فكر

رائد الفارس.. مهندس “ضمير الثورة” بلافتات كفرنبل

أغسطس 16, 2026

رائد الفارس.. مهندس “ضمير الثورة” بلافتات كفرنبل

علي البرغوث

في خضم النزاعات الجيوسياسية المعقَّدة والتحوُّلات الميدانية المتسارعة، نادراً ما تنجح منصة مدنية ناشئة ومحدودة الموارد في تصدُّر واجهات كبرى الصحف العالمية ومراكز القرار الدبلوماسي الدولي، كما فعل الناشط والمفكِّر المدني السوري رائد الفارس (1972 – 2018). لم يكن الفارس مجرَّد موثقٍ ينقل وقائع الحرب والدمار، بل كان العقل الاستراتيجي والروح المبتكرة التي حوَّلت بلدة “كفرنبل” في ريف إدلب الجنوبي إلى عاصمةٍ رمزية للمقاومة السلمية والنقد السياسي الذكي.

شيَّد الفارس عبر سنواتٍ من العمل الدؤوب منظومةً إعلامية وتنموية مستقلَّة خاضت مواجهةً مزدوجة وشرسة: فكَّكت الرواية العسكرية والاستبدادية من جهة، وتصدَّت بحزمٍ للمشاريع الظلامية والتنظيمات المتشددة التي سعت لمصادرة الحريات وتدجين المجتمع من جهة أخرى، ليدفع حياته ثمناً للتمسُّك باستقلالية الكلمة وحرية الإنسان السوري.

هندسة الخطاب البصري: لافتات كفرنبل من الداخل السوري إلى المنابر العالمية

وُلد رائد الفارس عام 1972 في بلدة كفرنبل بمحافظة إدلب، ونشأ في بيئةٍ ريفية واعية، والتحق بجامعة حلب حيث درس في كلية الهندسة الميكانيكية وتخصَّص أيضاً في إدارة الأعمال، قبل أن يتفرَّغ للنشاط العام والعمل المجتمعي. مع اندلاع الانتفاضة الشعبية في آذار/ مارس 2011، كان من أوائل الذين قادوا التظاهرات السلمية، لكنَّه استشعر مبكراً قصور الشعارات الحماسية التقليدية عن كسر جدار الصمت واختراق التعتيم وازدواجية المعايير الدولية. من هنا، ابتكر الفارس فلسفةً اتصالية فريدة عُرفت بـ “اللافتة المكثَّفة”، حيث تعاون مع رفيقه الفنان التشكيلي أحمد جلل وفريقٍ من نشطاء البلدة، لصياغة لوحاتٍ أسبوعية تجمع بين الرسم الكاريكاتوري الساخر والرسائل السياسية باللغتين العربية والإنكليزية.

تحوَّلت لافتات كفرنبل إلى مادةٍ مرجعية تتناقلها كبرى وكالات الأنباء والصحف العالمية، مثل “رويترز”، “أسوشيتد برس”، “نيويورك تايمز”، “واشنطن بوست”، و”الغارديان”. تناولت اللافتات بجرأةٍ نادرة تفكيك استخدام الفيتو المتكرِّر في مجلس الأمن، وفضح التخاذل الدولي حيال استخدام الأسلحة المحرَّمة والكيماوية، وتعرية القصف الممنهج للمشافي والمدارس، إلى جانب توجيه نقدٍ موضوعي ولاذع لأخطاء قوى المعارضة وارتهاناتها السياسية. هذا النموذج جعل من كفرنبل منصةً تخاطب الشعوب والمؤسسات الدولية بلغتها وثقافتها البصرية، مجرِّداً الحراك السوري من محاولات التشويه، ومؤكِّداً على جوهره كحراكٍ مدني حضاري يطالب بالديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية.

“الثورة بالنسبة لنا لم تكن يوماً مجرد بندقية أو سعي لإسقاط سلطة لنستبدلها بسلطة قمعية أخرى؛ بل هي مسار شاق لبناء مجتمع حر، واعٍ، يمتلك أدوات التعبير والمحاسبة، ويرفض كل أشكال الاستبداد مهما ارتدت من عباءات.”

رائد الفارس في كلمته أمام “منتدى أوسلو للحرية” عام 2017.

بناء المؤسسات المجتمعية: إذاعة “فرش” والمراكز البديلة في وجه التطرف الأيديولوجي

لم يحصر الفارس جهوده في الإطار التعبيري الرمزي، بل آمن بأنَّ حماية المجتمع من الانهيار تتطلَّب بناء مؤسساتٍ حقيقية ومستدامة تدير الفراغ الخدمي والفكري. أسَّس تحت مظلَّة “اتحاد المكاتب الثورية” (URB) شبكة متكاملة شملت مراكز للتدريب المهني، ورياضاً للأطفال، ومؤسساتٍ تعليمية ونفسية لحماية الأجيال الناشئة من التجنيد القسري في التشكيلات المسلحة. وتوَّج هذا المسار في عام 2013 بإطلاق مشروعه الإعلامي الأبرز “راديو فرش”، كمنبرٍ إذاعي مجتمعي مستقل يبث عبر موجات الـ FM ليغطِّي مساحاتٍ واسعة في أرياف إدلب وحلب وحماة، مقدِّماً برامج توعوية وثقافية تركِّز على حقوق الإنسان، والمواطنة، وتعزيز دور المرأة في الشأن العام.

تعرَّض الفارس ومؤسساته لحملات تضييقٍ ممنهجة شملت مداهمة مكاتب الإذاعة، ومصادرة أجهزة البث، ومحاولات فرض الرقابة المشدَّدة وحظر بث الموسيقى أو ظهور الأصوات النسائية عبر الأثير. واجه الفارس تلك القيود بتكتيكاتٍ إبداعية ساخرة، كاستبدال الفواصل الموسيقية بمؤثرات أصوات الطيور والرياح وخرير المياه، واستخدام برامج تعديل النغمات لتمرير التقارير النسائية دون خضوعٍ لشروط المتشدِّدين. ورغم اعتقاله وتعذيبه، ونجاته بأعجوبة عام 2014 من محاولة اغتيال بأعيرةٍ نارية تركت جراحاً عميقة في جسده، رفض كلَّ العروض والضمانات للجوء خارج سوريا، مؤكِّداً أنَّ بقاء الصوت المدني في الداخل هو خطُّ الدفاع الحقيقي والوحيد لمنع عسكرة المجتمع وسقوطه في مستنقع الظلامية.

كمين التصفية في تشرين الثاني 2018 والخلود كأيقونة للحراك المدني المستقل

في صبيحة يوم الجمعة 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، نصبت مجموعة مسلَّحة ملثَّمة كميناً محكماً لسيارته في أحد شوارع بلدة كفرنبل، وأمطرتها بوابلٍ كثيف من الرصاص الحي من مسافةٍ قريبة، ممَّا أدَّى إلى استشهاد رائد الفارس على الفور برفقة زميله المصوِّر والناشط الإعلامي حمود جنيد.

أثار نبأ الاغتيال موجةَ تنديدٍ وغضب واسعة بين المنظَّمات الحقوقية، والنقابات الصحفية، والهيئات الدولية، التي أجمعت على أنَّ استهدافه كان محاولةً مباشرة لكسر الصوت الأكثر استقلالية وشجاعة.

تكمُن القيمة التاريخية لرائد الفارس في تأسيسه مدرسةً نضالية فريدة راهنت على الوعي والعقل الجمعي؛ حيث واجه الاستبداد السياسي والعنف الأيديولوجي في آنٍ واحد دون مساومةٍ أو ارتهان، ليظلَّ اسمه، ولافتات كفرنبل، وأثير إذاعته شاهداً حيًّا على إرادة شعبٍ سعى لانتزاع كرامته وحريته بالصوت والفكرة والعمل المؤسساتي الحر.

شارك

مقالات ذات صلة