مشاركات سوريا
الكاتب: يونس العيسى
من أكثر المغالطات التي أفسدت النقاش السياسي لدينا، وضع كلمة “العلماني” في مواجهة كلمة “الإسلامي”، وكأننا أمام خيارين متناقضين لا يمكن أن يجتمعا في إنسان واحد. والحقيقة أن المشكلة تبدأ من المصطلح نفسه، ومن الخطأ في تصنيف المفاهيم قبل أن نختلف حولها.
فالعلمانية وصفٌ لموقفٍ من الدولة وعلاقتها بالدين، بينما المسلم أو “الإسلامي” وصفٌ لانتماء الإنسان وعقيدته. ولذلك، يمكن لشخص مسلم ومحافظ أن يؤمن بدولة محايدة تجاه العقائد دون أن يتخلى عن دينه أو قيمِه، وأن يمارس في الوقت نفسه حقه السياسي في الدفاع عن المبادئ التي يؤمن بها.
يمكن لمسلم أن يرى في الحشمة قيمة أخلاقية، وأن يعمل سياسياً واجتماعياً لإقناع الناس بها، بل وأن يطالب بقوانين تحمي الآداب العامة، دون أن يعني ذلك أن الدولة أصبحت “دينية”. فالسياسة ليست عملية إلغاء للاختلاف، وإنما هي محاولة عقلانية لتنظيمه.
وهنا تبدأ المشكلة؛ فعندما نضع وصفاً لطبيعة الدولة في مواجهة وصفٍ لعقيدة الإنسان، نكون قد بدأنا النقاش من أرضية ملتبسة، ثم بنينا فوقها استنتاجات سياسية كاملة.
الإسلام ليس مرادفاً لتجارب من حكموا باسمه
في سوريا الجديدة، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية؛ فهناك من يرى أن أي حضور للمرجعية الإسلامية يعني بالضرورة انتقاصاً من مفاهيم المواطنة، بينما يذهب آخرون إلى الطرف المقابل، فيرون أن الدولة لا تكون إسلامية إلا إذا تحولت مؤسساتها إلى أدوات لفرض تصور ديني محدد.
وكلا التصورين بحاجة إلى مراجعة شجاعة.
إن نقد من رفعوا الشعارات الإسلامية حق مشروع، بل ضرورة ملحة، لكن تحميل الإسلام أخطاء ممارساتهم هو خلط بين النص ومن يدعي تمثيله، وبين المبدأ وتطبيق البشر له. ومن حق السوريين أن يحاسبوا أي سلطة على الظلم والفساد والاستبداد والتمييز -أياً كانت مرجعيتها- لكن ليس من الإنصاف أن تتحول أخطاء البشر إلى حكم نهائي على الدين نفسه.
فالعدل في الإسلام ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو الغاية؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. وإذا كان الإسلام رسالة للناس جميعاً، فلا بد أن تكون في قيمِه الكبرى مساحة واسعة من المشترك الإنساني الذي يستطيع البشر أن يلتقوا عنده، حتى لو اختلفوا في تفاصيل التشريع والتطبيق.
الإعلان الدستوري والسؤال المؤجل
ولعل ما ورد في الإعلان الدستوري السوري يضع النقاش أمام صورة أكثر تعقيداً من الثنائية التقليدية بين “الدولة الدينية” و”الدولة العلمانية”. فقد نص الإعلان على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، وفي الوقت نفسه صان حرية الاعتقاد، وأكد احترام الدولة لجميع الأديان السماوية وكفالتها لحرية إقامة شعائرها بما لا يخل بالنظام العام، كما صان الأحوال الشخصية للطوائف الدينية ورعاها وفق القانون.
هذه النصوص مهمة لأنها تؤكد أن حضور المرجعية الإسلامية في التشريع لا يعني -وفق النص ذاته- إلغاء التعدد الديني أو مصادرة حق المختلف في الاعتقاد والممارسة. وهنا ينتقل النقاش من سؤال الشعارات إلى سؤال أكثر أهمية: كيف تتحول هذه المبادئ إلى ممارسة قانونية ومؤسساتية تضمن المساواة وتحمي الحقوق؟
العدالة لا تأتي من اسم الدولة
المشكلة الأعمق هي الاعتقاد بأن العدالة يمكن أن تأتي من مسمى الدولة قبل أن تأتي من كفاءة مؤسساتها.
فهل يكفي أن نقول “دولة إسلامية” لكي تصبح عادلة؟ بالطبع لا.
وهل يكفي أن نقول “دولة علمانية” لكي تصبح ديمقراطية؟ أيضاً لا.
فالاستبداد لا يحمل هوية دينية واحدة، والفساد لا يعرف مذهباً، والظلم لا يسأل الحاكم عن مرجعيته قبل أن يقع على المحكومين. ولعل التجربة السورية نفسها تكفي للتذكير بذلك؛ فنظام الأسد لم تكن هويته الحاكمة إسلامية ولا علمانية بالمعنى السياسي المتداول، وإنما كانت هويته الفعلية “أمنية”، قامت على تغول الأجهزة العسكرية واحتكار السلطة.
إن الدولة العادلة هي التي تجعل السلطة قابلة للمساءلة، والقانون أعلى من الحاكم، والقضاء مستقلًا، والجيش مؤسسة وطنية لا سلطة فوق الدولة، والإعلام قادرًا على الرقابة، والمواطن قادرًا على الاعتراض دون أن يتحول اعتراضه إلى جريمة.
الدولة المدنية ليست دولة بلا دين، وليست دولة معادية للدين؛ إنها دولة مؤسسات وقانون تقوم على سلطة مسؤولة، وقضاء مستقل، وفصل بين السلطات، وحق المجتمع في المعرفة والتعبير والمساءلة.
سوريا ليست مجتمعاً أحادي اللون
وهذا الطرح يغدو أكثر إلحاحاً في سوريا؛ لأننا لا نعيش في مجتمع أحادي اللون. فسوريا تضم مسلمين ومسيحيين، وعرباً وكورداً وسرياناً وغيرهم، كما تضم متدينين ومحافظين ومدنيين وليبراليين ويساريين وقوميين، فضلاً عن تنوع المناطق والبيئات الاجتماعية.
ولهذا، فإن الدولة التي ستنجح في جمع السوريين ليست الدولة التي تجعل أحد هذه المكونات يشعر بأنه انتصر على الآخرين، وإنما الدولة التي تجعل الجميع يشعرون بأنهم مواطنون متساوون.
إذا كانت المرجعية الإسلامية حاضرة في التشريع، فإن التحدي الحقيقي هو أن تكون منسجمة مع ضمانات المواطنة والحقوق والحريات، وأن يبقى القانون قادرًا على حماية المختلف دينياً ومذهبياً.
وإذا كانت الدولة محايدة تجاه الأديان، فعليها في المقابل أن تضمن للمتدينين حقهم في ممارسة دينهم، والتعبير عن قيمهم، والمشاركة السياسية دون أن يصبح تدينهم تهمة سياسية.
لا دولة دينية ولا إقصاء للدين
المطلوب إذن ليس إخراج الإسلام من المجال العام، ولا تحويله إلى سلطة فوق المجتمع. فالإسلام لا يقوم على طبقة “كهنوتية” بالمعنى الذي عرفته أوروبا في سياقها التاريخي، ولذلك فإن استحضار النموذج الأوروبي لفهم العلاقة بين الإسلام والدولة قد يقودنا إلى معركة ليست معركتنا أصلًا.
لكن غياب الكهنوت لا يعني منح أي جماعة دينية سلطة مطلقة باسم الإسلام؛ فالمرجعية شيء، واحتكار الحقيقة شيء آخر. والمجتمع المسلم يستطيع أن يعبر عن قيمه في المجال السياسي، كما يحق لغيره أن يعبر عن قيمه، لكن الدولة يجب أن تبقى قادرة على حماية المواطن عندما يختلف مع الأغلبية؛ لأن وظيفة الدولة ليست حماية الأكثرية من الأقلية فحسب، بل حماية الجميع من تغول الجميع.
لا نستورد الدولة في حاويات
إن الحل السوري لا يمكن أن يكون نسخة مستوردة من تجربة سياسية غربية، ولا استعادةً لنموذج تاريخي والاعتقاد بأن الماضي يمكن أن يعود كما كان. فالدولة تُبنى في موقع “الورشة”، وبأفضل الخامات، سواء كانت تلك الخامات محلية أم مستفادة من تجارب الآخرين.
يمكننا أن نستفيد من الديمقراطية، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، واللامركزية، وحرية الصحافة، وآليات حماية الحقوق من تجارب العالم، لكن علينا أن نعيد صياغتها وفق واقعنا السوري لا أن نستنسخها بحذافيرها. وبالمقدار نفسه، لا توجد مرحلة تاريخية مقدسة يجب أن نعود إليها وكأن التاريخ توقف عندها؛ فالتاريخ سهم لا تشبه فيه لحظة أختها، والإنسان يتغير، والمجتمع يتطور، والأسئلة تختلف.
من معركة المصطلحات إلى بناء الدولة
نخطئ كثيراً حين نجعل السياسة معركة حول الأشخاص والشعارات، بينما يبقى سؤال “الدولة” مؤجلاً. واليوم، في هذه المرحلة الجديدة، لا ينبغي أن نكرر الخطأ نفسه فنستبدل بمعركة “من يحكم؟” معركة “من يملك الحقيقة؟”.
السؤال الذي يستحق أن نقف أمامه هو: أي دولة نريد؟
هل نريد دولة يكون فيها المسلم مسلمًا، والمسيحي مسيحيًا، والكردي كرديًا، والعربي عربيًا، والمحافظ محافظًا، والمدني مدنيًا، لكنهم جميعاً مواطنون متساوون أمام قانون واحد؟
أم دولة يُطلب فيها من كل مكون أن يتخلى عن جزء من هويته كي يحصل على حقه في المواطنة؟
المشكلة ليست في أن تكون للدولة مرجعية تستلهم الإسلام، ولا في أن تكون محايدة تجاه الأديان؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول المرجعية إلى امتياز سياسي، أو تتحول العلمانية إلى أداة لإقصاء الدين من المجتمع.
ما تحتاجه سوريا الجديدة ليس اسماً أيديولوجياً براقاً، وإنما دولة أعرف فيها أن القاضي لا يسألني عن طائفتي قبل أن ينظر في قضيتي، وأن الوظيفة العامة ليست غنيمة لجماعة، وأن الجيش لا يحكم، وأن الحاكم لا يعلو على القانون، وأن المختلف معي ليس عدواً بالضرورة.
فالعدالة لا يضمنها اسم الدولة، وإنما مؤسساتها.
والحرية لا يحميها الشعار، وإنما القانون.
والمواطنة لا تُمنح في الخطب، وإنما تُمارس في الحياة اليومية.
ولعل الخلاص السياسي لسوريا يبدأ من هذه النقطة تحديداً: أن نتوقف عن سؤال بعضنا: “هل أنت علماني أم إسلامي؟”، وأن نبدأ بالسؤال الذي يسبق كل هذه التصنيفات:
“هل تستطيع أن تقبل بدولة تكون لك كما هي لغيرك؟”
إذا استطعنا الإجابة عن هذا السؤال، فربما نكون قد بدأنا فعلًا في بناء سوريا الجديدة.