مجتمع

من دمشق إلى صنعاء.. حين ينكسر الهلال الإيراني أمام إرادة العرب

سبتمبر 8, 2026

من دمشق إلى صنعاء.. حين ينكسر الهلال الإيراني أمام إرادة العرب

من دمشق التي خرجت منها معركة ردع العدوان لتطوي صفحة النفوذ الإيراني في سوريا، إلى اليمن الذي يخوض أبناؤه اليوم معركتهم لاستعادة أرضهم من قبضة المليشيات الحوثية، تبدو الصورة أكبر من حدود معركةٍ هنا أو جبهة هناك. إنَّها حكاية شعوبٍ عربية دفعت ثمناً باهظاً حين تحوَّلت أوطانها إلى ساحاتٍ لمشروعٍ إيراني عابر للحدود، وحين وضعت طهران ميليشياتها فوق إرادة الدول والشعوب.

في سوريا، لم يكن الإيرانيون مجرَّد حليفٍ سياسي لنظام الأسد البائد، كانوا جزءاً من آلة حربٍ شاركت في قتل السوريين وتهجيرهم، وفي حصار المدن والبلدات واقتحامها وتدميرها، بينما تحوَّلت المساجد والقرى والأحياء إلى ساحاتٍ للصراع على الأرض والهوية.

 وفي اليمن، عاش اليمنيون سنواتٍ طويلة تحت وطأة مشروع مشابه، تمثل بالمليشيات الحوثية التي استولت على مؤسسات الدولة ومساحات واسعة من البلاد، وحوَّلت اليمن إلى منصةٍ لمشروعٍ إقليمي لا يشبه تاريخ اليمن ولا إرادة شعبه.

لكن ما جرى في سوريا غيّر المعادلة، سقوط نظام الأسد وقطع الطريق أمام النفوذ الإيراني شكّلا ضربةً قاسية لمشروع طهران الإقليمي، الذي لطالما سعى إلى وصل حلقاته من العراق إلى سوريا فلبنان، وصولاً إلى اليمن. 

واليوم، حين يتقدَّم الجيش اليمني لاستعادة أرضه، لا تبدو المعركة يمنية فقط، بل تحمل في معناها العربي رسالة واحدة: الأوطان لا تبقى رهينة للمليشيات، والشعوب قادرة على استعادة قرارها مهما طال زمن الاحتلال.

 

حين تتشابه الحكايات

ثمة شيء يتجاوز الجغرافيا في الحكاية اليمنية، شيء يجعل السوري، وهو ينظر إلى اليمن، يشعر أنَّ المشهد مألوف على نحوٍ مؤلم، كأنَّ التاريخ أعاد ترتيب المشهد، وبدّل أسماء المدن والجبال والرايات، لكنَّه أبقى السؤال نفسه معلقاً في الهواء: ماذا يفعل شعب حين يجد وطنه وقد صار جزءاً من مشروع لا يشبهه؟

ربما لهذا تبدو انتصارات اليمنيين اليوم أكبر من مجرَّد تقدم عسكري، إنَّها استعادة تدريجية لفكرة الوطن من بين ركام سنوات طويلة من العبث.

 والوطن، في النهاية، ليس حدوداً مرسومة على الخريطة فحسب، هو أن يعرف الناس أنَّ القرار الذي يحكم حياتهم يخرج من عاصمتهم، لا من غرفة عمليات بعيدة، وأنَّ السلاح الذي يحمله أبناؤهم يحمي بيوتهم، لا يفتح ممراً لمشروعٍ سياسي وعقائدي عابر للحدود.

السوريون يعرفون هذا الشعور جيداً، يعرفون كيف يمكن لدولة أن تفقد شيئاً من روحها حين يصبح الخارج شريكاً في تحديد من يحكم، ومن يقاتل، ومن يبقى، ومن يُهجَّر، ويعرفون أيضاً أن أخطر ما تفعله المشاريع العابرة للحدود ليس احتلال الأرض وحدها، بل إعادة تعريف الإنسان داخل وطنه، تحويل الجار إلى خصم، والحي إلى خندق، والانتماء الوطني إلى تفصيل صغير أمام ولاءات أكبر.

ولهذا فإنَّ النظر إلى اليمن من دمشق ليس نظراً إلى حرب بعيدة، هناك ذاكرة سورية ترى نفسها في وجوه اليمنيين، وترى في مقاومتهم محاولة لاستعادة ما سُلب من السوريين لسنوات: حقهم في أن يكون الوطن وطناً، لا ساحة نفوذ.

قد يختلف اليمن عن سوريا في التفاصيل، لكن الشعوب لا تحتاج دائماً إلى تشابه التفاصيل كي تتعرَّف إلى بعضها، يكفي أن تكون قد ذاقت المرارة ذاتها، وأن تكون قد اكتشفت، بعد سنواتٍ من الألم، أن استعادة الوطن تبدأ من استعادة الإنسان لحقه في تقرير مصيره.

ومن هنا، يصبح الوقوف إلى جانب اليمنيين ليس موقفاً من حرب بعينها، بل موقفاً من مبدأ عربي قديم وبسيط: أن تبقى أوطاننا لأهلها.

الهلال الذي انكسر عند دمشق

كان يُراد للمنطقة أن تُقرأ على هيئة خط طويل من النفوذ، يبدأ من طهران، يمر ببغداد ودمشق، ويصل إلى بيروت، بينما تُضاف صنعاء إلى المشهد بوصفها نقطة أخرى على أطراف هذا الامتداد.

 هكذا لا تعود العواصم أوطاناً مستقلة تماماً في حسابات المشاريع الكبرى، بل تتحوَّل إلى عقدٍ في شبكة واحدة، لكل عقدة فيها وظيفة، ولكل جبهة حساب، ولكل ميليشيا دور.

لكن التاريخ علّمنا أن الخرائط التي ترسمها القوة وحدها لا تعيش طويلاً.

يقول ابن خلدون: “الظلم مؤذن بخراب العمران” ولعلَّ أكثر ما يلفت في هذه العبارة أنَّها لا تتحدَّث عن الظلم بوصفه خطيئة أخلاقية فقط، وإنَّما بوصفه مشروعاً يحمل في داخله بذور سقوطه، فحين يُبنى النفوذ على خوف الناس، وعلى السلاح خارج مؤسسات الدولة، وعلى تحويل الانتماءات إلى أدواتٍ سياسية، قد يبدو البناء صلباً ما دام السلاح في أيدي أصحابه، لكنَّه يصبح هشاً لحظة يستعيد المجتمع ثقته بنفسه، وهذا تحديداً ما حدث في سوريا.

لم تكن معركة ردع العدوان مجرد معركة لتغيير خطوط السيطرة، كانت في جوهرها شيء أكثر أهمية: انهيار الوهم بأنَّ النفوذ المفروض بالقوة يمكن أن يتحول إلى قدر دائم، سنوات طويلة بدا فيها المشهد السوري وكأنَّ إيران قد أحكمت واحدة من أهم حلقات مشروعها الإقليمي، ثمَّ جاءت لحظة واحدة لتقول إنَّ ما يبدو ثابتاً في السياسة قد يكون عابراً في التاريخ.

من دمشق، انفتح الطريق مجدداً أمام فكرة طالما حاولت مشاريع القوة دفنها: أن العواصم العربية ليست جوائز تتقاسمها القوى الإقليمية، وأن الشعوب، مهما تأخرت، قادرة على استعادة المعنى الحقيقي للدولة.

ولذلك، حين يتقدم اليمنيون اليوم، لا أرى في المشهد مجرد جبهة تتقدم وأخرى تتراجع، أراه امتداداً لسؤال سوري لم يُغلق بعد: هل تكون المنطقة مجموعة ساحات مفتوحة أمام المشاريع الخارجية، أم تعود أوطاناً يقرر أهلها مستقبلها؟

وربما لهذا السبب بالذات تبدو صنعاء، وهي تحاول استعادة نفسها، أقرب إلى دمشق ممَّا قد توحي به المسافة بين العاصمتين، فحين تنكسر حلقة من حلقات مشروع كبير، لا يسقط كل المشروع بالضرورة، لكنَّه يفقد شيئاً أخطر من الأرض: إيمانه بأنه لا يُهزم.

وأنا أنظر إلى اليمن اليوم، لا أراه بعيداً عن دمشق. أعرف معنى أن يقاتل شعبٌ كي يستعيد وطنه من مشروع أراد أن يجعله ورقة في حسابات الآخرين، وأعرف أيضاً أنَّ النفوذ مهما طال عمره لا يتحول إلى قدر.

سوريا كسرت حلقةً ظنَّ كثيرون أنَّها لن تنكسر، واليمن اليوم يخوض معركته الخاصة لاستعادة قراره وأرضه. وبين دمشق وصنعاء تبقى الحقيقة واحدة: الأوطان لأهلها، والمليشيات مهما طال بقاؤها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن الدولة.

ولعلَّ أجمل ما يمكن أن نتمناه لليمن أن يأتي اليوم الذي ينظر فيه اليمني إلى بلاده كما ينظر السوري إلى دمشق بعد الخلاص: وطنٌ لا ساحة، ودولةٌ لا ميليشيا، وقرارٌ لا وصاية.

شارك

مقالات ذات صلة