«صور الماضي».. حكايات هشام شرابي
«صور الماضي».. حكايات هشام شرابي
قرأتُ مذكرات هشام شرابي «الجمر والرماد» قبل سنوات، وكانت نُسختي من طبعة دار الطليعة، وكنتُ معجبًا بسرده وصراحته في التعبير عن نفسه. كنتُ أعمل يومها بائعًا للكتب في مكتبة الشبكة العربية في إسطنبول. وذات مساء وضعتُ الكتاب جانبًا لأُحكِم إغلاق باب المكتبة الحديدي خوفًا من لصوص الكتب، ثمَّ مضيتُ إلى منزلي من فرط الإرهاق، أُفكِّر في عَشاء شهيّ في ليل إسطنبول البارد، ونسيتُ «الجمر والرماد» على عتبة المكتبة. وفي اليوم التالي بحثتُ عنه فلم أجده، فضحكتُ من فكرة أن يسرق أحدهم كتاب سيرة ذاتية في مدينة ضخمة مثل إسطنبول.وعندما علمتُ أنّ لهشام شرابي مذكرات أُخرى بعنوان «صور الماضي.. سيرة ذاتية»، صدرَت عن دار نلسن في بيروت، حرصتُ على طلبها من صديقي خبير الكتب هاني حطب، فأسرع وأرسل إليّ نسخة مع أول قادم من بيروت. وبحماسةِ مَن يصل إليه كتاب انتظره طويلًا، أتيتُ على المذكرات في جلستين، وخرجتُ من هذه الرحلة مع شرابي بهوامش وأفكار عدة.الحنين إلى فلسطينيتجلّى في سيرة هشام شرابي حنينه الدائم إلى فلسطين، فهو يشتاق إليها ويتمنَّى لقاءها، وهو المحروم منها بسبب الاحتلال الإسرائيلي. غادرها عام 1949، لكنه لم يهاجر فعليًّا، فلم يستطِع أن يبدأ حياة جديدة. ظَلَّ الوطن مغروسًا فيه رغم البعد، وظَلَّ يشعر بالغربة في الولايات المتحدة، البلد الذي قضى فيه الجزء الأكبر من حياته.في صباح كل يوم من أيام الصيف والخريف، يجلس شرابي في الشرفة المطلّة على حديقته الصغيرة، ويشمُّ عبير الورد الذي زرعته زوجته بطلبٍ منه، فيُغمِض عينيه ويُخيَّل إليه أنه يتنشّق عبير الورد في عكّا. وحين يقطف أوراق الصعتر الأخضر الذي زرعته من أجله ويفركها بين أصابعه، يرى نفسه في جبال لبنان عند سوق الغرب وعالية. وحين تُقدِّم له زوجته عنبَ آخِر الموسم، يتذكَّر طعم عنب رام الله الذهبي.ويُحوِّل شرابي إقامته في أميركا إلى إشارات تدلّ على مكانه الأول، ففي الصيف، على شاطئ البحر في فرجينيا، يتحوَّل كل ما يحيط به إلى صورٍ وأحاسيس تُذكِّره بشواطئ يافا وعكا وبيروت: ماء البحر، ورمال الشاطئ، والأفق البعيد، والهواء المشبع برائحة البحر. فالواقع الذي عاشه في الولايات المتحدة أكثر من أربعين سنة ظَلَّ عاجزًا عن امتلاك وجدانه. إنَّه، كما يقول في مذكراته، كمسافرٍ يملأ الحنين قلبه منذ اللحظة التي يغيب فيها ساحل بلاده عن ناظريه. وعلى حائط مكتبه في الجامعة صور فوتوغرافية لمدينة عكا يراها كل صباح.ويستعيد شرابي في غربته الممتدة أيام الصيف، حين كانت سماء عكا زرقاء صافية، ويمكن أن يُرى منها رأس الناقورة، الحدّ الفاصل بين فلسطين ولبنان على الشاطئ. وهي مشاعر تتردَّد بكثافةٍ في مذكرات فلسطينيي الشتات، كما عند إدوارد سعيد في حنينه إلى القدس والقاهرة.وحتى حين يذهب شرابي إلى الأردن، أقرب البلاد إلى مسقط رأسه، يتأمَّل هذه الأعشاب وهذه الأشجار وهذه الصخور وهذه التلال، ويستشعر هذا النسيم وهذا الصعتر وهذه الخضرة، لأنها كلّها امتداد لطبيعة فلسطين وأرضها. وأول ما يفعله كلما توقّف في عمّان بضعة أيام أن يذهب مع أصحابه إلى النهر، أو إلى قلعة الربض، أو إلى مرتفعات البحر الميت، ليرى جبال فلسطين وسماءها. وحين يستيقظ هناك ويفتح النافذة على أشعة الشمس الذهبية، يمتلئ قلبه بالفرح.
تأملات في المرض
ومن الهوامش التي دوّنتُها وأنا أقرأ هذه المذكرات ذلك الحزن الشفيف الذي يسري في صفحات الكتاب كلها، وشيء من الحنين إلى الطفولة والسنوات الأولى. فقد عاد شرابي، بعد سنوات من «الجمر والرماد»، ليراجع طفولته ومراهقته وبواكير شبابه. ولعل إصابته بسرطان البروستاتا في أواخر حياته فتحت كوّة نفسية لمراجعة الذكريات والحكايات، والغرق في الحنين إلى المكان الأول.تُشبِه المذكرات في بدايتها أجواء سيرة إدوارد سعيد «خارج المكان»، في استعادة الطفولة والاستغراق فيها. ولا يقف الشبه عند الأجواء، فكلاهما كَتَبَ سيرته والمرضُ الخبيث ينهش جسده، وكأنَّ المرض هو الذي دفعهما إلى استعادة البدايات. وفي «صور الماضي» تأملات في علاقة الجسد بالمرض، وقلة الحيلة في آخر العمر. وهذا يذكّرني بسيرة ابن جيلي الطبيب الراحل محمد أبو الغيط -رحمه الله- عن مرضه، وهي سيرة شجية عنوانها «أنا قادم أيها الضوء». وقد سألني مرةً باحث يكتب عن سِيَر المرض والمرضى في الأدب العربي، فذكرتُ له كتاب أبي الغيط، و«مذكرات جريح» لبولس سلامة، و«ربع قرن في القيود» لصبحي الجيار، وهي سيرة في ثلاثة أجزاء لصحفي وفنان أقعده المرض.وأضمّ إليها الآن «صور الماضي»، لما فيها من تأملات في المرض والعافية، ونظرات في حال صاحبها النفسية والجسمانية، وبراعة في توظيف ثقافته الأدبية والفلسفية لتحليل حالته. فقد عاد إلى قصة «موت إيفان إيليتش» لتولستوي، وقرأها أكثر من ثلاث مرات في شهور مرضه، واستعار منها قلة حيلة المريض الذي لا يريد أن يُعلِم أحدًا بمرضه، ولا يريد عطف الآخرين وشفقتهم.العودة إلى الماضي.. في مديح الشيخوخة
يُعبِّر شرابي عن حنينه إلى الماضي بقوله: «كلَّما اقتربنا من المرحلة الأخيرة من حياتنا ازداد تذكُّرنا للماضي، فيتقلَّص المستقبل إذ يزداد تجاهلنا له، لا لعدم اهتمامنا به، بل لخوفنا على نفاده».إنها تأملات الشيخوخة حين يستوعبها الكاتب ويثمّن مزاياها. ويستدرك شرابي قائلًا: «لا أريد أن يُساء فهمي: لا أخاف من هذه المرحلة الأخيرة من العمر. هناك الكثير من المؤنس والجميل فيها، كالتحرُّر من عبودية المستقبل، ومن رغبات الجسد وشهوة الشهرة وجاه المركز. لكن أجمل ما فيها هو العودة إلى النفس، وتأطير الحياة في ماضٍ أمتلكه. من هنا الرغبة الجارفة في العودة إلى الماضي، وتقصّي معالم الحياة التي عشتُ معظمها في غفلة عن نفسي».ألا يُذكِّرنا هذا بحديث الناقد والمترجم ماهر شفيق فريد عن تفرُّغه للقراءة بعد أن خلَّف وراءه «زلازل المراهقة، وعذابات الشباب الجنسية، وإحباطات منتصف العمر، وانقشاع الأوهام مع مقدم الشيخوخة»؟ وتذكَّرتُ كذلك مديح الروائي سمرست موم للشيخوخة في سيرته «عصارة الأيام»، بترجمة حسام الخطيب. ودَعْني أنقل لك بعض ما ذكره.إنَّ موم يُنبّهنا إلى أنَّ جمال الصباح وألق الظُّهر بديعان، والسخيف من يُسدِل الستائر في إثرهما ليهرب من هدوء المساء، فللشيخوخة مسرّاتها التي لا تقلّ عن مسرّات الشباب أثرًا. ثم يُفصّل في الأمر قائلًا: «ألم يخبر الفلاسفة أننا عبيد انفعالاتنا؟ فهل التحرُّر من سلطانها عمل بسيط؟ صحيح أنَّ الرجل الهرم لا يستطيع أن يتسلَّق الألب، أو ينقضَّ على فتاة رشيقة، ولكنَّه مقابل ذلك يستريح من آلام حبّ لا يلقى تجاوبًا، وغيرة تؤرّقه وتعذّبه».ويضيف موم أنَّ من مزايا الشيخوخة كذلك «التخلُّص من سموم الحسد التي تفتك بالشباب نتيجة رغائبهم المتأججة، وهذه هي المعوّضات السلبية للشيخوخة». غير أنَّ هناك تعويضًا إيجابيًّا يتجلَّى في وفرة الوقت عند العجوز. وقد عجب موم في شبابه حين قرأ ما ذكره بلوتارك من أنَّ كاتو الأكبر بدأ يتعلَّم اليونانية في سنِّ الثمانين. ثم زال العجب في شيخوخته، إذ أدرك أنَّ الشيخ يتصدَّى لأعمال ينفر منها الشباب لطول ما تستغرقه من وقت.شخوص ومشاهد
تحفل مذكرات هشام شرابي بشهادات مميَّزة عن شخصياتٍ عاصَرَها، مثل شارل مالك وأنطون سعادة زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومنها شهادة خاصة عن الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة. وتُقدِّم سيرته، التي تُركِّز على طفولته وشبابه، مشاهد متنوَّعة من ذكرياته مع جدّته وجدّه. وفيها قصة حبٍّ شائقة مع فتاة «بولونية» (أي بولندية) التقاها في حرم الجامعة الأميركية في بيروت، وشيء من غراميات تلك المرحلة. إنها بحث في تلافيف الذاكرة الأولى عن كلِّ ما يُقرّبه من فلسطين وأهله فيها.وفي المذكرات كذلك وصف لبيروت في الأربعينيات وللحياة الجامعية فيها، بتفاصيل كثيرة عن المدينة، فقد كانت يومها -كما يصفها- مدينة ناعسة تتّكئ على شاطئ البحر الأزرق بتراخٍ وكسل، لا يتعدَّى عدد سكانها ربع عددهم اليوم، وشوارعها نظيفة خالية من صخب الجماهير وضجيج السيارات.ومِن المشاهد البارعة في المذكرات وصفُه جنازة فريد الأطرش التي شهدها في بيروت. وكان قد رآه قبلها بأيام على شاشة التليفزيون، في مقابلة أُجريت معه قُبيل عرض فيلمٍ يؤدِّي فيه دور شابٍّ تقع النساء في غرامه، مع أنَّه في أواخر الخمسينيات من عمره. وحين سأله المذيع عن سبب نفوره من الزواج أجاب: «الفنان لا يمكن أن يكتفي بامرأة واحدة»!الأدب بديلًا عن الدِّين
يخفت حضور الدِّين في سيرة هشام شرابي إلا في مواضع قليلة، منها شرح خلفيته الدينية عند وصف قربه من أنطون سعادة. فحين يحكي عن انضمامه إلى الحزب يعود إلى فَهْم موقفه بصفته مسلمًا سُنيًّا اقترب من سعادة، ويصف نفسه وهو يمارس شيئًا أقرب إلى الطقوس الدينية. وقد رأيتُ في علاقته بزعيم الحزب ما يُشبِه علاقة المريد بشيخه، فهو مبهور بعبقرية سعادة، يُردّد كلماته ويصفها بالعمق.ويحضر الدِّين كذلك خلفيةً في حكايات جدّته، فأكثر ما كان يُقلقها ويُثير غضبها موقف جدّه المتراخي في أمر الدِّين، إذ لم يكُن يشغل نفسه به إطلاقًا، على عكسها هي، فقد كانت مأخوذة به. لذلك كانت تحاول دائمًا أن تستدرجه إلى الحديث في مسائل دينية معقّدة، فيقابل محاولاتها بضجر واضح، ويرفض إبداء أي رأي في ما تثيره من إشكاليات، ويحاول تغيير الموضوع بشتّى الوسائل، فيزيد ذلك غضبها. عندئذ تُوجِّه إليه تُهمتها المعهودة بأنه السبب في تفريط حفيده في أمور الدِّين، وتقول له: «شوف شو عملت بالصبي، رح يطلع مثلك بلا دين… أستغفر الله». وكانت تأمره بأن يصطحب هشامًا الصغير إلى المسجد لصلاة العيد، لتُنقِذ الصبي من تقاعس جدّه عن الشعائر، وهي تُردّد: «هالصبي رح يصير كافر».ويخفت حضور النصوص الدينية أيضًا بوصفها محرّكًا لنظرة كاتبنا إلى الكون والحياة، فشرابي يستعين بمخزونه الثقافي والفكري، لا سيما الأدب والفن والفلسفة، مفتاحًا لفهم الحياة والأسئلة الوجودية. هكذا فسَّرتُ عودته إلى نصوص تولستوي حين مرض، وإلى أفكار الفيلسوف كيركغارد، ومراجعته للماركسية والتحليل النفسي عند فرويد.وحين شردَت من ذاكرته عبارة لمونتيني، فيلسوف عصر النهضة، ظَلَّ يبحث عنها في الكتب والمراجع أيامًا. وهذا نموذج لما تفعله العبارة الأدبية في نفسه وفي نظرته إلى الوجود، فالاقتباسات عنده ليست للتسلية، بل هي عزاء حقيقي في حياته، كما يتضح من نصوص المذكرات. إنه يعود إلى عالم الأفكار ليفهم حياته، ولذلك رأيتُ في نصوص الأدب والفكر بديلًا عن حضور تصورات الدِّين في حياته.* * *هكذا عشتُ أيامًا في ظلال حياة هشام شرابي وغربته الممتدة وتجربة المرض، وشعوره الكثيف بخيبة الآمال، وشيء من الحزن والإحباط. ولعلَّ إحساسه بأنه لم يُقِدِم على جلائل الأمور في حياته، مع غربته الطويلة عن مسقط رأسه، هو ما يفسّر ذلك الحزن الذي نصحبه في قراءة هذه السيرة.