام 1974، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخطوط التي كانت قائمة في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.


ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن الشرع قوله إن إسرائيل نفذت منذ توليه السلطة مئات الغارات وآلاف التوغلات البرية، بينما تتمسك إسرائيل بأن وجودها في الجنوب إجراء دفاعي.، وهنا يظهر التناقض الأساسي: سوريا تتحدث عن استعادة حدود وسيادة دولة، وإسرائيل تتحدث عن إعادة تعريف حدود الأمن.


وهذا هو جوهر المسألة، فربما لا تحتاج إسرائيل إلى الذهاب إلى دمشق كي تغيّر قواعد اللعبة، يكفي أن تجعل الجنوب السوري جزءاً ثابتاً من معادلتها الأمنية والسياسية، وإذا نجحت في تحويل هذا الوجود من حالة استثنائية إلى أمر واقع، فإن أي حكومة سورية مقبلة ستجد نفسها أمام تفاوض لا يبدأ من حدود 1974، بل من واقع جديد تشكّل على الأرض.

شارك

مقالات ذات صلة