مشاركات سوريا

بيوتُنا هي نحنُ!

أكتوبر 17, 2026

بيوتُنا هي نحنُ!

الكاتبة: اليمامة صوان

بيوتُنا هي نحنُ.. ليست جدرانًا تحتوينا، بل أرواحُنا منبسطة في المكان، متجسدة في كل زاوية نلمسها، نابضة في كل شيء نضعه ونعيد ترتيبه. هي تعبيرُنا عما نودُّ أن يكونَ عليه العالم، عوالمُنا الخاصة التي نعيد فيها تشكيل الكون وفق أحلامنا الخفية.

نحملُها معنا أينما ذهبنا، نبحث عنها في دفء كل البيوت التي نزورها، في كل كوبِ شاي نشربه، في كل رائحةٍ جميلة.

أتساءل أحيانًا: متى يصبح المكان امتدادًا لروحِنا؟ متى تتوقف الجدران عن كونها حدودًا وتصبحُ جلداً يتنفس معنا؟

لكن السؤال الأصدق هو: متى عرفنا حقًّا معنى البيت؟

كان ذلك حين غادرناه، حين وجدنا أنفسنا نحمل مفاتيحَ لا تفتح أي باب، حين أدركنا أن البيت لا يُفهم إلا بالفقدان.. وربما حين وضعنا أول كوب في مكانٍ اختاره اليأس لا القلب، أو حين وجدنا أنفسنا نتحرك في ظلامٍ غريب نحاول فيه أن نتذكر خريطةَ بيت لم نعد نملك مفاتيحه.

في البيت الأول، بيت الطفولة والأحلام التي لم نعرف أنها ستصبح ذكريات، تعلمنا لغة الانتماء، دون أن ندري أن هناك لغات أخرى للمنفى والاقتلاع.

كان كل شيء هناك أولًا وأخيرًا في الوقت ذاته: أول نوم عميق وآخر نوم مطمئن، أول ضحكة صادقة وآخر ضحكة بريئة، أول دمعة حقيقية وأولى الدموع التي ستتبعها طوابير لا تنتهي.

فالجدران كانت تحتفظ بأصواتنا الصغيرة، لكننا لم نعرف أنها ستحتفظ بها وحدها بعد أن نرحل، والنوافذ كانت تحفظ نظراتنا الأولى للعالم، تلك النظرات التي كانت تؤمن بأن العالم مكانٌ آمن.

هناك أدركنا، بعد فوات الأوان، أن البيوت ليست مجرد مأوى، بل ذاكرةٌ متجسدة تُسرق منا قطعة قطعة..  أرشيفٌ حي لكل لحظة عشناها، لكل عاطفة تدفقت في ممراتها قبل أن تجفَّ وتموت العواطف.

كانت الأشياء البسيطة تحمل معاني عظيمة لم نعرف عظمتها إلا بعد أن ضاعت: الكرسي الذي جلسنا عليه لأول مرة، الزاوية التي اختبأنا فيها حين خفنا، الطاولة التي رسمنا عليها أولى محاولاتنا في تصوير العالم.

لم نكن نعرف أننا نعيش في آخر أيام الجنة، لم نكن نعرف أن هناك من يحصي أنفاسنا في بيتنا، من يخطط لاقتلاع أحلامنا من جذورها، من سيجبرنا على حمل بيتنا في قلوبنا لأن حمله في الحقائب مستحيل.

لتأتي بداية المنفى.. فكانت الغربة كعاصفة هادئة لكنها مدمرة، وجدنا أنفسنا أمام مساحة فارغة لا تعرف أسماءنا ولا تحمل أي أثرٍ لمرورنا..

هنا تعلمنا أن البيوت الحقيقية لا تُصنع فحسب، بل تُعاد صناعتها من شظايا القلب المكسورة، من طقوس جديدة نخترعها لتداوي وحشة المكان الغريب ووحشة الروح الأكثر غربة.

وضعنا صورة قديمة فحملت معها ليس فقط عبق البيت الأول، بل صرخة صامتة من زمن كنا فيه نملك شيئًا نسميه بيتًا. رتبنا الأثاث بعناية من يعيد ترتيب قطع قلبه المتناثرة، كل قطعة جسر معلق فوق هاوية الفقدان.

ففي بيت الغربة.. تعلمنا أن الحب يمكن أن يولد مرتين، لكنه يولد في الثانية مثقلاً بوجع الولادة الأولى. بدأنا بخطواتٍ حذرة، نتحسس المكان كأعمى يتعلم طريقًا جديدًا لكنه يحن إلى الطريق القديم الذي يحفظه عن ظهر قلب. وضعنا أشياءنا بترتيبٍ مدروس، كل قطعة تحاكي ذكرى وتبكي غيابها.

أما البيت الثاني في الغربة فقد تشكل في لحظاتٍ أخرى، أكثر تعقيدًا وألمًا: حين استيقظنا في منتصف الليل ولثوانٍ قصيرة نسينا أين نحن، فبحثنا بأيدينا عن جدار البيت الأول، حين شممنا رائحة لا توجد إلا هنا، لكنها رائحة الغربة لا رائحة الأصل، حين وجدنا أن يدنا تمتد تلقائيًا نحو مفتاح الإضاءة ولكن في مكانٍ خاطئ، لأن الذاكرة عنيدة والجسد أمينٌ للبيت الأول.

هذه اللحظات الخفية المؤلمة هي التي حولت المساحة إلى مسكنٍ جديد، والمسكن إلى جزءٍ من كياننا الممزق. ندرك إنها لم تكن عملية شفاء، بل عملية تأقلم القلب المكسور مع كسره.

لكن السؤال الأعمق الذي يحرقنا كل ليلة: هل نحن من نسكن البيوت، أم البيوت من تسكننا، أم أننا صرنا أشباحًا تسكن في بيوت الآخرين؟

 ربما الحقيقة أن البيت الحقيقي وُلد ومات معًا في تلك اللحظة التي أُجبرنا فيها على المغادرة، وكل ما نفعله الآن هو محاولة إعادة إحيائه في أماكن أخرى، لكن الموتى لا يُبعثون، والبيوت المغتالة لا تعود للحياة..

في النهاية، بيوتنا هي أصدق ترجمة لأرواحنا المهاجرة.. هي المكان الوحيد الذي احتضن كل تناقضاتنا قبل أن يُجبرنا على احتضان تناقضات أخرى، كل أحلامنا التي تكسرت والأحلام الجديدة التي نحاول أن نرقعها من فتات القديمة، كل صمتنا الذي يحمل صدى أصوات الأهل الذين تركناهم خلفنا، وكل ضوضائنا التي نحدثها لنتأكد أننا ما زلنا أحياء..

والبيت هو حقًا نحنُ!

شارك

مقالات ذات صلة