Blog
نقطة تحوُّل: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب
Turning Point: 9/11 and the War on Terror
بمناسبة 11 سبتمبر أعدتُ مشاهدة عديد من الوثائقيات عن هذه اللحظة المهمَّة في عصرنا، أردت استكشاف كيف يمكن التأريخ لهذه اللحظة والحديث عنها في الوثائقيات، والنتيجة التي أريد أن أشرحها في مقالي هي أنَّ هذه الوثائقيات أخذَت نفْس طابع أفلام هوليوود في تحويل الأبطال إلى أساطير والسكوت عن معاناة الضحايا، ولم تبذل الجهد الكافي لفهم معاناة العرب والأفغان من هذه الحروب.
مِن أهمِّ الوثائقيات «نقطة تحوُّل» على شبكة «نتفلكس»، فهو وثائقي مشوِّق مكوَّن من خمس حلقات عن هذا اليوم المشهود، وما تلا ذلك من قراراتٍ أميركية بغزو العراق وأفغانستان، وفيه تفاصيل الساعات الأولى من سقوط البُرجَين، ويُعيد لك شريط الذكريات التي مرَّت على العالم ومنطقة الشرق الأوسط، وبالطبع يستغرق الفيلم في تقديم الرؤية الأميركية ويفشل في إجابة سؤال «لماذا يوجد عداء لأميركا؟». من المهم سبر غور العلاقة المعقَّدة بين أميركا والعالم، وفَهْم تأثير دعمها لإسرائيل في صورتها في العالم، وهذه نقطة تتكرَّر في معظم الأفلام: عدم التطرُّق إلى ما تفعله إسرائيل من جرائم إبادة بحقِّ فلسطين وتجاهل أنَّ الدعم الأميركي يولِّد كراهية وتوترًا في علاقتها مع العرب والعالم الإسلامي، لكن الوثائقي رغم أنَّ حلقته عن أفغانستان ثرية وفيها شهادات مهمَّة عن الفساد الذي حدث هناك، يفشل في وضع سياقٍ لهذه الأحداث والتراكمات التاريخية.
وكما كتب الصحفي عزت آزاد عن عيوب هذه السلسلة أنها تُركِّز على ألم الأميركيين وتتجاهل الضحايا، يقول: «وقعت هجمات 11 سبتمبر، في نهاية المطاف، في يومٍ واحد. أمَّا الحروب التي تلتها تحت اسم “الحرب على الإرهاب” فقد كانت سلسلة أحداث مفصلية استمرَّت 20 عامًا، وأودت بحياة ما يقرب من مليون شخص، وأدَّت إلى نزوح 37 مليون شخص حول العالم».
وعندما يتحدَّث مثلًا ديفيد بترايوس، المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية، في فيلمٍ وثائقي عن شهادته عن الحروب في العراق وأفغانستان، يتحوَّل من شاهد عيان إلى مُدافعٍ عن رواية سياسية بعينها تُبرِّر دوره العسكري في تلك المرحلة، فضلًا عن إتاحة الفرصة والمساحة للمسؤولين الرسميين والسياسيين للحديث وتبرير تصرفاتهم في هذه الوثائقيات مقارنة بمساحة ظهور النشطاء الحقوقيين عند الحديث عن قضايا مثل التعذيب أو الانتهاكات التي حدثت في العراق أو غوانتانامو.
ومن العيوب كذلك أنَّ السلسلة تقع في المنطق الاستشراقي والعنصري في تصوير المسلمين وما تلاه من حرب على الإرهاب، فهو يبدأ على سبيل المثال بصورة امرأةٍ مسلمة ترتدي البرقع وتحمل مسدسًا، وهكذا نقع في التنميط، ويدفع المسلمون في الولايات المتحدة الضريبة، ويتحوَّلون إلى أشخاصٍ مشكوك فيهم باعتبارهم إرهابيين.
الوثائقي الثاني بعنوان «غرفة الحرب»، فكرته طريفة لكنَّه متحيز في روايته. يروي الفيلم تفاصيل يوم 11 سبتمبر في جدول أعمال الرئيس الأميركي جورج بوش، حيث عرف الخبر وهو في زيارةٍ لمدرسة في فلوريدا، وسجَّلت الكاميرا ملامح وجهه وهو يستمع إلى طفلٍ يقرأ قصة. ويتتبع الفيلم ردود الأفعال من فريق جورج بوش، وكيف تابع الرئيس التواصل مع مؤسسات الدولة، ثمَّ ذهابه إلى طائرته واجتماعاته المستمرة. وزَّعوا كذلك في طائرة الرئيس بوش حبوبًا مضادة للجمرة الخبيثة، وبسبب توتُّر أحد الموظفين تناول حصة الأسبوع كاملة دفعةً واحدة، وكانت نكتة أنَّ أحد معاوني الرئيس حاول الانتحار يوم 11 سبتمبر، لكنَّه نجا من الحادثة.
يظهر الرئيس جورج بوش في الفيلم بصورة القائد الهمام والبطل مثل أفلام هوليوود، وتحضر كذلك الدائرة المقربة منه في إداراته في الفيلم مثل: ديك تشيني نائب الرئيس، وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي، حتى كولن باول يظهر في لقطةٍ سريعة تحوّل كل هؤلاء إلى شهودٍ على اللحظة التاريخية بمشاعرهم المفعمة بالحماس الوطني، دون أن يكونوا في موقع المحاسبة وفي تحدٍّ للحديث عن أدوارهم وأخطائهم، حتى كولن باول صاحب أشهر كذبة في مجلس الأمن حينما جزم بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، يمرُّ مشهد ظهوره بمظهر البطل ولا يُسأل عن تفاصيل الخطاب.
نرى الفيلم يُعطي فرصةً كاملة لبوش لكي يعرض وجهة نظره حول القيادة وسط الأخطار، ولا أحد يسأله عن نتائج قراراته في غزو العراق، أو احتلال أفغانستان، أو ملفات التعذيب التي تورَّطت فيها الإدارة الأميركية. هو رواية تحفظ إرث بوش أفضل من كونه تحقيقًا صحفيًّا مستقلًّا. ومنذ أيام، عرض التليفزيون العربي حلقة عن مذكرات ديك تشيني بمناسبة ذكرى هذا الحدث، تناول الضيوف تلك الفترة بالنقد والمراجعة وإبراز التناقض في رواية السياسيين في السلطة، وهذا هو عمل الصحافة، أي مساءلة ومناقشة رواية السلطة.
لكن العيب القاتل يظلُّ أنَّ هذه الأفلام الوثائقية تتجاهل أيَّ سياقٍ تاريخي للهجمات أو محاولة فَهْم أسباب الغضب من أميركا أو دوافع المنفِّذين، وهذا لا يبرِّر الاعتداء على الأبرياء، لكنه يفيد المُشاهِد حتى يفهم طبيعة السياسة في العالم. وفي هذا الفيلم نرى بوش يقول للسائق ألَّا يُسرِع وهو في قاعدةٍ عسكرية جوية لأنَّه لا يتوقع أن يصل تنظيم القاعدة إلى هذا المكان المحصَّن، وهنا يُبرِز كيف اتهم بوش «القاعدة» بعد ساعاتٍ فقط من الهجوم وقبل عودته إلى البيت الأبيض، وقبل حسم التحقيقات.
يُردِّد الضيوف في الحلقة أنَّ ما تعرَّضَت له الولايات المتحدة في الهجوم هو تجسيد للشر الخالص، وهذه الفكرة القاصرة في فَهْم الإرهاب تجعل منه فعلًا بهدف الشرٍّ فقط دون فَهْمٍ لدوافع مُنفِّذيه، أو تاريخ الولايات المتحدة في التدخل في الدول عسكريًّا ودعم إسرائيل.
وثائقي آخر بعنوان «مطاردة أميركية» أنتجته «نتفلكس» وشاهدته بشغفٍ لأنَّه يحكي عن قصة ملاحقة أسامة بن لادن وصولًا إلى لحظة قتله. في الحلقة نرى شرح القصة من وجهة نظر الأميركان، أحيانًا ننبهر بالصورة في الأفلام الوثائقية الأجنبية والتشويق فيها، لكن في هذه السلسلة مثلًا صوت الراوي الأميركي يطغى على أيِّ صوتٍ آخر، لا نرى أيَّ ضيفٍ في الوثائقي يمثِّل رواية طالبان، ولا يجري البحث عن أيِّ ضيفٍ منهم يُعبِّر عن وجهة نظرهم أو موقفهم من دعم بن لادن أو موقفهم من التدخُّل الأميركي.
كذلك يضعف حضور رواية الطرف الباكستاني الذي جرت العملية على أرضه رغم أنَّ تنفيذ عملية في باكستان قد أحدث نقاشاتٍ كثيرة داخل الإدارة الأميركية، بناءً على مذكرات مدير المخابرات الأميركية روبرت غيتس الذي فصَّلها في كتابه.
حتى رواية تحالف الشمال الذي تعاون مع الأميركان وتظهر في الفيلم بكثرةٍ قصص عن هذا التحالف، لا يقوم الفيلم باستضافة أي ضيوف منهم، أو حتى باحث من أصل أفغاني يُعبِّر عن القضية من وجهة نظر محلية.
في الحلقة الأولى الكاملة بعد تبرير كلِّ محللي الاستخبارات الأميركية استخدام الطائرات دون طيار وقتل المدنيين، وظهور عملاء المخابرات كأبطالٍ في الفيلم، تظهر ضيفة واحدة على استحياء بعد التذكير بمأساة 11 سبتمبر تقول لنا: «لكن مات كثير من الأبرياء في أفغانستان نتيجة القصف الشديد والطائرات دون طيار». هذا فقط نصيب هذه القضية الحساسة!
أفكِّر في مفهوم التحيُّز في رواية القصص، وسماع الأميركيين أصواتهم فقط دون روايات تتحداهم أو تنقد نظرتهم إلى العالم، وأنَّ صناعة الأفلام الوثائقية العربية رغم ما يعتريها في بعض الأحيان من القصور التقني، تظلُّ موضوعية في حكاية تاريخ المنطقة، وتحوي تمثيلًا للأطراف المتعدِّدة، وكثير مما يُنتَج في مجال الوثائقيات الغربية متحيِّز مثل تحيُّز السينما الأجنبية، وهذا يدفع إلى مزيدٍ من إنتاج الوثائقيات العربية التي تشرح قضايا العرب والشرق الأوسط، بعيدًا عن بهرجة هوليوود وصناعة الأساطير.
لن نحصل على رواية باكستانية في فيلمٍ عن قتل بن لادن في هذه الحلقة الوثائقية، ولن يُذكَر أيُّ خطأٍ للعملية ويتحوَّل شهود العملية الذين أشرفوا عليها إلى أبطال، دون تركيز على تفاصيل الحدث نفسه.
«نتفلكس» عرضت كذلك حلقات وثائقية عن المخابرات، وهي سلسلةٌ وثائقية تعرض قصصًا حقيقية لعمليات تجسُّس واستخبارات، يشارك فيها ضباط من وكالات مثل المخابرات الأميركية والبريطانية، وتفاصيل عمليات سرِّية وحروب باردة.
في الحلقة الأولى قابل فريق الوثائقي عملاء في المخابرات الأميركية وتتبَّعوا قصة دخولهم أفغانستان قبل الغزو، ولقاء جماعة أحمد شاه مسعود في تحالف الشمال لتقويض حكم طالبان، وكيف دخلوا إلى أفغانستان، وماذا فعلوا في تلك المرحلة الحرجة قبل الغزو البري. وعندما يحكون في الوثائقي عن التجهيزات قبل السفر يتحوَّل السرد الوثائقي كأنَّك تشاهد فيلمًا أميركيًّا سريع الإيقاع ودراميًّا، ابتداءً من قصص شراء الولاء بالمال في حقائب مليئة بالنقود، إلى أنواع الأسلحة التي حملوها معهم، ونوعية الفريق الذين ذهبوا إلى هناك! أجواء سينمائية وفق منطق «مش هتقدر تغمَّض عينيك»، خصوصًا أنها تحكي عن العملية التي حدثت بعد خمسة عشر يومًا فقط من أحداث 11 سبتمبر 2001. في هذا الوثائقي نرى تكرار نفس العيوب السابقة، من عرض الرواية الأميركية فقط، وهكذا تقع هذه السلسلة الوثائقية في التلميع والتحيُّز والترويج للمخابرات الأميركية وعملياتها الناجحة.
أخيرًا، أمام الوثائقيات العربية فرصة لتقديم رواية أكثر حيادًا وموضوعية من وثائقيات هوليوود، نسمع فيها أصوات ضحايا الحرب على الإرهاب في العراق وأفغانستان وغيرها من البلدان.