فنون
خلف كلِّ فيلمٍ عظيم مخرج عظيم، وخلف فيلم “Psycho” هناك “ألفريد هيتشكوك”، الرجل الذي غيَّر إلى الأبد الطريقة التي يمكن للسينما أن تُخيف بها جمهورها، لكن خلف هذا الفيلم الخالد كانت هناك قصة تدور في الكواليس ولا تقلُّ إثارةً عن القصة التي شاهدناها على الشاشة.
إنَّها قصة مخرج بلغ قمة شهرته، ثمَّ قرر أن يخاطر باسمه وماله من أجل مشروعٍ لم تؤمن به هوليوود كما آمن به هو، ومن هنا جاء فيلم “هيتشكوك” في عام 2012، ليأخذنا خلف كواليس صناعة فيلم “Psycho”، والفيلم من إخراج “ساشا جيرفاسي”، وهو مبنيٌّ على كتاب “ألفريد هيتشكوك وصناعة فيلم المختل”، للكاتب “ستيفن ريبيللو”، الذي أصدره في عام 1990، وقد تولَّى “جون جيه مكلولين” كتابة النصِّ السينمائي.
تبدأ أحداث الفيلم بعد النجاح الكبير الذي حقَّقه “ألفريد هيتشكوك” مع فيلم “North By Northwest”، في وقتٍ بدأ فيه البعض يتساءل إن كان المخرج المخضرم قد وصل إلى قمته وعاد غير قادرٍ على مفاجأة الجمهور، لكن تقع عيناه على رواية “المختل” للكاتب “روبرت بلوخ”، المستوحاة جزئيًّا من جرائم “إد غين”، ويرى فيها مادة قاتمة وعنيفة وغريبة ولا تشبه الإنتاجات الهوليوودية المعتادة، والمشكلة أنّ شركة الإنتاج لا تشاركه الحماس، إذ تبدو الرواية بالنسبة إليهم مبتذلة وخطرة تجاريًّا، فرفضت تمويل الفيلم بالطريقة المعتادة، فخاطر “ألفريد هيتشكوك” بأمواله الخاصة واستخدم منزله ضمانًا لتمويل الفيلم.
ويتتبَّع الفيلم مراحل ولادة فيلم “Psycho” بدءًا من اختيار الممثلين، مرورًا بالتصوير والصدام مع الرقابة، ووصولًا إلى المونتاج والموسيقى التصويرية والحملة التسويقية ويوم العرض في السينما، وعلى امتداد ذلك يركِّز الفيلم على علاقة “ألفريد هيتشكوك” بزوجته “ألما ريفيل”، التي كانت شريكته الإبداعية.
لقد أبدع “أنتوني هوبكينز” في تجسيد شخصية “ألفريد هيتشكوك”، متجاوزًا حدود التشابه الخارجي ليقترب من روح المخرج وشخصيته الفريدة، من نبرة صوته الهادئة وطريقته المميَّزة في الحديث، إلى سخريته اللاذعة وغروره وقلقه الدائم خلف مظهره الواثق، حيث استطاع أن يجعلنا نشعر في لحظاتٍ كثيرة أنَّنا أمام “ألفريد هيتشكوك” نفسه، ويعود الفضل في ذلك أيضًا إلى فريق المكياج الاحترافي، ولقاء إبداعهم تمَّ ترشيح الفيلم لجائزة الأوسكار لأفضل مكياج وتصفيف شعر.
“هيلن ميرين” قدَّمت أداءً رائعًا أيضًا بشخصية “ألما ريفيل”، ولا أنسى بقية الممثلين، وأبرزهم: “سكارلت جوهانسون” بشخصية الممثلة “جانيت لي”، و”توني كوليت” بشخصية “بيغي”، و”جيسيكا بيل” بشخصية الممثلة “فيرا مايلز”، و”جيمس دارسي” بشخصية الممثل “أنتوني بيركينز”.
بلغت ميزانية إنتاج الفيلم نحو 16 مليون دولار، ولم يحقِّق النجاح المأمول، حيث لم تتجاوز إيراداته 27 مليون دولار في شبّاك التذاكر في أمريكا وبقية دول العالم، كما أنَّ مراجعات النقاد كانت متفاوتة، وأنا شخصيًّا أرى أنَّ الفيلم جميلٌ وممتع، ويحمل في تفاصيله الكثير من الحبِّ والتقدير لـ “ألفريد هيتشكوك” وللسينما وفنِّ صناعة الأفلام، فهو لا يكتفي باستعادة كواليس صناعة واحدٍ من أشهر أفلام الرعب في التاريخ، بل يذكِّرنا أيضًا بأنَّ خلف كلِّ عملٍ خالد رحلة طويلة من الشغف والمخاطرة والشكِّ والإصرار.