Blog

وهم الفيدرالية ووعد التنموية: لماذا تحتاج سوريا لمركزية اقتصادية لا سلطوية؟

أكتوبر 14, 2026

وهم الفيدرالية ووعد التنموية: لماذا تحتاج سوريا لمركزية اقتصادية لا سلطوية؟

الكاتب: أسامة أحمد نزار صالح


دروس من معجزة نهر هان والتجربة التركية في إدارة التنوع عبر التنمية


يُحكى أن ونستون تشرشل كان متأخرًا عن إلقاء خطاب استثنائي عبر الإذاعة، فاستقل سيارة أجرة وطلب من السائق الإسراع. اعتذر السائق بتهذيب وقال: «أعتذر منك يا سيدي، لا أستطيع إيصالك، سأتوقف عن العمل الآن لأستمع إلى خطاب تشرشل». سُرَّ تشرشل وأطرب ذلك غروره، فأخرج من جيبه مئة جنيه، وكانت ثروة حينها، وقال له: «خذ هذه». تطلع السائق إلى المبلغ مليًّا، ثم قال من دون تردد: «اركب يا سيدي.. وليذهب تشرشل إلى الجحيم!».


تختصر هذه الحكاية جوهر المعضلة في شرقنا المنهك؛ إذ يُفترض دائمًا أن الشعوب تُساق بالخطابات العاطفية والتنظيرات المعقدة، أو بمداعبة أحلام بعض المكونات بالقفز خارج خريطة الدولة. بينما الحقيقة الصلبة، وفق هذا المنظور، أن الواقع المعيشي والقدرة الاقتصادية والدولة المركزية القادرة على إدارة الموارد بإنصاف هي المحركات الفعلية لاستقرار المجتمعات وتحفيز البناء.


ومع التحولات الجذرية التي أعقبت سقوط نظام الأسد وتفكك ما يسمى «محور الممانعة»، برز تحول لافت في خطاب شريحة من النخب والمثقفين الذين اعتادوا سابقًا تدوير الشعارات القومية والعروبية التقليدية لتبرير السلطوية. ومع تهاوي ذلك المشروع، انتقل بعض هؤلاء إلى إعادة إنتاج أفكارهم عبر الاستثمار في الهويات الفرعية ومغازلة طروحات الانفصال، من خلال التسويق لـ«توزيع السلطة مناطقيًا» وتكرار نماذج كالحالتين اللبنانية والعراقية، تحت ذريعة أن لسوريا «خصوصية إثنية ومناطقية فريدة».


ويستند هذا الخطاب إلى حجة تاريخية تبدو في ظاهرها متماسكة: أن الدولة المركزية الصارمة، التي تحكمت بكل شاردة وواردة من دمشق لعقود، لم تنجح في صياغة مواطنة حقيقية، واكتفت بصهر التنوع قسرًا وتكريس اقتصاد ريعي يتزاحم فيه الجميع على فتات السلطة في العاصمة. ويرى أصحاب هذا الطرح أن بروز الخصوصيات فور سقوط النظام دليل على أن العودة إلى نمط المركزية القديم ليست سوى إعادة إنتاج لأسباب الأزمة، وأن الفدرالية، بحسب رؤيتهم، قادرة على خلق اقتصاد إنتاجي تنافسي بين المناطق.


غير أن هذا الطرح يخلط بين «المركزية السلطوية الأمنية» التي دمرت البلاد، و«الدولة المركزية التنموية والقادرة» التي يمكن أن تشكل حجر الزاوية في عملية النهوض.


وتبرز التجربة الكورية الجنوبية في التاريخ الحديث نموذجًا لقدرة الدولة المركزية التنموية. فمن بين ركام حرب مدمرة وبنية تحتية منهكة في خمسينيات القرن الماضي، استطاعت كوريا، من خلال ما عُرف بـ«معجزة نهر هان»، التحول من بلد يعتمد على المساعدات الخارجية إلى قوة اقتصادية عالمية.


ولم يتحقق هذا التحول عبر تفتيت الجغرافيا أو توزيع السلطة مناطقيًا، بل عبر معادلة جمعت بين «الدولة التنموية الموجهة والشراكة مع القطاع الخاص الوطني»؛ إذ وضعت الدولة خططًا اقتصادية وجهت رؤوس الأموال نحو التصنيع، ورعت التكتلات الوطنية الكبرى، مثل سامسونج وهيونداي، مقابل التركيز على الإنتاجية والتصدير.


ولم تكن هذه المعجزة وليدة ترف سياسي أو محاصصات مبكرة، بل قادتها في بدايتها دولة مركزية قوية ورؤية حازمة جعلت البناء الاقتصادي أولوية وفرضت سيادة القانون. وبعد تحقق الطفرة التنموية وتشكل الطبقة الوسطى، جاء التحول الديمقراطي لاحقًا في مسيرة الدولة.


والأهم أن كوريا، رغم وقوعها في بيئة جغرافية ملتهبة وتحاذيها كوريا الشمالية، ورغم تموضعها ضمن المعسكر الغربي، لم تحصر دورها في التبعية للمصالح الدولية، بل بنت وزنها عبر النهوض الاقتصادي وتطوير قوة صناعية وتكنولوجية كبيرة.


ويرى دعاة الفدرلة أن تجارب من نوع «معجزة نهر هان» هي نتاج مجتمعات تتمتع بدرجة عالية من التجانس القومي والثقافي، ولا تضم بيئات أو إثنيات متعددة ذات امتدادات وتاريخ محلي راسخ.


ومن هذا المنطلق، يفترضون أن الحل في المجتمعات المركبة يكمن في تحويل الأقاليم إلى وحدات اقتصادية شبه مستقلة، بما يخلق نوعًا من «التنافس الإيجابي» لجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال. فإذا قدم إقليم ما تسهيلات إدارية ونظامًا ضريبيًا مشجعًا وبنية تحتية متطورة، سينجذب إليه المستثمرون، مما يدفع بقية الأقاليم إلى إصلاح قوانينها والحد من البيروقراطية والفساد كي لا تخسر حصتها الاقتصادية.


يضاف إلى ذلك أن الأقاليم الغنية بالموارد الطبيعية، كالنفط والزراعة والموانئ، قد تشعر بأن العاصمة تستنزف ثرواتها من دون أن ينال أبناؤها حصة عادلة من التنمية. وهنا تُطرح «الفدرالية المالية» باعتبارها وسيلة تضمن للإقليم الاحتفاظ بنسبة من عوائد موارده لتنمية بنيته التحتية والحد من الشعور بالغبن الاقتصادي.


لكن المقارنة مع المجتمعات التعددية تقود الكاتب إلى التجربة التركية المعاصرة، بوصفها نموذجًا لإمكانية قيادة نهضة اقتصادية عابرة للانقسامات الإثنية والمناطقية من دون اللجوء إلى الفدرلة أو التفكيك السياسي.


لم تُلغِ تركيا التباينات القومية والمذهبية، وإنما سعت إلى معالجة جانب من مسببات التفاوت عبر التنمية والتشابك الاقتصادي. وبدلًا من التخلي عن سيادة المركز لصالح وحدات مناطقية، وسعت الدولة حضورها التنموي في المناطق الأقل نموًا.


وجسّد مشروع «جنوب شرق الأناضول» (GAP) هذا التوجه من خلال استثمارات في السدود والمطارات والجامعات والبنية التحتية، بهدف ربط مناطق الجنوب الشرقي بعصب الاقتصاد الوطني ودمج سكانها بصورة أوسع في سوق العمل، بالتوازي مع مسارات المشاركة السياسية والانفتاح الثقافي.


وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، لم تستند الدولة إلى توزيع الثروة على أسس هوياتية، بل إلى توسيع شبكات الإنتاج والتجارة. وأسهم صعود التكتلات الاقتصادية في المحافظات في تشكيل طبقة وسطى تتجاوز بعض الحدود الهوياتية، وتربط مصالح المزارعين ورجال الأعمال في الولايات المختلفة باستقرار الدولة وسعة سوقها الداخلية.


كما أن دمج المكونات الاجتماعية المتنوعة في المؤسسات والعملية الانتخابية جعل من صندوق الاقتراع والتنمية أداتين لإدارة المظالم وإصلاح السياسات.


ومن التبسيط القول بإمكانية نسخ التجربتين الكورية والتركية بحذافيرهما في الواقع السوري؛ فـ«معجزة نهر هان» لم تكن لتتخذ مسارها نفسه من دون مظلة الحماية والمساعدات الأمريكية التي فرضتها سياقات الحرب الباردة، كما أن التجربة التركية استندت إلى سوق داخلية كبيرة وتراكم مؤسساتي طويل.


غير أن العبرة لا تكمن في استنساخ التفاصيل، بل في «استلهام الفلسفة التنموية». فالمغزى، وفق هذه الرؤية، أن الدولة تستطيع بناء شرعيتها من قدرتها على التنمية ورعاية القطاع الخاص، وأن تجاوز الانقسامات المجتمعية يمكن أن يمر عبر دمج المصالح الاقتصادية وصياغة مشروع وطني عابر للهويات الضيقة.


إن ما تحتاج إليه سوريا اليوم للخروج من ركام الحرب يتجاوز التنظيرات العاطفية والمشاريع المجزأة. فهي بحاجة إلى الاستفادة من تجربة الخروج الكوري من الحرب، حين تجاوزت كوريا الفقر والاعتماد على المساعدات الخارجية، وأعطت الأولوية لبناء اقتصاد قادر على النمو بالشراكة مع القطاع الخاص الوطني.


وهذه الرؤية لا تتعارض مع إقرار «لامركزية إدارية وخدمية موسعة» تمنح البلديات والسلطات المحلية صلاحيات واسعة لتلبية احتياجات المواطنين وتطوير بيئاتها الاستثمارية، على أن تتكامل مع «سيادة مركزية» تضبط السياسات المالية والاقتصادية والأمنية للدولة.


ويقوم التصور المطروح على التوازن بين مرونة الإدارة المحلية وقوة المركز التنموي، بما يمنع تحول الخلاف على الصلاحيات والموارد إلى انقسام جغرافي وسياسي. وفي الوقت نفسه، يبقى صندوق الاقتراع والممارسة الديمقراطية وسيلتين أساسيتين لتقييم أداء الحكومات وإصلاح سياساتها، بعيدًا عن التفكيك والارتهان للخارج.

شارك

مقالات ذات صلة