مشاركات سوريا
الكاتبة: دينا تايه
دمشق، 25 سبتمبر/أيلول 2026.
ثلاث آليات عسكرية إسرائيلية تدخل وادي الرقاد في حوض اليرموك بريف درعا الغربي. يتوقف الجنود في المنطقة، ويُطلقون النار باتجاه راعٍ كان برفقة أطفاله. لا أحد يُصاب، لكن العائلة تُجبر على مغادرة المكان.
قد تبدو الحادثة، للوهلة الأولى، واحدة من عشرات الحوادث التي شهدها الجنوب السوري خلال الأشهر الأخيرة. لكن السؤال الذي يصعب تجاهله هو: ماذا لو لم تعد هذه التوغلات حوادث منفصلة؟ وماذا لو كانت كل واحدة منها تضيف طبقة جديدة إلى واقع يتشكل على الأرض؟
في 18 سبتمبر/أيلول، دخلت نحو تسع آليات إسرائيلية إلى وادي الرقاد ونفذت عملية تمشيط، انتهت باحتجاز راعٍ واقتياده إلى جهة مجهولة. وفي 20 سبتمبر/أيلول، عادت قوة إسرائيلية مؤلفة من دبابتين وسيارتين إلى المنطقة، بالتزامن مع تحركات في القنيطرة. وفي اليوم التالي تكررت التوغلات، وأقيمت حواجز مؤقتة، وترافقت التحركات مع قصف وإطلاق نار في محيط جملة وعابدين.
ثم جاء 25 سبتمبر/أيلول، لتعود الآليات الإسرائيلية إلى الوادي ذاته.
هذه المرة كان المشهد راعيًا وأطفاله.
وقبل ذلك بأشهر، لم تكن الصورة مختلفة كثيرًا. ففي 11 يونيو/حزيران، توغلت قوات إسرائيلية في بلدتي معرية والعارضة في حوض اليرموك، وأقامت حواجز وفتشت مركبات ومناطق في محيط البلدتين. وبعد يومين، أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه مزارعين في وادي معرية، بحسب تقارير سورية.
قد يقول البعض إن هذه عمليات أمنية مرتبطة بالحدود والظروف المضطربة في سوريا. لكن حتى مع أخذ هذا التفسير في الاعتبار، يبقى سؤال آخر: إلى متى يمكن أن تبقى العملية الأمنية أمنية، حين تتكرر بالطريقة نفسها، وفي المناطق نفسها، وتترك وراءها مواقع وحواجز وآثارًا على حركة السكان؟
رصدت الأمم المتحدة خلال الفترة الماضية توغلات برية متكررة، ودوريات ومداهمات وعمليات تفتيش، إلى جانب حواجز مؤقتة وبنية تحتية عسكرية ثابتة داخل الأراضي السورية. وقالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إن النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب أصبح أكثر استدامة وتجذرًا، وإنه أثر بصورة مباشرة في حياة المدنيين.
كما وثقت اللجنة احتجاز القوات الإسرائيلية 49 شخصًا داخل الأراضي السورية حتى يوليو/تموز 2026، بينهم طفلان، وقالت إنهم نُقلوا على الأرجح إلى إسرائيل.
وهنا تحديدًا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد السؤال فقط: لماذا دخلت هذه الدورية إلى وادي الرقاد؟
بل: لماذا تتكرر العودة؟
ولماذا تُنشأ نقاط وحواجز وبنية عسكرية في مناطق تقع خارج الأراضي الإسرائيلية؟
وماذا يعني أن يصبح الوجود العسكري، وفق توصيف لجنة أممية، أكثر استدامة وتجذرًا؟
وتصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا عندما نخرج من درعا والقنيطرة وننظر إلى المشهد السوري كله. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، نفذت إسرائيل ضربات جوية واسعة داخل سوريا استهدفت منشآت ومواقع عسكرية، بالتوازي مع التوغلات البرية في الجنوب.
وفي سبتمبر/أيلول وحده، استمرت التحركات العسكرية الإسرائيلية في درعا والقنيطرة، وشملت دخول آليات إلى مناطق زراعية، وتفتيش منازل، وإقامة حواجز مؤقتة.
لكن هناك جانبًا آخر من الصورة يستحق اهتمامًا أكبر:
الاستيطان.
ليس لأن إسرائيل أعلنت رسميًا إقامة مستوطنة جديدة في درعا، فهذا غير دقيق، وإنما لأن جماعات استيطانية إسرائيلية بدأت بالفعل محاولات لعبور الحدود والدخول إلى الأراضي السورية بهدف إنشاء وجود مدني دائم.
ومن أبرز هذه الجماعات حركة رواد الباشان، التي أعلنت سعيها إلى إقامة بؤر استيطانية في جنوب سوريا. وفي يوليو/تموز 2026، حاول عشرات المستوطنين العبور إلى الأراضي السورية، وفي إحدى المحاولات وصلوا إلى أطراف حضر في ريف القنيطرة قبل أن يمنعهم الجيش الإسرائيلي من مواصلة تحركهم.
كما أعلنت الحركة محاولات للمبيت داخل الأراضي السورية، وروّجت لفكرة إقامة وجود مدني دائم هناك.
قد يبدو الأمر متناقضًا: الجيش الإسرائيلي يمنع مستوطنين من عبور الحدود، بينما يواصل هو نفسه توغلاته داخل الأراضي السورية.
لكن هل يكفي هذا التناقض للقول إن المشروع الاستيطاني غير موجود؟
أنا لا أراه كذلك.
فالاستيطان، في التجارب التي عرفتها المنطقة، لم يبدأ دائمًا بصورة مستوطنة مكتملة بأسوار وشوارع ومنازل. أحيانًا يبدأ بفكرة، ثم مجموعة صغيرة، ثم بؤرة، قبل أن يتحول مع الزمن إلى واقع على الأرض.
وهنا تحديدًا أتساءل: هل ما تفعله رواد الباشان مجرد تحرك هامشي ستنتهي قصته عند الحدود، أم أنه محاولة مبكرة لاختبار إمكانية نقل النموذج الاستيطاني إلى الجنوب السوري؟
لا أملك إجابة قاطعة عن ذلك، ولا أعتقد أن الصحافة يجب أن تمنح نفسها حق التنبؤ بما سيحدث. لكن تجاهل السؤال ليس خيارًا أيضًا، خصوصًا أن الحركة نفسها تتحدث عن إقامة وجود مدني دائم، فيما تشير تقارير إلى محاولات أفرادها الدخول إلى الأراضي السورية وإقامة بؤر استيطانية هناك.
والأمر لا يبدأ من الصفر.
فالجولان السوري المحتل منذ عام 1967 يضم أصلًا مستوطنات إسرائيلية، بينما تعمل إسرائيل منذ سنوات على توسيع الوجود الاستيطاني والبنية التحتية فيه. وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة تهدف إلى زيادة عدد المستوطنين في الجولان المحتل.
لذلك، حين ننظر إلى الجنوب السوري اليوم، لا ينبغي أن نرى دبابة فقط.
علينا أن نرى أيضًا الحاجز، والطريق العسكري، والأرض الزراعية التي لم يعد صاحبها قادرًا على الوصول إليها، والراعي الذي يُطلب منه الابتعاد عن أرضه، والمعتقل الذي يُقتاد بعيدًا، ثم المستوطن الذي يحاول العبور من الجهة الأخرى.
فمتى يصبح المؤقت دائمًا؟
ومتى يتحول الوجود العسكري من إجراء يُعلن أنه أمني إلى واقع جغرافي جديد؟
وماذا يحدث عندما يلتقي الوجود العسكري مع خطاب استيطاني يقول صراحة إنه يريد وجودًا مدنيًا دائمًا؟
ربما لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة اليوم.
لكن ما يمكن قوله هو إن الجنوب السوري لم يعد يعيش حادثة توغل هنا وقصفًا هناك. ثمة وقائع تتراكم على الأرض، من درعا إلى القنيطرة، ومن الحواجز والمواقع العسكرية إلى محاولات الاستيطان.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا ليس فقط: ماذا تفعل إسرائيل اليوم في سوريا؟
بل: أي واقع تحاول أن تتركه وراءها عندما تنتهي كل عملية وتعود الآليات إلى مواقعها؟
