مدونات

بين التقدير والتطبيل.. أين يقف السوريون؟

سبتمبر 6, 2026

بين التقدير والتطبيل.. أين يقف السوريون؟

كمال عيشة

يُروى عن رجلٍ من المداهنين كان يرافق أحد الوجهاء، ودخلا يوماً داراً قد تداعت جدرانها، وتساقط قشرها، حتى بدت كأنها أطلالٌ من زمن غابر. وبينما كان صاحبه ينظر بذهولٍ إلى هذا الخراب، التفت إليه المداهن بابتسامة عريضة وقال: “ألا ترى يا أخي كيف أنَّ هذا الجدار قد تعمد التآكل ليرينا عظمة الزمن وكرم السنين؟ وإنَّ هذا الغبار الذي يملأ الأركان ليس إلا عبق الأصالة الذي لا يدركه إلا ذوو الأفهام الرفيعة”. ضحك صاحبه من سخرية الموقف وقال: “يبدو أنَّ للخراب وجوهاً كثيرة، حين يتكفّل المداهنون بوصفها”.

إنه المطبّل يا سادة.. أول المصفقين وأكثر المدافعين، صانع الفقاعات والهالة الكاذبة، لا تنزل من يده مبخرة الكلمات المعسولة، لا يبحث عن الحقيقة، ولا يكتفي بالمديح، يحترف تحويل القرارات الكارثية أو الخُلبيّة إلى انتصاراتٍ تاريخية عظيمة، ويصوّر العيوب الصريحة على أنَّها حكمةٌ بالغة وفراسةٌ من المسؤولين لا تدركها أفهام العامة.

يعتبر التطبيل انحرافاً فكريًّا يُحوِّل الأشخاص إلى غاياتٍ مُقدّسة، ويجعل الحقيقة مجرَّد تفصيلٍ ثانويٍ لا قيمة له، وتتراجع بسببه المحاكمة العقلية لتسود طقوس التملّق؛ فيتحوَّل الموقف الطبيعي إلى تصفيقٍ أعمى، ويُنزَّه المسؤول في صورةٍ صمّاء لا تطالها الأخطاء، ويُساق الإنجاز الهامشي كمعجزةٍ جليلة، بينما يُصَوَّر أي اعتراضٍ أو تساؤلٍ كخيانةٍ صريحة للوطن.

كما هو معلوم أنَّ متلازمة التطبيل قديمة في التاريخ، إلا أنّ للسوريين معها تجربةً خاصة صاغتها السنون العجاف؛ فقد عاشوا عقوداً أمام إعلامٍ أحادي يُلغي الصوت المختلف، حتى تسلَّل هذا النمط ليتحوَّل إلى عُرفٍ عامٍّ بين الناس، استمر إلى يومنا هذا؛ حيث تكيَّف معه البعض عبر تبديل مواقعهم وولاءاتهم بسرعةٍ مذهلة، دون أن يرفّ لهم جفن.

وقد يبدأ التطبيل عادةً من عبارةٍ تتلفّح برداء العفوية: “لا تضعوا العصي في الدواليب“. ثمَّ تتحوَّل إلى حمايةٍ دائمة ضدَّ أي نوع من أنواع النقد، ويصبح المسؤول فجأةً فوق المراجعة، ويُعامل كل اعتراض عليه كأنه خيانةٌ مُبطّنة ومحاولة لإفشاله.

القضية ليست في المديح نفسه يا سادة. المسؤول الذي ينجح يستحق التقدير بلا شك، والمبادرة الجيدة تستحق الإشادة. لكن مصيبتنا عندما يصبح المديح نفسه سابقاً حتى للإنجاز، ويُطلب من الناس الاحتفال بما لم يحدث بعد!

يمكن ملاحظة هذا في النقاشات السورية المتعلقة بالخدمات والقرارات العامة، عندما يُعلن عن مشروعٍ صغير، تظهر موجة من العبارات التي تمنحه حجماً أكبر من واقعه. وإذا تأخر المشروع أو ظهرت مشكلاته، سرعان ما يبدأ المطبّل بالبحث عن عذر جديد. وهكذا يتحوَّل كلام الناس من وسيلةٍ لتقييم الأعمال والمشاريع إلى وسيلة لحماية أصحابها!

إنَّ التطبيل في أصله عبارةٌ عن عقدٍ غير مكتوب بين المصفق والمصفق له؛ حيث يبيع الأول كرامته العقلية مقابل فتات من الحظوة أو خوفاً من مقصلة الإقصاء، ويشتري الثاني وهماً يطيل به عمر سلطته ويُخدر به ضميره. وهو لا يضر الشخص الذي يُمدح فقط؛ يضر المؤسسة التي يعمل فيها أيضاً، وعندما يعتاد المسؤول سماع المديح السخي من الناس، يصبح النقد شيئاً غريباً ومُنكراً بالنسبة له. ومع الوقت سيحرص على أن يحيط نفسه بأشخاص يقولون ما يحب سماعه، فتصل إليه صورة ناقصة عن الواقع، وهذا يؤدي بالضرورة إلى تفاقم الأزمات وتراكمها تحت السطح دون علاج حتى تتفجر على شكل أزمات غير قابلة للحل، وهذا ما لا نريده البتّة.

السوري الذي يريد دولة متحضرة ومزدهرة يحتاج لتبني ثقافة عامة تقبل المسؤول بوصفه موظفاً عاماً، لا بطلاً منزَّهاً عن النقد. ويحتاج كذلك إلى إعلامٍ يستطيع نشر الخبر حين يكون جيداً، ونشر الملاحظة والانتقاد أيضاً عند وجود خلل ما. وبدورنا لا نحتاج إلى مسؤولٍ لا يخطئ. نحتاج ببساطةٍ إلى مسؤول يستطيع أن يسمع الخطأ حين يقع، ويصححه بعد أن يتأكد منه.

يمكن للسوري أن يكون وطنياً ومؤيداً لمسارٍ سياسي ما، ومع ذلك يعترض على قرارٍ معين فيه. ويمكنه أن يقدّر مسؤولاً، ومع ذلك يرفض أداءه في ملف معين؛ لأنَّه بذلك يمارس نوعاً من الرقابة الشعبية التي تحتاجها أي دولة تريد التطور والاستقرار. وعلى السياسة الناضجة أن تحتمل هذه المسافة أيضاً. إنَّ الاستمرار في استنبات ثقافة التطبيل يعني أنَّنا نحكم على أنفسنا بتكرار المآسي ذاتها لكن بوجوهٍ مختلفة، وهذا يعني أنَّنا أمام مشروعِ فشلٍ مؤجل. إنَّ الدول لا تبني مستقبلها بكثرة الأصوات التي تهتف لها، وإنَّما بقدرتها على سماع الأصوات التي تقول لها أين أخطأت. وقد يكون أول طريق للخروج من ثقافة التطبيل أن نتوقف عن التصفيق للمتحدث، ونبدأ بالتصفيق للفعل والعمل فقط.

شارك

مقالات ذات صلة