Blog
ثمة عام واحد فقط يفصل بين مشاركتَي الرئيس أحمد الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن الفارق بين المشهدين لا تختصره صورة جديدة من نيويورك، ولا عدد اللقاءات التي عُقدت على هامشها، ما تغيّر خلال هذا العام هو موقع سوريا نفسها في علاقتها بالعالم، من دولة تحاول استعادة قنواتها الدبلوماسية، إلى دولة تتوسع هذه القنوات حولها وتتحول تدريجياً إلى مسارات سياسية واقتصادية ومؤسساتية.
ففي هذا العام، عادت سفارات إلى دمشق، واستأنفت سفارات سورية عملها في عواصم كانت قد انقطعت عنها لسنوات، وبدأت دول بإعادة بناء تمثيلها الدبلوماسي مع سوريا.
وبالتوازي، تراجعت القيود التي طبعت العلاقة بين دمشق والعالم لسنوات طويلة، وصولاً إلى إلغاء قانون قيصر وإزالة سوريا من قوائم وعقوبات دولية وأميركية عدة. ولم يتوقف الأمر عند العلاقات الثنائية، إذ استعادت سوريا حضورها في مؤسسات وملفات دولية، وبدأت بإغلاق ملفات عالقة منذ سنوات، من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لهذا، فإن نيويورك 2026 لا تبدو لي مجرد تكرار لزيارة العام الماضي، إنها مناسبة لقراءة حصيلة عام كامل: ماذا تغيّر فعلاً، وأين أصبحت سوريا اليوم، وما الذي يمكن أن يعنيه هذا الانفتاح في المرحلة المقبلة؟
ربما يكون ملف السفارات هو الأكثر وضوحاً في قياس التحول الذي شهدته سوريا خلال هذا العام، لأن السياسة الخارجية لا تُقاس بالتصريحات وحدها، وإنما أيضاً بعودة التمثيل الرسمي إلى العواصم.
خلال الأشهر الماضية، استأنفت السفارة السورية في لندن عملها بعد انقطاع، ثم عادت السفارة السورية في طرابلس إلى نشاطها بعد أكثر من 14 عاماً، في وقت أعادت فيه الدنمارك افتتاح سفارتها في دمشق بعد إغلاق استمر منذ 2012، كما افتتحت بيلاروسيا سفارتها في العاصمة السورية مجدداً.
لكن المسألة لا تتعلق بالسفارات وحدها، في السادس من أيلول، تقبّل الرئيس أحمد الشرع أوراق اعتماد سبعة سفراء يمثلون السعودية والفاتيكان والاتحاد الأوروبي والبرازيل واليونان والسويد والدنمارك.
بالنسبة إليّ، هذه الصورة تختصر جانباً مهماً مما تغير خلال عام: لم تعد دمشق تتعامل مع فراغ دبلوماسي واسع، بل بدأت تستقبل ممثلي دول تنتمي إلى دوائر سياسية وجغرافية مختلفة، وهو ما يمنح العلاقات الخارجية السورية مساحة أوسع للحركة والتفاوض وبناء المصالح.
والأهم من ذلك أن دمشق نفسها بدأت تتحول إلى وجهة لمسؤولين ووفود دولية، ففي كانون الأول 2025، زار ممثلو الدول الأعضاء في مجلس الأمن سوريا، ثم وصل رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية إلى دمشق في كانون الثاني 2026. وتبع ذلك حضور أوروبي ودولي متزايد، وصولاً إلى زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وزيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
هذه التفاصيل، إذا جمعناها معاً، تقول إن التغيير لم يكن في عدد السفارات المفتوحة فقط، بل في موقع دمشق كعاصمة تستقبل أصحاب القرار بعد سنوات كان فيها التواصل الدولي معها محدوداً للغاية، وهنا تبدأ السياسة الحقيقية: كيف ستستخدم سوريا هذا الحضور الدبلوماسي الجديد لبناء علاقات تقوم على المصالح، لا على مجرد استعادة العلاقات؟
إذا كانت عودة السفارات قد أعادت فتح القنوات السياسية، فإن التحول الأكثر حساسية خلال هذا العام ظهر في الجانب الاقتصادي والمالي، إلغاء قانون قيصر الأميركي في 18 كانون الأول 2025 كان نقطة مفصلية، لأنه أزال واحداً من أبرز القيود التي أثرت في تعامل الشركات والمؤسسات مع سوريا.
ثم اكتمل مسار آخر في 24 آب 2026، عندما أزالت الولايات المتحدة سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد أن كان الرئيس دونالد ترامب قد أبلغ الكونغرس في تموز عزمه إلغاء هذا التصنيف.
وبين الخطوتين، حدثت تطورات أخرى أعادت تشكيل علاقة سوريا بالنظام المالي الدولي، وصولاً إلى السابع والعشرين من آب، حين بدأت عمليات الدفع باستخدام بطاقات “فيزا” و”ماستركارد” داخل سوريا، بعد سنوات من الانقطاع، وقد تبدو هذه الخطوة للوهلة الأولى تفصيلاً مصرفياً، لكنها في الحقيقة تعكس شيئاً أكبر: عودة تدريجية لقنوات التعامل المالي السوري مع الشبكات العالمية.
من وجهة نظري، هنا يمكن رؤية الفرق بين رفع العقوبات بوصفه قراراً سياسياً، وبين انعكاسه عندما يبدأ بالظهور في حياة الاقتصاد اليومية، فالقرار يفتح الباب، لكن دخول الاستثمارات والشركات، وتحسن حركة التجارة والتحويلات، وتوسع الخدمات المالية، هي التي ستحدد القيمة الفعلية لهذا التحول.
وبذلك، لم يعد السؤال خلال عام 2026 فقط: هل رُفعت القيود عن سوريا؟ بل أصبح السؤال الأهم: ماذا ستفعل سوريا بالمساحة الاقتصادية التي فُتحت أمامها؟ وهذه مسؤولية المرحلة المقبلة.
لا تمكن قراءة ما جرى خلال العام الماضي باعتباره مجرد رفع للعقوبات أو عودة للعلاقات الدبلوماسية، فجزء مهم من التحول تمثل في إغلاق ملفات دولية بقيت مفتوحة في وجه سوريا لسنوات.
في تموز 2026، اعتمد المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية مشروع قرار إعادة حقوق وامتيازات سوريا بموجب الاتفاقية، برعاية 66 دولة، ثم جاء في أيلول قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بتوافق الآراء، لطي بند عدم الامتثال المتعلق بسوريا نهائياً بعد مسار استمر 15 عاماً، وبالتوازي، أزيل اسم سوريا من قائمة الدول غير المتعاونة بالكامل في مكافحة الإرهاب، ثم انتهى في آب تصنيفها الأميركي دولةً راعية للإرهاب.
هذه التطورات مهمة لأنها تتعلق بإرث ثقيل لم يعد حاضراً فقط في الخطاب السياسي، بل في علاقة الدولة السورية بالمؤسسات الدولية نفسها، وعندما تُغلق ملفات من هذا النوع، فإن دمشق لا تستعيد مساحة سياسية فحسب، بل تتخلص تدريجياً من طبقات متراكمة كانت تقيد حركتها الدولية.
وفي الاتجاه العربي والأوروبي، اتسعت دائرة الشراكات بصورة لافتة، جاءت الجولة الخليجية للرئيس الشرع في السعودية وقطر والإمارات، ثم الزيارات والاتصالات مع فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بالتوازي مع قرار جامعة الدول العربية في أيلول رفع العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن الدولة السورية.
وفي موازاة التحولات السياسية والاقتصادية، شهد هذا العام تغيراً في طريقة حضور سوريا داخل المؤسسات الدولية وفي الملفات الإنسانية.
ففي 31 آب، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع القرار السوري الخاص بإعلان 19 كانون الأول يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين، في أول مشروع قرار تتقدم به سوريا إلى الأمم المتحدة في تاريخها الحديث، وقبل ذلك، بحث الرئيس أحمد الشرع مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال زيارته إلى دمشق، ملفات التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتعاون الإنساني، كما ناقش مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح قضية العودة الآمنة.
سياسياً، أعتقد أن أهمية هذه الخطوات تكمن في أن سوريا بدأت تتعامل مع المؤسسات الدولية من موقع المشاركة في صناعة بعض الملفات، لا الاكتفاء بتلقي القرارات المتعلقة بها.
وفي الاتجاه الأمني والسياسي، انضمت سوريا إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش في تشرين الثاني 2025، ثم شاركت في اجتماعه بالرياض خلال شباط 2026، وفي الوقت نفسه، حافظت دمشق على قنوات مفتوحة مع الولايات المتحدة وتركيا، وصولاً إلى لقاءات الشرع مع دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان في أنقرة، بالتزامن مع اتساع العلاقات الثنائية مع دول أخرى.
ما تغير خلال هذا العام، إذن، هو اتساع مساحة الحركة السورية، لم تعد العلاقات الخارجية تتحرك في اتجاه واحد أو ضمن دائرة محددة، بل أصبحت دمشق تتعامل مع عواصم عربية وغربية، ومع واشنطن وأنقرة، ومع المؤسسات الدولية، وفق ملفات ومصالح مختلفة.
وهذه التعددية في العلاقات تمنح السياسة السورية هامشاً أوسع، لكنها تفرض في المقابل قدرة أكبر على إدارة المصالح والتوازنات.
نيويورك 2026.. ماذا تغيّر خلال عام فعلاً؟
ربما لا يمكن اختصار عام كامل في مجموعة قرارات أو زيارات، لكن يمكن القول إن موقع سوريا تغيّر بوضوح: سفارات عادت، وعقوبات رُفعت، وملفات دولية أُغلقت، وشراكات توسعت، وأصبحت دمشق تستقبل وفوداً كانت زيارتها إليها قبل سنوات أمراً بعيد الاحتمال، هذه ليست تفاصيل منفصلة، بل مؤشرات على انتقال سوريا إلى مرحلة جديدة في علاقتها مع العالم.
لكن الانفتاح الدولي، مهما كان واسعاً، لا يصبح إنجازاً مكتملاً ما لم ينعكس على الداخل السوري، فالقيمة السياسية لكل ما تحقق ستُقاس بقدرة الدولة على تحويل هذا الرصيد إلى استقرار، واقتصاد، وإعمار، وعودة آمنة، ومؤسسات قادرة على حمل هذه المرحلة.
فنيويورك 2026 ليست محطة للاحتفال بما تحقق بقدر ما هي لحظة لاختبار ما سيأتي، خلال عام تغيّر موقع سوريا في العالم، أما التحدي الحقيقي فهو أن يتحول هذا التغيير إلى فرق يلمسه السوريون في حياتهم.