تأملات
لمَّا اِشتكى أبو طالبٍ من مرضِه الذي ماتَ فيه،
قالتْ له قريش: يا أبا طالبٍ، أَرسِلْ إلى ابنِ أخيك،
يرسِلُ لكَ من هذه الجنّة التي يذكرها، فيكون لك شِفاءً!
فأرسَلُوا رجلاً منهم حتى لقيَ النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ معه،
فقال له: يا محمَّد، إن عمّكَ يقولُ: إنَي ضعيف سقيم،
فارسِلْ إليَّ من الجنّة التي تذكرُ من طعامها وشرابِها يكون لي شفاءً!
فلم يقُلْ النبيُّ ﷺ شيئاً…
وقال أبو بكرٍ: إنَّ الله حرَّمها على الكافرين!
فرجعَ الرَّجلُ إليهم وقال:
بلَّغتُ محمداً الذي أرسلتمُوني به، فلم يقُلْ شيئاً!
وقال أبو بكرٍ: إنَّ الله حرَّمها على الكافرين!
فجعلُوا يوغِرُون صدرَ أبي طالبٍ على النبيِّ ﷺ،
فأرسلَ أبو طالبٍ رجلاً من عنده يسألُ النبيَّ ﷺ مسألتَه الأولى،
فقال له النبيُّ ﷺ: إنّ الله حرمَّها على الكافرين!
ثم قام ودخلَ على أبي طالب، فوجد البيت مملوءاً رجالاً،
فقال: خلُّوا بينِي وبين عمّي،
فقالوا: ما نحن بفاعلين، ما أنتَ بأحقَّ به مِنَّا!
إنْ كانت لكَ معه قرابة، فلنا معه مثل قرابتكّ!
فجلسَ النبيُّ ﷺ بجوار عمِّه وقال له:
يا عَمّ: جُزيتَ عنيِّ خيراً، كفِلتنِي صغيراً وحُطَّتنِي كبيراً،
يا عَمّ: أعنيِّ على نفسك بكلمة واحدة أشفع لكَ بها عند الله!
فقال أبو طالبٍ: وما هي يا ابن أخي؟
قال: قُلْ: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له!
فقال أبو طالب: إنكَ لي ناصح، ولولا أن تُعيّرني قريش،
فتقول: جَزِعَ عمُّكَ عند الموت، لأقررتُ بها عينك،
فصاح القوم: يا أبا طالبٍ، أنتَ رأس الحنِيفيّة، مِلَّةُ الأشياخ!
فقال له النبيُّ ﷺ: لا أزال أستغفرُ لك ربي حتى يرُدّني،
فجعلَ النبيُّ ﷺ يستغفِر له بعد أن مات،
فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا، ولذوي قرابتنا،
قد استغفرَ إبراهيمُ عليه السَّلام لأبيه،
وها هو النبيُّ ﷺ يستغفرُ لعمِّه،
فجعلُوا يستغفرون لمن ماتَ من آبائهم على الشِّركِ،
فأنزلَ اللهُ تعالى قوله: “مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ”
الدَّرسُ الأوّل:
هذا شأنُ أهلِ الضَّلال دوماً على مرِّ العُصور: الاستهزاء!
وما أرسلَ صناديدُ قريشٍ في طلب شيءٍ من الجنّة لأبي طالب إلا استهزاءً،
كأنّها سُنة من سُنن الحياةِ على ظهر هذا الكوكب،
أنْ يأخذَ المؤمنُ أمر اللهِ بالتسليم،
ويأخذ الضَّالُ المؤمنَ بالاستهزاء!
عندما أمرَ اللهُ تعالى نوحاً عليه السَلام أن يصنع الفلك،
لم يقُلْ: يا رب. وما تفعلُ سفينةٌ في الصَّحراء!
وإنّما قام من فورِه ينشرُ الألواح ويدقُّ المسامير،
الملائكة يُرشدُونَه، والمؤمنون القلَّة معه يساعدونه،
في مشهد مهيب من التسليم: “وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا”
وكان قومُه كلما مرُّوا به سخِرُوا منه،
لم يُدرِكُوا إلا حين جاءَ الطُّوفان!
كان الوقتُ قد فاتَ لينفعهم إدراكهم هذا،
لأنَّ الطُّوفان كان انتقام اللهِ سبحانه!
واُنظُرْ الآن حولكَ، أما ترى شيئاً من هذه السُّخرية،
أما ترى كيف يتطاولُ الإعلامُ الخبيث على أهل هذا الدِّين،
ألا تُنعتُ المحجبةُ بالمنغلقةِ والجاهلة بالموضة،
ألا يُنعتُ الملتزمُ بالمعقَّد وبالحيِّ على هامش الحياة،
ألا يُنعتُ رواد المساجد بالإرهاب،
فإذا جاء الحج قال أهل الباطل الطَّواف بالفقراء أفضل،
ولقمة في بطن جائعٍ خير من بناء ألف جامع!
وإذا ما جاء “الكريسماس” زيّنُوا له واحتفلوا به، ونسُوا الفقراء،
يسخرون من العُمرة بعد العمرة،
وهم من سفرٍ إلى سفرٍ،
وإذا ما اجتمع الناس حول داعيةٍ قالُوا: تجمُّعٌ لا طائلَ منه،
وإذا أُقيمت حفلة ٌلمغنٍّ أو مغنية، اجتمعوا عن بكرة أبيهم!
سُنّة ماضية، وطريقة سائرة، والحمدُ للهِ على نعمة يوم القيامة!
الدَّرسُ الثّاني:
الوفاءُ من شِيَمِ النُّبلاء وقد كان النبيُّ ﷺ أوفَى الناس،
اُنظرْ إليه كيف يذكرُ فضلَ عمِّه عليه،
يعترفُ له أنّه ربّاه صغيراً، ودافعَ عنه وحمَاه كبيراً،
لم يمنعه أنْ خالفه عمُّه في الديِّن أن يعترفَ بصنيعه معه في الدُّنيا،
وعلى هذا كانتْ كلُّ أيامه يفوحُ منها الوفاء فوحاً،
أرسلَ مسيلمةُ الكذَّابُ إلى النبيِّ ﷺ رسولين برسَالة،
فلما قرأ فيها ادَّعاءَ مُسيلمة الكذَّاب للنُّبوة،
قال للرسولين: ما تقولان أنتُما؟
فقالا: نقولُ كما قال!
فقال لهما: أما واللهِ لولا أنَّ الرُّسلَ لا تُقتل لضربتُ أعناقكما،
هكذا جرَت العَادةُ والعُرفُ بين الملوك والزعُّماء،
أنَّ الرُّسل بينهم لا تُقتل مهما كان مضمون الرِّسالة التي يحملونها،
عُرفٌ “دبلوماسيّ” سائد أوفى به سيد الأوفياء!
ولم ينسَ النبيُّ ﷺ لمطعم بن عدي معروفه معه،
ولو كان حيّاً يوم أسرى بدر وطلبَ منه أن يُحررهم لفعلَ،
يحفظُ معروف رجلٍ مشركٍ في قومٍ مشركين جاؤوا لقتاله!
وأرسلت قريشٌ أبا رافعٍ موفداً لها للنبي صلى الله عليه وسلم،
وأراد أن يبقى بالمدينة المنورة ويُسلم،
فلم يقبل النبيُّ ﷺ هذا وقال له:
إني لا أخيسُ بالعهد، ولا أحبسُ البُرْد / الرُّسُل،
ولكن اِرجعْ إلى قومكَ،
فإن كان في نفسكَ الذي فيها الآن فارجعْ!
رغم أنَّ أبا رافعٍ أراد أن يُسلم طَوعاً ويبقى في المدينة،
الا أنَّ النبيَّ ﷺ رفضَ هذا،
لأن الرَّسول يجب أن يرجعَ بالرِّسالة،
واعتبرَ أن بقاءه حبسٌ له ولو كان برغبتِه!
وكان من شروط صُلح الحديبية،
أنَّ من جاء من قريش مسلماً فعليهم ردُّه إلى أهله،
وما إنّ تمَّ توقيع الصلح حتى وصل أبو جندل مسلماً،
فسلّمه النبيُّ ﷺ لأبيه سهيل بن عمرو!
وعن حذيفة بن اليمان قال:
ما منعني أن أشهدَ بدراً إلا أني خرجتُ أنا وأبي حسيل،
فأخذنا الكفار فقالوا: إنكم تريدون محمداً!
فقلنا: ما نريده، إنما نريدُ المدينة!
فأخذوا منا عهداً أن ننصرف إلى المدينة ولا نُقاتل معه!
فأتينا النبيَّ ﷺ فأخبرناه بالخبر،
فقال: اِنصرِفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعينُ الله عليهم!
يا للوفاء يا رسول الله، يا للوفاء!
كان بإمكانه أن يعتبرَ أن هذا العهد من خِداع الأعداء،
وخداع العدو المشرك جائز بلا خلاف،
وهو على وشك حرب وأحوج ما يكون إلى جنديٍّ،
ولكنه رفض نصراً ملوثاً بعهد مخلوف!
فإذا كان هذا وفاؤُه لأعدائه فكيف تُراه كان وفاؤُه لأحبابه؟!
الدَّرسُ الثّالث:
شأنُ أهلِ الباطلِ أن يُزيّنوه للناس،
واُنظرُ لقريشٍ كيف تُزين لأبي طالبٍ الباطل الذي هو!
يا أبا طالبٍ أنتَ رأسُ الحنيفية ملَّة الأشياخ،
وما هي إلا جاهلية وشرك،
ولكن من طرقهم المعهودة أن يُغيروا الأسماء لتصبح مقبولة!
وهذه طريقة سيدهم إبليس التي انتهجها مع آدم عليه السَّلام،
“قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ”
فإنّ الخمر سمُّوه مشروبات روحيَّة ليسَّوقوه،
وإنّ الرِّبا أسموها فائدة ليروِّجوها،
وإنَّ الشُّذوذ أسموه مثليّة ليرغِّبُوا فيه،
سمُّوا الدَّياثَة اِنفتاحاً لتصيرَ مقبولة،
وسمُّوا الزِّنى علاقةً عاطفية ليصير مرغوباً،
وسمُّوا التبرج موضةً ليصيرَ مطلوباً،
فتعالوا نقلِبُ الطَّاولة عليهم ونُسمّي الأشياء بمسمياتها،
دعونا لا نُجمِّل الحرام ولا نُميِّع الحلال!
الدَّرسُ الرّابع:
وصلَ الآن بنا المطاف إلى نقطةٍ تتجدد كل فترة،
فلا يكاد يخلو عام إلا ويموتُ فيه عالمٌ
قد أسدى للبشريَّة خدماتٍ جليلة
في الطب أو الهندسة وهو على غير ملة الإسلام،
عندها تجد بعض المسلمين ممن يخلطون بين الرحمة الإنسانية، وبين تمام العقيدة،
يُدلون بدلوهم، ويُرسلون الرَّجل إلى الجنَّة كأن بأيديهم مفاتيحها،
ويقولُ لك أحدهم: كيف يُعذِّب اللهُ أحداً اخترعَ دواءً وخفَّفَ آلامَ النَّاس،
كيف سيدخلُ أديسون النار وقد أضاء لنا كوكب الأرض بالكهرباء،
وكأنّ مفتاح الجنَّة أن تخترعَ دواءً أو مصباحاً.
وعلى المقلب الآخر تجد قسماً آخر من المسلمين،
يقطع لهذا العالم الذي ماتَ على غير الإسلام بالنَّار،
كأنهم يحملُون مفاتيحها أيضاً.
وكلاهما على خطأ وإن كان خطأ الفئة الثَّانية أيسر من خطأ الفئة الأولى!
نحترمُ العلم والعلماء، ونقدِّرُ خدماتهم الجلية في سبيل الإنسانيّة،
ولكن هذا شيء والجنّة والنّار شيء آخر!
دفاع أبي طالبٍ عن النبيّ ﷺ أهمّ من اختراع دواء ومصباح.
ولكن هذا الدّفاع لم يُسعفه لأنه ماتَ على الشِّرك!
هكذا يجب أن يُنظر إلى الأمر بعقيدة لا بعاطفة،
مع إيمان ثابتِ أنه لا أحد أعدل وأرحم من الله!
بالمقابل، قلّة أدب مع الله أن نقطع بالنار لشخص بعينه،
وإنما نقول بالجملة:
أنه من ماتَ على غير الإسلام بعد أن سمعَ به ووصله فرفضه دخلَ النارَ،
مع إيمان راسخ أن الأمر لله أولاً وآخراً إن شاء عذَّبَ وإن شاءَ غفرَ.
لن يُسأل الناس في قبورهم عن الكهرباء التي اخترعوها،
ولا الأدوية التي صنعوها، ولا الجسور التي أقاموها،
وإنّما هي العقيدة أوّلاً وأخيراً.
فلا نخلط بين مسلمات ديننا، وبين إنسانيتنا وشفقتنا على الآخرين وتقديرنا لجهودهم،
ونتأدب مع الله فلا نقطع بالنار لأحد بعينه،
وإنما بعموم الثابت في ديننا، وبصريح قول ربنا:
“وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.