Blog
ربما ثمة كثير من محاولات أنطون تشيخوف التي لا تظهر في قصصه كما تظهر في رسائله، محاولات لأن يكون طبيباً، وكاتباً، وصحفياً، وإنساناً عادياً وسط عالم لم يكن سهلاً عليه، ومحاولات أخرى لأن يفهم نفسه والآخرين من حوله، وأن يجد مكاناً بين الفقر والمرض والكتابة والحاجة إلى المال.
بعد أن أنهيت كتابين لتشيخوف، وجدتني أعود إلى رسائله لا لأقرأها كما تُقرأ الرسائل عادة، وإنَّما لأبحث عمَّا بقي خلف القصص، كنت أريد أن أعرف الرجل الذي كتب، لا الكاتب الذي عرفناه من أعماله فقط، وربما لهذا بدت لي الرسائل أكثر قسوة وصدقاً من بعض نصوصه، ففي القصة يستطيع الكاتب أن يختار شخصياته، أمَّا في الرسالة فيبدو الإنسان أقرب إلى نفسه.
كان تشيخوف يكتب إلى إخوته وأصدقائه ومعارفه، يتحدث عن المال والصحة والعمل والسفر والمرض والكتب، وعن أشياء قد تبدو عادية جداً.
لكنَّني، كلَّما تقدَّمت في القراءة، شعرت أنَّ هذه التفاصيل ليست هامشية كما تبدو، ثمة شيء يحاول تشيخوف أن يقوله من خلالها، وربما كان يحاول قبل كل شيء أن يفهم العالم الذي يعيش فيه، وهنا تحديداً بدأت أقرأ تشيخوف من زاوية أخرى.
لم يعد الأمر بالنسبة إليّ مجرد كاتب روسي عاش في القرن التاسع عشر، بل إنساناً عاش بين محاولات كثيرة، أن يكتب، وأن يعمل، وأن يساعد، وأن يعيش، وأن يراقب مجتمعاً يثقل الفقر والمرض أفراده، من دون أن يتحوَّل هو نفسه إلى واعظٍ فوقهم.
وربما لهذا أحببت رسائله، لأنها لا تقدم لنا تشيخوف بوصفه الرجل الذي يمتلك الإجابات، وإنما بوصفه شخصاً يحاول أن يجدها.
ربما كانت الصحافة محاولته الأولى
على صعيد متصل، أجد أنَّ علاقة تشيخوف بالصحافة تستحق قراءة مختلفة أيضاً، فقد كتب في الصحف والمجلات، واحتاج إلى المال الذي تمنحه الكتابة، وكان عليه أن يكتب في أحيان كثيرة لكي يعيش، لا لكي يقول كل ما يريد قوله.
وهنا يظهر الوجه الآخر للصحافة.
الصحفي لا يعمل دائماً في الظروف التي يحلم بها، قد يملك فكرة، لكن المساحة لا تكفيها، وقد يملك سؤالاً، لكن الوقت أو المؤسسة أو الظروف تضيق عليه، وقد يعرف أنَّ وراء الخبر قصة أكبر، لكنَّه لا يستطيع دائماً أن يكتبها كما يريد.
ربما ثمة الكثير من محاولات تشيخوف هنا أيضاً.
محاولته أن يكون كاتباً وهو بحاجةٍ إلى المال، ومحاولته أن يكون صحفياً دون أن يفقد نفسه، ومحاولته أن يراقب ما يحدث حوله دون أن يتحوَّل إلى جزءٍ من ضجيجه، وهذا يجعلني، من موقعي كصحفي سوري، أتوقف طويلاً أمامه.
لأنَّ الصحافة السورية خلال سنوات الثورة السورية عاشت أسئلة مشابهة، وإن اختلفت الظروف والأزمنة جذرياً.
لم تكن المسألة دائماً: ماذا نريد أن نكتب؟ بل في أحيان كثيرة: ماذا نستطيع أن نكتب؟ ولمن؟ وكيف نحافظ على الإنسان داخل الخبر، حين تكون الأحداث أكبر من قدرة الكلمات على استيعابها؟
في الثورة السورية، كان هناك حدث سياسي وعسكري وإنساني هائل، لكن خلفه كانت حياة كاملة تتغير، وهنا أظن أنَّ الصحفي الذي يبحث فقط عن الحدث يفوّت شيئاً أساسياً، قد يكتب عن النزوح، لكنه لا يرى الحذاء الذي حملته امرأة معها من بيتها ولم تعرف لماذا اختارته دون غيره، وقد يكتب عن القصف، لكنه لا يعرف ماذا فعل الأب عندما عاد إلى المكان الذي كان منزله فيه، وقد يكتب عن الفقر، لكنه لا يسمع صوت الطفل الذي يسأل أمه عن شيء لم تعد قادرة على شرائه.
هذه التفاصيل ليست زوائد في الحكاية، هذه الحكاية نفسها.
بين تشيخوف والثورة السورية
ربما لا توجد صلة مباشرة بين تشيخوف والثورة السورية، ولا أريد أن أختلق واحدة، لكن ثمة صلة إنسانية لا يمكن تجاهلها، تشيخوف كان يرى الإنسان داخل الحدث، وأنا عشت صحفياً في زمن كان علينا فيه أن نبحث عن الإنسان داخل أكبر حدث عرفناه، وهنا يصبح السؤال مختلفاً.
كيف يكتب الكاتب عن شعب يعيش الألم من دون أن يحوّل الألم إلى مادة؟ وكيف يمكن للصحفي أن يوثق المأساة دون أن يفقد حساسيته تجاه أصحابها؟ هذا السؤال بقي يرافقني طويلاً.
فالثورة السورية لم تكن بالنسبة إلى السوريين خبراً عاجلاً استمر سنوات، كانت بيتاً، ومدرسة، وطريقاً، ومخيم نزوح، ووجهاً غاب، وعمراً ضاع، وأحلاماً تأجلت، وما يبدو لنا في الصحافة رقماً أو إحصائية، كان بالنسبة إلى شخص ما حياة كاملة.
ولعلَّ هذا ما فهمته أكثر وأنا أقرأ تشيخوف، فالكاتب لا يحتاج دائماً إلى أن يرفع صوته كي يقول شيئاً كبيراً، أحياناً تكفيه حكاية صغيرة، مريض لا يجد دواء، عائلة تعاني الفقر، رجل يكتب إلى أخيه، صديق يشتكي من أمر عابر.
ومن هذه الأشياء الصغيرة يمكن أن تفهم مجتمعاً كاملاً، وهذا ما حدث في سوريا أيضاً.
كانت هناك ملايين التفاصيل التي بدت في لحظتها صغيرة أمام الأخبار الكبرى، لكنها اليوم، وبعد كل هذه السنوات، ربما تكون أكثر ما يستحق أن يُحفظ.
الإنسان الذي خلف السطور
في إحدى رسائل تشيخوف، لفتتني طريقته في الحديث عن ضعف الإنسان ونقصه وخطاياه، لم أشعر أنَّه يحاكم الإنسان بقدر ما يحاول أن يفهمه، وهذا تحديداً ما جعلني أقترب منه أكثر، فالإنسان ليس مجموع أخطائه، كما أنه ليس مجموع مأساته.
السوري الذي نزح ليس “نازحاً” فقط، والمصاب ليس “رقماً”، ومن فقد بيته ليس خبراً عن الدمار، لكل واحد منهم حياة سابقة على المأساة، وحياة يحاول أن يستعيدها بعدها، ربما تكون هذه واحدة من أهم المسائل التي يجب أن تنتبه إليها الصحافة: ألا تسمح للحدث بأن يبتلع الإنسان.
فالحدث ينتهي، لكن الإنسان يبقى، وهنا أجد نفسي أعود إلى رسائل تشيخوف مرة أخرى، إلى تلك الرسائل التي لم تكن مكتوبة لكي تصبح تاريخاً، لكنها أصبحت كذلك لأنها احتفظت بتفاصيل الإنسان.
ربما لم يكن تشيخوف يعرف أن قارئاً بعد أكثر من قرن سيبحث في رسائله عن الفقر والمرض والعلاقات والقلق ومحاولات النجاة، وربما لم يكن السوري الذي عاش سنوات الثورة يعرف أن الأشياء الصغيرة التي عاشها يمكن أن تصبح ذات يوم جزءاً من ذاكرة بلد كامل، لكن الكتابة تفعل ذلك، إنها تأخذ اللحظة من صاحبها، وتضعها في مكان يستطيع شخص آخر أن يصل إليها بعد سنوات.
ولهذا، وأنا أنهي رسائل تشيخوف، لم أعد مهتماً كثيراً بالسؤال: ماذا أراد تشيخوف أن يقول؟
أصبح السؤال بالنسبة إليّ: ماذا بقي منه؟
بقي الإنسان، وبقيت تفاصيل الناس الذين مروا في حياته، وبقيت محاولاته الكثيرة، محاولته أن يعيش، وأن يكتب، وأن يفهم، وأن يكون نافعاً، وأن يظل إنساناً وسط عالم لم يكن رحيماً دائماً، وربما لهذا شعرت أنَّ القراءة لم تكن عن تشيخوف وحده، كانت عن الصحافة أيضاً، وعن سوريا، وعن كل أولئك الذين عاشوا حدثاً أكبر منهم، ثم مضوا تاركين وراءهم تفاصيل صغيرة لا يعرف أحد قيمتها إلا بعد أن يصبح النسيان هو الخطر الأكبر.
في النهاية، ربما لا تستطيع الصحافة أن تغيّر كل ما يحدث، لكنها تستطيع أن تحفظ وجه الإنسان حين يحاول التاريخ أن يحوّله إلى رقم.
وربما لهذا أقرأ تشيخوف اليوم لا ككاتبٍ روسي فقط، بل كصحفي يذكّرني بأنَّ أعظم ما يمكن أن نفعله أمام المآسي الكبرى هو أن نرى التفاصيل الصغيرة، وأن نمنح أصحابها حقهم في أن يكونوا بشراً قبل أن يكونوا عناوين.

