مجتمع
يونس العيسى
في لحظةٍ فارقة من تاريخ سوريا، حيث روت الدماء الزكية تراب الشام، ودفع الملايين أثماناً باهظة من أجل الخلاص من نير سلطة مستبدة وبناء دولة المؤسسات، وقف بعض المشايخ ليذكّروا الناس بطاعة ولي الأمر وكأنَّها غاية الدين، متناسين أنَّ تلك الطاعة مشروطة بعدم المعصية، وأنَّ أعظم معصية هي الظلم والاستبداد ذاتهما.
بهذه الكلمات الموجزة، لخص أحد أعضاء مجلس الشعب السوري معضلة العصر التي تعصف بالوعي الجمعي للأمة، فماذا لو قيل لك إنَّ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لم يُشرع في الأساس لمراقبة الناس، بل لمراقبة الحكام؟ وأنَّ تحويله إلى أداةٍ لمطارحة هيئات الناس وتفاصيل حياتهم الخاصة، مع الترهيب من محاسبة السلطان باسم “طاعة ولي الأمر“، كان أحد أعظم الانتصارات التي حققها الاستبداد في التاريخ الماضي والحاضر؟
فلم تكن ثورات الربيع العربي مجرَّد انتفاضة سياسية، بل كانت اختباراً دموياً لمدى استقلالية الضمير الديني عن مؤسسات السلطة الحاكمة، في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن، وقف العالم أمام مشهد دراماتيكي: أناس يصلّون ويصومون ينهضون ضدَّ الظلم، فإذا بالمؤسسات الدينية الرسمية تخرج عليهم ببيانات تحذر من “الفتنة“، وتدعو إلى “طاعة ولي الأمر“، وتعتبر المطالبة بالحقوق “خروجا على ثوابت الأمة“!
وهنا تبرز المفارقة التي أشار إليها عضو المجلس السوري: هذا الإصرار على المبالغة في طاعة الحاكم، مقروناً بتخويف الشعوب من المطالبة بحقوقها، هو الذي يشوه الدين في نفوس المؤمنين، فالشاب السوري الذي يرى بعينيه والده أو أخاه يُقتل في الميدان، ثمَّ يسمع مفتياً يقول له: “اصبر، ولا تخرج على ولي الأمر“، لا بد أن يسأل: أين العدل الإلهي من هذه الفتوى؟ وإذا كان الدين يأمر بالسكوت عن دم أخي، فأي دين هذا الذي أعلمه؟
إنَّها لحظة صادمة تعيد إنتاج النموذج القرآني ذاته: لعنة الله التي حلت ببني إسرائيل لم تكن بسبب كفرهم فقط، بل بسبب أنَّ الربانيين والأحبار سكتوا عن منكر السلطة، وقال تعالى: (عِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)
فالمنكر الذي فعله بنو إسرائيل لم يكن مجرَّد ذنبٍ فردي، بل سياسة عامة مارسها المجتمع بسكوت نخبه الدينية، وفي سياقنا العربي الراهن، فإنَّ استمرار الحكام في نهب المال العام، وتعذيب المعتقلين، وتزوير الإرادات، دون أن يُحرك العلماء ساكناً، هو عين المنكر الذي استحقوا به اللعن.
فقد نجح فقهاء السلطة في هذا التزوير الكبير بذكاء شديد، أعادوا تعريف “الأمر بالمعروف” ليصبح موجهاً نحو تفاصيل حياة الناس الشخصية، لا نحو سياسات الحكام، فصار الناس يراقبون ملابس بعضهم، وقصات الشعر، والبدع الصغرى، بينما تمر صفقات الفساد، ونهب المال العام، وانتهاك الحقوق، بلا مساءلة.
وهذا التحويل الممنهج لم يكن وليد اللحظة، بل هو ثمرة عقود من الترويج لفكرة أن الفساد الأخلاقي هو وحده المنكر، بينما الفساد السياسي والاقتصادي هو شأن سياسي، لا دخل للدين به. وعندما خرجت الجماهير تطالب بالخبز والحرية، قيل لهم: اصبروا، ولا تخرجوا على حاكمكم، فالخروج يفسد أكثر مما يصلح.
لكن السؤال الذي تفرضه الآيات القرآنية: ألم يكن فساد بني إسرائيل سياسيًّا واقتصاديًّا بالأساس؟ ألم يكن أكلهم الرشوة والمال الحرام من أعظم المنكرات التي سكت عنها الربانيون؟ فكيف يُقرأ اليوم نص “لولا ينهاهم الربانيون” في سياق نهب ثروات الشعوب العربية، إلا كصفعة على وجه كل عالم دين رضخ للسلطان واستعمل طاعة ولي الأمر كغطاء للظلم؟
ولم يكن أئمة الإسلام الأعلام في غفلة عن هذا التحريف. فهم لم يكونوا في خدمة السلاطين، بل كانوا يمثلون معارضة أخلاقية وسياسية بامتياز، رافضين كل ما ينتقص من الحقوق والحريات، فأبو حنيفة رفض أن يمنح شرعية للسلطة الظالمة، فسجن وضرب، ومالك بن أنس أفتى ببطلان بيعة المكره، فعذب بسبب فتواه.
أحمد بن حنبل رفض أن تفرض الدولة عقيدتها بالقوة، فصمد أمام ثلاثة خلفاء، العز بن عبد السلام وقف في وجه الأمراء، وأخضعهم لحكم الشريعة والمصلحة العامة، حتى لقب بسلطان العلماء.
ولم يكن هؤلاء يطاردون العامة في أسواقهم وبيوتهم، بل كانوا يواجهون السلطة عندما تنحرف، لقد فهموا أن جوهر الدين ليس طول اللحية وقصر الثوب، بل الموقف من الظلم، وهم اليوم، لو عاشوا، لكانوا في طليعة من يطالبون بدولة المؤسسات التي تحمي الحقوق، لا دولة الأفراد التي تحمي كرسي الحاكم.
وهنا نصل إلى جوهر رسالة عضو مجلس الشعب السوري: إن بناء دولة المؤسسات لا دولة الأفراد هو الترجمة العصرية لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي الدولة الحديثة، ليست الثورة على الحاكم هي الحل، بل بناء نظام يُغير فيه الحاكم بصناديق الاقتراع، وتكون فيه محاسبته واجبا يوميا.
فالمعروف اليوم هو: العدل، والشفافية، واستقلال القضاء، وحماية المال العام، والتداول السلمي للسلطة. والمنكر هو: الاستبداد، والفساد، ونهب الثروات، وتكميم الأفواه.
إنَّ ملايين السوريين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل هذه القيم لم يكونوا خارجين عن الدين، بل كانوا يمارسون بوعي أو بغير وعي فريضة الأمر بالمعروف في أسمى صورها، كانوا يقولون كلمة الحقِّ في وجه السلطان الجائر، وكانوا يتصدون للمنكر الأكبر الذي هو انتهاك حرمة الدم والمال والعرض.
أمَّا الذين سخروا طاعة ولي الأمر لتبرير القمع، فقد حملوا وزراً عظيماً، فبتزويرهم لمفهوم الفريضة، وبإلباسهم ثياب القداسة لأنظمة متعفنة، خانوا رسالتهم، وأغلقوا باب الأمل في إصلاح ديني حقيقي يرادف الإصلاح السياسي. لقد جعلوا الدين سوراً حول القصر، بدلاً من أن يجعلوه سوطاً على ظهر الغاصب، وهذا هو التشويه الذي حذر منه عضو المجلس السوري، وهو الذي يدفع الشباب إلى الزهد في المنهج الإسلامي كأداة للبناء والتغيير.
فالمطلوب اليوم هو التوازن والعمل الدائم، فالتوازن يعني أن نفهم أنَّ طاعة ولي الأمر ليست مطلقة، بل هي مشروطة بعدم مخالفة أوامر الله، وأمر الله الأعظم هو العدل، فإذا أمر الحاكم بمعصية، فلا طاعة له. وإذا سكت الحاكم عن الظلم، أو مارسه بنفسه، فإن السكوت عنه معصية، والمطالبة بتصحيحه هي الطاعة الحقيقية لله، كما أن دولة المؤسسات ليست مفهوماً غربياً دخيلاً على الإسلام، بل هي تحقيق لمقاصد الشريعة في حفظ الدم والمال والعرض والدين، فالدولة التي تحمي المؤسسات القضائية والرقابية المستقلة هي الدولة التي تطبق العدل الإلهي على أرض الواقع، أما دولة الأفراد، فهي استمرار لنموذج الاستبداد الذي يختزل الأمة في شخص واحد، ويخضع مصير الملايين لمزاج فرد.
إنَّ الزمن الذي كان فيه الخروج على الحاكم ثورة، هو زمن الدولة الشخصية، أمَّا اليوم، فالحكمة هي بناء دولة لا يحتاج فيها الشعب إلى الثورة على حاكمها، لأنَّ الشعب هو الحاكم الحقيقي من خلال مؤسساته، وهنا يصبح الأمر بالمعروف وظيفة يومية يمارسها البرلمان والقضاء والإعلام والمواطن، لا فتوى تطلق عند الأزمات لترميم شرعية متهالكة، وإذا كان الله قد مدح أمة الإسلام بأنها “خير أمة أخرجت للناس” بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلن تستحق هذه الصفة أمة يكون أبرز منكريها هم حكامها، ويكون أبرز ساكتيها عن المنكر هم علماؤها.
فلا نخرج الدين من المعادلة السياسية، بل نُعيده إلى موضعه الصحيح: معيناً للعدالة، ومحرراً للضمير، وداعماً لدولة المؤسسات التي تصون الكرامة التي نالتها الشعوب بتضحيات غالية، لا غطاء للاستبداد ولا سوطاً على رقاب الضعفاء، ورحم الله من قال كلمة حق عند سلطان جائر، وآزر شعبه في بناء دولة القانون لا دولة الأفراد، وكان صوته مع الحقِّ لا مع عرش السلطان.
