سياسة

مذكرة التفاهم حول حميميم وطرطوس.. إعادة تشكيل للنفوذ الروسي؟

أغسطس 11, 2026

مذكرة التفاهم حول حميميم وطرطوس.. إعادة تشكيل للنفوذ الروسي؟

لا يقتصر اتِّفاق دمشق وموسكو الجديد على تغيير اسم قاعدتين عسكريتين أو إعادة توزيع الصلاحيات داخلهما، وإنَّما يعيد صياغة موقع روسيا في سوريا وشرق المتوسط. فقد أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين السورية في 9 آب/أغسطس 2026 التوصُّل إلى مذكرة تفاهمٍ مع روسيا، بعد مفاوضاتٍ استمرت نحو عام ونصف، تقضي بانتقال إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية، وفي مقدمتها مطار اللاذقية الدولي والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، وتحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل خلال ثلاثة أشهر.

تمثِّل المذكرة إدارة روسية لخسارةٍ استراتيجية؛ إذ تتخلَّى موسكو عن استقلال قواعدها مقابل الاحتفاظ بنفوذٍ مؤسسي واقتصادي محدود. ولفهم حجم التحوُّل هذا، ينبغي العودة إلى الصيغة التي حكمت الوجود الروسي سابقاً، فقد رسَّخت موسكو حضورها في سورية منذ العهد السوفييتي عندما أسست منشأة طرطوس للدعم الفني واللوجستي عام 1971، ثمَّ عزَّزت معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة مع سورية عام 1980 الإطار السياسي والعسكري للعلاقة.

استعادت روسيا بعد عام 2000 قيمة سورية في مشروع العودة الروسية إلى الشرق الأوسط، ووسَّعت التعاون العسكري معها، وأعادت تأهيل منشأة طرطوس تدريجيٍّا، وشطبت عام 2005 قسماً كبيراً من الديون السورية المتراكمة منذ العهد السوفييتي. واستخدمت موسكو بعد عام 2011 حقَّ النقض في مجلس الأمن لحماية نظام الأسد من الضغوط الدولية، ثمَّ انتقلت في أيلول/سبتمبر 2015 من الدعم السياسي والعسكري غير المباشر إلى التدخُّل العسكري المباشر.

ومهَّد اتفاق حميميم الموقع في 26 آب/أغسطس 2015 لهذا التدخُّل، ومنح روسيا حقَّ نشر مجموعةٍ جوية واستخدام المطار والأراضي والمنشآت اللازمة من دون مقابل ومن دون مدةٍ زمنية محدَّدة. وسمح الاتفاق بإدخال الأسلحة والذخائر والمعدات من دون رسوم، ومنح العسكريين الروس وأفراد عائلاتهم حصاناتٍ واسعة، وقيَّد دخول السلطات السورية إلى مناطق انتشارهم. كما حمَّل الجانب السوري مسؤولية حماية محيط القاعدة، بينما احتفظت القيادة الروسية بالسيطرة الداخلية والعملياتية عليها.

كما رسَّخ اتفاق طرطوس الموقع في 18 كانون الثاني/يناير 2017 البعد البحري للوجود الروسي، وسمح لموسكو بتوسيع مركز الدعم الفني واستخدامه مجاناً لمدة 49 عاماً قابلة للتجديد تلقائيًّا لمدة 25 عاماً أخرى. وأجاز الاتفاق استقبال ما يصل إلى 11 سفينة حربية روسية في الوقت نفسه، بما فيها السفن التي تستخدم مفاعلات نووية، ومنح الأفراد والمنشآت والممتلكات الروسية حصانات وامتيازات واسعة.

وبفضل هذه الترتيبات، أدارت موسكو عملياتها الجوية من حميميم، وربطت أسطولها بشرق المتوسط عبر طرطوس، وأمَّنت خطوط حركتها باتجاه ليبيا وإفريقيا. ولم يتوقَّف أثر القاعدتين عند الجانب العسكري، إذ عزَّزتا قدرة روسيا على التأثير في القرار السوري، والتفاوض مع تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة من موقع القوة الموجودة على الأرض.

أمَّا اليوم، فتعيد المذكرة إخضاع هذا الوجود للتفاوض مع الدولة السورية الجديدة، وتنهي، وفق المعلن، نموذج القواعد الروسية المستقلة. ومع ذلك، لا تغادر روسيا سورية، وإنَّما تنتقل إلى صيغةٍ أقل استقلالاً وأكثر ارتباطاً بموافقة دمشق. وهنا يبرز السؤال الذي سيحدِّد مستقبل العلاقة: هل تؤدي مذكرة التفاهم حول حميميم وطرطوس إلى تفكيك النفوذ الروسي في سورية وشرق المتوسط، أم تسمح لموسكو بإعادة إنتاجه بأدوات عسكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية أقل ظهوراً وأكثر قابلية للاستمرار؟

أولاً: نفوذ عسكري أقل استقلالاً وحضور سياسي واجتماعي أضيق

تنطوي مذكرة التفاهم الأخيرة على جملةٍ من التغييرات في طبيعة النفوذ الروسي وحدوده في سورية، فعلى مستوى النفوذ العسكري تنتقل روسيا من إدارة قواعد مستقلة إلى العمل داخل مراكز تدريب مشتركة. ونتيجة لذلك، تفقد موسكو، إذا نُفِّذت المذكرة وفق مضمونها المعلن، حرية تشغيل الطائرات القتالية وتخزين الأسلحة واستقبال السفن وإدارة المنشآت من دون رقابةٍ سورية.

لكنَّ هذا التراجع لا يؤدي بالضرورة إلى نهاية التأثير العسكري الروسي، إذ تتيح مراكز التدريب لموسكو الاحتفاظ بمدربين ومستشارين وفنيين، كما تسمح لها بمواصلة صيانة المعدات الروسية وتأهيل الضباط وتوفير قطع الغيار. إلى جانب ذلك، يمنح اعتماد الجيش السوري على منظومات أسلحة روسية تراكمت خلال عقود موسكو فرصة للتأثير في خيارات التسليح والتدريب والعقيدة العسكرية.

وبذلك، ينتقل النفوذ العسكري الروسي من السيطرة المباشرة والمستقلَّة على مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية إلى تأثيرٍ محتمل على المؤسسة العسكرية السورية. ومن المؤكَّد أنَّ مستوى النفوذ هذا يظلُّ أضعف مقارنة بوجود قواعد عسكرية مستقلة، ولكنَّه قد يستمر لفترةٍ طويلة إذا بقي الجيش السوري محتاجاً إلى الخبرة والتكنولوجيا والسلاح الروسي.

غير أنَّ الحكم النهائي يتوقَّف على التفاصيل التي لم تُعلن بعد. فإذا فقدت روسيا حقَّ الاستخدام المستقل للمدرج والميناء، فسيتحوَّل وجودها إلى مهمةٍ تدريبية محدودة. أمَّا إذا احتفظت بطائراتٍ أو سفن أو منظومات دفاعٍ جويٍّ وحقوق وصول خاصة، فستكون قد غيَّرت الغطاء القانوني لوجودها مع الاحتفاظ ببعض وظائفه.

على المستوى السياسي، ترسِّخ المذكرة تراجعاً بدأ مع سقوط نظام الأسد، حين خسرت موسكو الركيزة التي بنت عليها تدخُّلها منذ عام 2015. لذلك لم يعد بإمكانها الاستمرار بوصفها القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في القرار السياسي السوري. في المقابل، أعادت القيادة السورية الجديدة تعريف العلاقة عندما رفضت استمرار الامتيازات السابقة، لكنَّها لم تتجه إلى طرد روسيا. واستخدمت دمشق التفاوض لاستعادة المنشآت المدنية وإخضاع الوجود العسكري لصيغة مشتركة، بينما أبقت قنوات التعاون مفتوحة. وسمح هذا النهج لسورية باستعادة جزءٍ من سيادتها من دون الدخول في مواجهةٍ مع قوةٍ كبرى تملك أوراقاً عسكرية واقتصادية ودبلوماسية.

بهذه المقاربة، حافظت موسكو على موطئ قدمٍ سياسي داخل سورية، بينما استعادت دمشق قدرتها على تحديد حجم الوجود الروسي ووظيفته. كما استخدمت الدولة السورية العلاقة مع روسيا ضمن سياسةٍ تقوم على تنويع الشركاء بين موسكو وأنقرة والدول العربية والغرب، بما يمنع أيَّ قوةٍ خارجية من احتكار القرار السوري.

مع ذلك، تخفِّض مذكرة التفاهم الأخيرة النفوذ السياسي الروسي في سورية، حيث أصبحت روسيا شريكاً من بين عدة شركاء تتعامل معهم الدولة السورية وفق موازنة المصالح، ولم تعد موسكو قادرةً على استخدام قواعد حميميم وطرطوس لفرض حضورها في كلِّ تسويةٍ سورية أو إقليمية.

إلى جانب البعدين العسكري والسياسي، تمتلك روسيا بعداً اجتماعيًّا في الساحل السوري، إذ يُنظر إليها بوصفها الحليف والحامي لدى فئاتٍ من المجتمع السوري. تعزَّز هذا البعد خلال أحداث الساحل في آذار/مارس 2025، عندما لجأ آلاف المدنيين، ومعظمهم من أبناء الطائفة العلوية، إلى قاعدة حميميم هرباً من أعمال العنف والقتل، وتحوَّلت القاعدة الروسية في حميميم إلى مكان لجوءٍ لآلاف السكان الذين خافوا العودة إلى قراهم.

وقد تحاول موسكو الاحتفاظ بهذه الصورة لتعزيز شرعيتها المحلية، أو لتقديم نفسها وسيطاً بين الدولة وبعض البيئات الاجتماعية القلقة في الساحل. ويمكن أن تتحوَّل هذه العلاقة إلى مصدر توترٍ إذا استخدمتها موسكو لبناء نفوذٍ موازٍ لمؤسسات الدولة. في المقابل، يحدُّ انتقال حميميم إلى صيغةٍ مشتركة من قدرة روسيا على توظيف حضورها بوصفه علاقة حماية مباشرة مع بعض البيئات المحلية، إذ من المحتمل تقليص التواصل الروسي مع الشبكات الاجتماعية السابقة لصالح العلاقة مع المؤسسات الوطنية والمجتمعات المحلية المتعدِّدة عبر التدريبات المشتركة التي تنصُّ عليها المذكرة.

ثانياً: استثمار سوري للمرافق وتعويض اقتصادي روسي

لا تقتصر المذكرة على تقليص النفوذ الروسي، إذ تفتح أيضاً باباً لتحويل منشآت الساحل إلى أدواتٍ للتنمية، فمع انتقال مطار اللاذقية الدولي والرصيف التجاري الرابع إلى الإدارة السورية، تستطيع دمشق إعادة دمجهما في شبكات النقل والسياحة والتجارة.

ويمكن لإعادة تشغيل المطار أن تسهِّل حركة المسافرين ورجال الأعمال، وتدعم الشحن الجوي، وتشجِّع الاستثمار في السياحة والفنادق والخدمات، كما يمكن لربط المطار بميناء طرطوس والطرق والسكك الحديدية أن ينشئ ممراً لوجستياً بحريًّاجويًّابريًّا يخدم المحافظات السورية والأسواق المجاورة.

وفوق ذلك، تستعيد الدولة السورية عبر الإدارة المدنية الرسوم والجمارك والعوائد، وتستعيد الرقابة على حركة الطائرات والسفن والبضائع. وهكذا يتحوَّل استرداد المنشآت من خطوةٍ سيادية إلى فرصةٍ اقتصادية، شريطة ألا يقتصر تشغيل المطار على رحلاتٍ محدودة، وألا يقتصر استخدام الرصيف على استيراد السلع.

في الجهة المقابلة، تستطيع روسيا تعويض جزءٍ من خسارتها عبر التجارة والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية. ويمكن لموسكو تشغيل خطوط شحن بين الموانئ الروسية وطرطوس، وتصدير الحبوب والمشتقات النفطية والأسمدة والمعادن، والمنافسة على عقود الصيانة والتخزين والتدريب الفني.

من هذا المنظور، قد يتحوَّل الساحل من قاعدة روسية للانتشار العسكري إلى بوابةٍ للتجارة الروسية، لكن دمشق ستدير هذه البوابة وتحدِّد شروط استخدامها. لذلك ستعتمد قدرة موسكو على البقاء الاقتصادي على جودة عروضها وقدرتها على المنافسة، وليس على الامتيازات السيادية السابقة.

ثالثاً: تراجع روسي يعيد توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية

لا يقتصر أثر مذكِّرة التفاهم على البيئة السورية الداخلية، وإنَّما يمتدُّ إلى توزيع القوة بين الفاعلين الدوليين والإقليميين في سورية والشرق الأوسط. فقد منحت قاعدتا حميميم وطرطوس روسيا طوال العقد السابق قدرة على التأثير في المجال العسكري السوري، وموازنة الحضورين الأمريكي والتركي، والتنسيق مع إسرائيل، وربط سورية بانتشارها في المتوسط وإفريقيا. ولذلك يؤدي تقليص استقلال القاعدتين إلى إضعاف أحد أهمِّ مرتكزات القوة الروسية في المنطقة.

ومع ذلك، لا ينتقل النفوذ الذي تخسره موسكو تلقائيًّا إلى دولةٍ واحدة. فمن منظور توازن القوى، تفتح المذكرة المجال أمام توزيع أكثر تعدُّداً للأدوار بين الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وإسرائيل، بينما تحاول روسيا حماية الحدِّ الأدنى من حضورها العسكري والسياسي والاقتصادي.

تستفيد الولايات المتحدة أولاً من تراجع قدرة موسكو على تشغيل قواعد مستقلة في سورية، فقد كانت واشنطن تنظر إلى حميميم وطرطوس بوصفهما جزءاً من البنية العسكرية الروسية الممتدة من البحر الأسود إلى شرق المتوسط وإفريقيا. ويخفِّض تحويلهما إلى مراكز تدريب مشتركة قدرة روسيا على منافسة الوجود الأميركي، كما يمنح واشنطن مجالاً أوسع للتأثير في الترتيبات الأمنية السورية، وفي العلاقة بين دمشق وإسرائيل، وفي خيارات الطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار. وبذلك تنتقل المنافسة الأميركيةالروسية من مواجهة بين انتشارين عسكريين إلى منافسة على التسليح والطاقة والعقود والوساطات السياسية.

من جهةٍ أخرى، يمكن لتركيا ترسيخ مكسبها الاستراتيجي عقب سقوط نظام الأسد، لأنَّ تراجع القواعد الروسية يحدُّ من وجود قوةٍ عسكرية منافسة في جوارها الجنوبي. كما يوسِّع قدرة أنقرة على التأثير في بناء المؤسسة العسكرية السورية، والتعاون الأمني والدفاعي مع دمشق، وربط سورية بالمجال الاقتصادي واللوجستي التركي.

كما تؤثِّر المذكِّرة على الدور الروسي في ضبط العلاقة بين سورية وإسرائيل، فقد أدارت موسكو خلال عهد الأسد علاقةً مزدوجة، إذ دعمت الجيش السوري من جهة، وأنشأت مع إسرائيل آليةً لمنع الاحتكاك العسكري من جهة أخرى. ومن خلال هذه الآلية، نسَّقت حركة الطائرات، ونقلت الرسائل الأمنية، وسعت في بعض المراحل إلى إبعاد القوات الإيرانية عن مناطق قريبة من الجولان.

ومع ذلك، لم تعمل روسيا وسيطاً محايداً أو حصريًّا، وإنَّما أدَّت دور ضابط ميداني للتصعيد بحكم وجودها العسكري وعلاقاتها بالطرفين. فلم تمنع الضربات الإسرائيلية داخل سورية، كما لم تنتج تسويةً سياسية دائمة.

ومع تقلُّص حضورها في حميميم وطرطوس، يترسَّخ تراجع قدرة روسيا على أداء هذه الأدوار. في الوقت نفسه، تنتقل الوساطة الرسمية إلى الولايات المتحدة، التي رعت خلال عام 2026 محادثاتٍ أمنية سوريةإسرائيلية، وأسهمت في إنشاء آلية اتِّصالٍ بين الطرفين.

ولا توفِّر الصيغة الجديدة لموسكو الأدوات الميدانية التي كانت تستند إليها في ضبط التصعيد، لذلك يرجَّح أن تحتفظ واشنطن بالدور الرئيسي في الوساطة، بحكم نفوذها على إسرائيل وقدرتها على تقديم ضماناتٍ وحوافز للطرفين. ومع ذلك، قد تحتفظ روسيا بدورٍ ثانوي إذا شاركت في تدريب الجيش السوري أو  تطوير الدفاع الجوي أو نقل الرسائل الأمنية.

وتراقب إسرائيل، في هذا السياق، مضمون مراكز التدريب الروسية، وخصوصاً احتمال تزويد سورية بمنظومات دفاعٍ جوي أو تدريبها على تشغيلها. وهكذا تواجه موسكو معادلةً دقيقة: تحتاج إلى تقديم قيمةٍ عسكرية لدمشق كي تحافظ على نفوذها، لكنَّها تحتاج أيضاً إلى تجنُّب مواجهةٍ مع إسرائيل قد تهدِّد وجودها المتبقِّي.

في المحصِّلة، لا تؤدي المذكرة إلى استبدال هيمنةٍ روسية بهيمنةٍ خارجية واحدة، وإنَّما تنقل سورية إلى ساحة توازنٍ أكثر تعدُّداً. وتتراجع موسكو من موقع القوة الخارجية الأقدر على فرض الوقائع إلى موقع فاعلٍ يحتاج إلى التفاوض مع دمشق ومنافسة الولايات المتحدة وتركيا والسعودية على الوظائف والنفوذ.

ويظهر حجم هذا التراجع بصورة أوضح في المتوسط. فقد شكَّلت طرطوس منشأة الصيانة والإمداد البحرية الروسية الوحيدة في المنطقة، بينما خدمت حميميم حركة القوات والمعدات باتجاه ليبيا وإفريقيا. وإذا فقدت موسكو حقَّ الاستخدام المستقل، فستنتقل من امتلاك قاعدةٍ مضمونة إلى الحصول على وصولٍ مشروط يحتاج إلى موافقةٍ سورية.

ولا يعني ذلك خروج روسيا من المتوسط، لكنَّه يعني ارتفاع كُلفة وجودها وتراجع قدرتها على الحركة وإسقاط القوة. وقد تستمر السفن الروسية في زيارة طرطوس، وقد تحصل على خدماتٍ لوجستية وتجارية، لكنَّها لن تتمتع بالحرية التي وفَّرتها الاتفاقات السابقة. وهنا يظهر التحوُّل الحقيقي: تحتفظ روسيا بموطئ قدم، لكنَّها تفقد القدرة على استخدامه بوصفه قاعدة مستقلة لإدارة نفوذها الإقليمي.

رابعاً: إدارة الخسارة والانتقال إلى نفوذ مشروط

لا تنهي مذكرة حميميم وطرطوس النفوذ الروسي في سورية، لكنَّها تنهي، وفق المعلن، صيغته القائمة على القواعد المستقلَّة والامتيازات المفتوحة. وبدلاً من ذلك، تنتقل موسكو إلى نفوذٍ مركَّب يعتمد على التدريب والتسليح والعلاقات السياسية والمصالح الاقتصادية والوصول البحري المشروط.

وفي المقابل، تستعيد سورية جزءاً مهمًّا من سيادتها، وتعيد المنشآت المدنية إلى إدارتها، وتستخدم علاقتها مع روسيا ضمن سياسة تنويع الشركاء. ولذلك لا تمثِّل المذكرة انتصاراً روسيًّا، كما لا تمثِّل انسحاباً كاملاً، وإنَّما تمثِّل تسويةً تدير من خلالها موسكو خسارتها وتحاول دمشق توسيع استقلالها.

وسيكشف التنفيذ خلال الأشهر المقبلة اتِّجاه هذه التسوية، فإذا نجحت روسيا في تحويل خسارة القواعد إلى حضورٍ مؤسسي واقتصادي مقبول سوريًّا، فستبقى فاعلاً مهمًّا من بين عدَّة فاعلين. أمَّا إذا فقدت وظائف حميميم وطرطوس من دون بناء أدواتٍ بديلة، فستصبح المذكرة نقطة بدايةٍ لتراجع دورها في سورية وشرق المتوسط.

شارك

مقالات ذات صلة