تأملات
يقولُ الحارثُ بن ضِرارٍ الخُزاعيِّ: قدمتُ على رسولِ اللهِ ﷺ،
فدعاني إلى الإسلامِ فدخلتُ فيه وأقررتُ به،
فدعاني إلى الزَّكاةِ فأقررتُ بها،
وقلتُ: يا رسولَ اللهِ أرجعُ إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلامِ وأداءِ الزكاةِ،
فمن استجابَ لي جمعتُ زكاتَهُ،
ثمَّ يُرسلُ إليَّ رسولُ اللهِ ﷺ وقتَ كذا وكذا ليأتيكَ بما جمعتُ من الزكاةِ.
فلمَّا جمعَ الحارثُ الزكاةَ ممَّن استجابَ له،
وبلغَ الوقتُ الذي أرادَ رسولُ اللهِ ﷺ أن يبعثَ إليه،
أبطأ عليهِ الرسولُ فلم يأتِهِ،
فظنَّ الحارثُ أنَّه قد حدثَ فيه سخطةٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ ورسولِهُ،
فدَعَا وجهاء قومِهِ فقال لهم: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ،
كان وَقَّتَ لي وقتًا يُرسلُ إليَّ رسولَهُ ليَقبضَ ما كان عندي من الزكاةِ،
وليس من رسولِ اللهِ ﷺ الخُلْفُ،
ولا أرَى حَبْسَ رسولِه إلا من سخطةٍ كانت!
فانطَلِقوا فنأْتِي رسولَ اللهِ ﷺ،
وبعثَ رسولُ اللهِ ﷺ الوليدَ بنَ عقبةَ إلى الحارثِ ليَقبضَ ما كان عندَهُ ممَّا جمعَ من الزكاة،
فلمَّا أن سارَ الوليدُ حتى بلغَ بعضَ الطريقِ خافَ فرجعَ،
وأَتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقال يا رسولَ اللهِ:
إنَّ الحارثَ منعني الزكاةَ وأرادَ قَتْلِي!
فجهَّزَ رسولُ اللهِ ﷺ جيشاً إلى الحارثِ!
فأَقْبَلَ الحارثُ بأصحابِه حتى إذا استقبلَ الجيش،
فقال لهم: إلى من بُعِثْتُمْ؟
قالوا: إليكَ!
قال: ولِمَ؟
قالوا إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان بعثَ إليكَ الوليدَ بنَ عقبةَ،
فزعمَ أنَّكَ منعتَهُ الزكاةَ وأردتَ قتلَه!
قال: لا والذي بعثَ محمدًا بالحقِّ ما رأيتهُ ولا أتاني!
فلمَّا دخلَ الحارثُ على رسولِ اللهِ ﷺ قال له: منعتَ الزكاةَ وأردتَ قتلَ رسولي!
قال: لا والذي بعثكَ بالحقِّ ما رأيتهُ ولا أتاني،
وما أقبلتُ إلا حين احْتُبِسَ عليَّ رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ،
خشيتُ أن تكونَ كانت سخطةً من اللهِ عزَّ وجلَّ ورسولِهُ،
وأنزل الله تعالى قوله تصديقاً للحارث، وتقريعاً للوليد:
“يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”
الدَّرسُ الأوّل:
درسٌ عظيم مفاده أنَّ لا أحد يعلم الغيبَ إلا الله،
والنبيُّ ﷺ في شأن الغيب كغيره من النَّاسِ،
ولم يكن يعرفُ منه إلا ما أطلعه الله تعالى عليه،
سواءً تعلَّقَ هذا الغيب بما لم يقع بعد،
كعلامات السَّاعة، وخروج الدَّجال، والدَّابة، والشَّمس من مغربها،
وأهوال يوم القيامة، وأحوال النَّاس فيها،
وعيِّناتٍ من أهل الجنَّة، ومن أهل النَّار،
فكُلُّ هذا ممَّا سيقعُ حتماً لا نشُكُّ بهذا ولا نرتاب،
ولكن النَّار الآن خالية من أهلها، والجنَّة كذلك،
وإنَّما دخولهما بعد حساب الله تعالى للخلائق!
ومن الغيب الذي يخفى على النبيِّ ﷺ،
هي الأمور التي حدثتْ فعلاً وصارتْ ماضياً،
فلم يشهدها بنفسه، ولم يأتِه وحيُّ بها،
وكلُّ ما كان يُخبرُ عنه النبيُّ ﷺ ممَّا وقع،
إنَّما كان يعرفه بالوحي الذي ينزلُ عليه،
وليس بقدراتٍ خارقة كانت له، ولا باستطاعته معرفة الغيب،
الغيب شأن الله تعالى وحده، يكشفُ منه سبحانه لنبيِّه وفق حكمةٍ قضاها!
من أمثلة هذا، والأمثلة في هذا كثيرة،
جلس عُمير بن وهب الجُمحي مع صفوان بن أُمية بن خلف،
بعد مصاب أهل بدرٍ من قريش في الحِجْر بِيَسِيرٍ،
كانَ عُميرُ بْنُ وَهْبٍ شيطانًا مِن شياطينِ قُريشٍ،
وَمِمَّن كان يُؤذي رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه،
ويَلْقَوْنَ منه عناءً وهو بمكَّة، وكان ابنُه وَهْبُ بنُ عُميرٍ في أُسارى بدرٍ.
فذكر أصحابَ القليب ومصرعَهم،
فقال صفوانُ: واللهِ إنَّ في العيشِ بعدَهم خيرٌ!
قال له عُميرٌ: صدقتَ واللهِ،
أما واللهِ لولا دَيْنٌ عليَّ ليس له عندي قضاءٌ،
وعيالٌ أخشى عليهم الضيعةَ بعدي،
لركبتُ إلى محمدٍ حتى أقتُلَه،
فإنَّ لي قِبَلَهم علَّةً: ابني أسيرٌ في أيديهم!
فاغتنمها صفوانُ وقال: عليَّ دَيْنُك، أنا أقضيه عنك،
وعيالُك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيءٌ ويعجزُ عنهم،
فقال له عُميرٌ: فاكتم شأني وشأنك!
قال: أفعل.
ثمَّ أمر عُميرٌ بسيفِه، فشُحذ له وسُمَّ،
ثمَّ انطلق حتى قدم المدينةَ،
فبينما عُمَرُ بنُ الخطابِ في نفرٍ من المسلمين يتحدثون عن يومِ بدرٍ،
ويذكرون ما أكرمهم اللهُ به، وما أراهم من عدوِّهم،
إذ نظر عُمَرُ إلى عُميرِ بنِ وَهْبٍ حين أناخ على بابِ المسجدِ متوشحًا السيفَ،
فقال: هذا الكلبُ عدوُّ اللهِ عُميرُ بنُ وَهْبٍ، واللهِ ما جاء إلا لشرٍّ،
وهو الذي حرَّش بيننا، وحزرنا للقوم يومَ بدرٍ.
ثم دخل عُمَرُ على رسولِ اللهِ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله،
هذا عدوُّ اللهِ عُميرُ بنُ وَهْبٍ قد جاء متوشِّحًا سيفَه،
قال: فأدخله عليَّ!
فأقبل عُمَرُ حتى أخذ بحمالةِ سيفِه في عنقِه فلبَّبه بها،
وقال لرجالٍ ممَّن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسولِ اللهِ ﷺ فاجلسوا عنده،
واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنَّه غيرُ مأمونٍ!
ثمَّ دخل به على رسولِ اللهِ ﷺ.
فلما رآه رسولُ اللهِ ﷺ، وعُمَرُ آخذٌ بحمالةِ سيفِه في عنقِه،
قال: أرسله يا عُمَر، ادنُ يا عُمير!
فدنا ثمَّ قال: أنعموا صباحًا، وكانت تحيةُ أهلِ الجاهليةِ بينهم،
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: قد أكرمنا اللهُ بتحيةٍ خيرٍ من تحيتك يا عُمير،
بالسلام: تحيةُ أهلِ الجنَّة.
فقال: أما واللهِ يا محمدُ إن كنتُ بها لحديثِ عهدٍ.
قال: فما جاء بك يا عُمير؟
قال: جئتُ لهذا الأسيرِ الذي في أيديكم فأحسنوا فيه.
قال: فما بالُ السيفِ في عنقِك؟
قال: قبَّحها اللهُ من سيوفٍ، وهل أغنت عنَّا شيئًا؟
قال: اصدقني، ما الذي جئتَ له؟
قال: ما جئتُ إلا لذلك!
قال: بل قعدتَ أنت وصفوانُ بنُ أُميةَ في الحِجر،
فذكرتما أصحابَ القليبِ من قريشٍ، ثمَّ قلتَ:
لولا دَيْنٌ عليَّ وعيالٌ عندي لخرجتُ حتى أقتل محمدًا،
فتحمل لك صفوانُ بدينِك وعيالِك، على أن تقتلني له،
واللهُ حائلٌ بينك وبين ذلك!
قال عُميرٌ: أشهدُ أنَّك رسولُ الله، وقد كنَّا يا رسولَ اللهِ نكذبُك بما كنتَ تأتينا به من
خبرِ السماءِ،
وما ينزلُ عليك من الوحي، وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وصفوان،
فواللهِ إني لأعلمُ ما أتاك به إلا اللهُ، فالحمدُ للهِ الذي هداني للإسلام،
وساقني هذا المساق،
ثمَّ شهد شهادةَ الحق.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن،
وأطلقوا له أسيرَه،
ففعلوا…
ثمَّ قال: يا رسولَ الله، إنَّي كنتُ جاهدًا على إطفاءِ نورِ الله،
شديدَ الأذى لمن كان على دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ،
وأنا أحب أن تأذن لي، فأقدم مكةَ، فأدعوهم إلى اللهِ تعالى،
وإلى رسولِه ﷺ، وإلى الإسلام،
لعلَّ اللهَ يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنتُ أوذي أصحابَك في دينهم؟
قال: فأذن له رسولُ اللهِ ﷺ، فلحق بمكة!
الدَّرسُ الثَاني:
اُنظُرْ إلى همّة الحارث العالية في الإسلام،
أسلَمَ منذ لحظاتٍ ثمَّ جعلَ من نفسه داعيةً!
حملَ على عاتقه هداية قومه،
هكذا كانوا، إذا وقعُوا على الخير أرادُوا أن يُشاركهم النَّاسُ فيه،
لم يكتفِ أن يُسلِمَ هو لينجو بنفسه،
ولم يُقعده أن يكون داعيةً أنَّه حديث عهدٍ بالإسلام،
كان الإسلام كُلَّ حياتهم منذ أول لحظات إسلامهم حتى مماتهم،
لم ينتظروا أن يتعلَّموا كثيراً،
كانوا يعرفون أنَّ العِلمَ يأتي مع الوقت،
أمَّا العقيدة فإنَّها تدخل سُويداء القلب منذ أول لحظةٍ،
ولم يكن يُخجلهم أن يتركوا دين قومهم،
ولم يكونوا يحفلون بما سيُقال عنهم،
كان لهم وجه واحد ولم تكن لهم أقنعة!
وهذا قريبٌ جداً مما حصل مع عمر بن الخطاب فور إسلامه،
لمَّا أسلمَ عمر بن الخطاب لم تعلم قريشُ بإسلامه،
وعمر لا يفعلُ شيئاً في الخفاء،
فقال: أيُّ أهل مكة أنشأ للحديث؟ أي ينقل الأخبار!
فقالوا: جميل بن معمر الجمحي،
فذهبَ إليه عمر وقال له: يا جميل إنَّي قد أسلمتُ!
فما ردَّ عليه جميل كلمةً، وإنَّما قام مسرعاً عند الكعبة ونادى:
يا معشر قريش إنَّ ابن الخطاب قد صبأ!
فقال عمر: كذبَ، ولكنَّي أسلمتُ وآمنتُ بالله، وصدَّقتُ رسوله!
فأخذوا يضربونه ويضربهم، حتى تعبَ عمر وجلسَ،
فقامُوا عند رأسه فقال لهم: افعلوا ما بدا لكم،
فواللهِ لو كنَّا ثلاثمئة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم!
فبينما هم كذلك جاء العاص بن وائل فقال: ما بالكم؟
قالوا: إنَّ ابن الخطاب قد صبأ!
فقال: امرؤ اختار ديناً لنفسه، أفتظنُّون أنَّ بني عدي تُسلم إليكم صاحبهم؟
ففرَّجَ الله عن عُمر بقول العاص بن وائل وتركوه!
لا تخجل بالهداية بعد ضلال،
وارفعْ رأسكَ عالياً بوصل اللهِ لكَ بعد انقطاعكَ عنه،
لماذا على الفتاة إذا كانت على غير حجاب خرجتْ في كامل زينتها،
وإذا هداها الله ستخجل بلباسها المحتشم،
من لم يكن يخجل وهو على معصية،
فالأولى أن يرفع رأسه عالياً وهو على طاعة!
ولماذا على الشاب إذا كان لاهياً عابثاً،
عاشَ لهوه وعبثه على رؤوس الأشهاد،
ثم إذا ردَّه الله إليه سيخجل بسيره إلى المسجد،
ومسابقته في حلق العلم وتحفيظ القرآن!
إنَّ من الأبواب التي يأتي بها الشيطان إلى من هداه الله في أول هدايته،
هو أن يقول له: أما تخجل من ماضيك؟!
ماذا سيقول الناس، شارب خمر البارحة في المسجد اليوم؟!
متزينة متعطرة البارحة وفي الحجاب اليوم؟
التوبة تجبُّ ما قبلها، وإنَّ من تمام التوبة أن يُقبل العبدُ على الطاعة بفخرٍ،
تماماً كما كان في المعصية بفخر!
ثمَّ إذا جاءك الشيطان من باب ماذا سيقول الناس؟
فأجبه وكيف كان الصحابة رضوان الله عليهم قبل أن تسطع في قلوبهم شمسُ الهداية،
منهم من شربَ الخمر، ومنهم من سجدَ لصنم،
ومنهم من أكل الربا،
ولم يكن أحدهم يخجل أن يتحوَّل كل هذا التحول،
كان يفاخر أمام قريش كلها، ولا يخجل بدينه،
ولا يحسبُ حساباً لتعيير الناس!
الدَّرسُ الثّالث:
عندما لم يصل مبعوث النبيِّ ﷺ إلى الحارث، اتهمَّ الحارثُ نفسه!
كان يعرفُ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يخلفُ ميعاداً، فظنَّ أنَّ سبب عدم قدوم موفد منه،
قد حدث بسخطةٍ سخطها الله تعالى عليه أو نبيُّه،
وهذا من فقه المؤمنين أنَّهم يبحثون في أنفسهم أوّلاً،
كان المرءُ منهم إذا مرضَ راجعَ عباداته،
وإذا لم يقُمْ إلى صلاة الليل، قال: لعلَّ هذا بسبب ذنبٍ أصبته!
وقد بلغوا في اتهامِ أنفسهم مبلغاً عظيماً،
حتى إنَّ أحدهم إذا لم تطاوعه دابته على المسير، قال قسَّاها اللهُ عليَّ بذنبي!
فإذا حدثَ ما لا تُحِبُّ فراجِعْ نفسكَ أولاً،
لعلَّ المرضَ الذي أصابكَ بسبب ذنبٍ أنت مقيمٌ عليه،
والله قد ابتلاكَ به يريدُ منكَ أمراً، ويريدُ لكَ أمراً!
يريدُ منكَ أن ترجعَ إليه وتتوب،
ويريدُ لكَ مغفرةً فإنَّ الأوجاع تحطُّ خطايا المؤمن،
وإن ضيَّقَ عليكَ رزقكَ فراجِعْ صدقتك،
فلا شيء يجلبُ الرِّزق كالصدقة،
فإنَّ الله تعهَّد أن يُخلفها على صاحبها، وخَلَفُ الكريمُ يكون بأكثر ممَّا بذله العبد!
وإن لم تُجبْ لكَ دعوةٌ فانظُرْ إلى طعامكَ،
فإنَّ المال الحرام يحجبُ الدُّعاء!
جاءَ في الأثرِ أنَّ رجلاً قال لعيسى عليه السلام: أَوصِني،
فقال له: اُنظُرْ إلى رغيفك من أين هو!
المعنى: اِبحثْ عن الحلال!
ولأنَّ دعوة الأنبياء واحدة، والدِّين عند الله الإسلام،
قال النبيُّ ﷺ: إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّباً،
وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين، فقال تعالى:
“يا أيُّها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً”
وقال تعالى: “يا أيُّها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم”.
ثمَّ ذكرَ الرَّجُلَ يُطيل السَّفر، أشعثَ أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء:
يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام،
فأنَّى يُستجابُ له!
وروى الطَّبرانيُّ في الأوسط أنَّ سعدَ بن أبي وقاصٍ قال للنبي ﷺ:
يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني مُستجاب الدَّعوة.
فقال له: يا سعد، أَطِبْ مطعمكَ تكُن مُستجاب الدَّعوة!
يشكو الناس هذه الأيام كثيراً أن الدُّعاء لا يُستجاب،
وهذا واقع مُشاهد، سببه أنَّ الناس استهانتْ بأكل الحرام!
وإنَّهم يحسبون أنَّ المال الحرام يعني أن تسرقَ من جيبِ إنسان بعض ماله،
وهذا في الحقيقة جزء من المال الحرام لا كله!
المِيراثُ الذي تستأثرُ به وحدكَ دون إخوتك،
أو تُعطيهم أقلَّ ممَّا فرضَ الله لهم مالٌ حرام!
والمالُ الذي تموتُ الزوجة وتتركه وراءها فتأخذه وحدكَ،
وتحرم منه أهلها وأولادكَ مالٌ حرام!
الرَّشوة التي تتلقَّاها لتُنجز بها معاملات الناس مالٌ حرام!
والوظيفة الشكلية التي لا تحضر إليها ولا تعرف منها إلا راتبها مال حرام!
والعملُ الذي لا تُنجزه بحسب المواصفات والاتفاق مالٌ حرام!
والبضاعة التي تبيعها ولا تُبيِّن عيبها للناس مالٌ حرام!
والدَّين تأخذه من الناس لتُفرج كربكَ وفي نيتك أن لا ترده مال حرام!
والجمعية التي تشتركَ بها ثم تقبضها وتتوقف عن الدفع مال حرام!
والكماليات والسفرات والمظاهر الفارغة التي تقوم بها،
وللناس عليكَ حقوق وللعمال رواتب لا تُؤدِّيها مال حرام!
والرِّبا الذي تأخذه من البنك مال حرام مهما أفتاكَ فلانٌ وعلتان!
والتحايلُ على الله مالٌ حرام!
اُنظُروا إلى رغيفكم من أين هو،
وتأمَّلوا من أين تكسبون أموالكم، وكيف تُنفقونها،
ثم بعد ذلكَ سترون دعاءكم يتحقَّقُ كأنّه فلق الصُّبح!
الدَّرسُ الرّابع:
لا تتسرَّعْ في ردَّاتِ أفعالك،
ليس كل الأقوال التي وصلتكَ قد قيلتْ حقاً!
وليس كل الأفعال التي بلغتكَ قد حدثتْ فعلاً!
النّاسُ يكذبون أحياناً، ويحرِّفون الأقوال كثيراً،
ومُشاهَدٌ عياناً كم يفتري بعضهم على بعض،
وقد كان الأوائل يُغلقون الأبواب في وجه النَّمامين،
ولو كان ما أوصلوه من فتنةٍ حقاً!
قال رجلٌ للأحنف بن قيس: أخبرني بعض الثقات،
أنَّك ذكرتني بسوء!
فقال له الأحنف: لو كان ثقةً ما نمَّ!
الناسُ أحياناً فيهم نُبل عجيب لا يُدركه الآخرون!
روى أبو نُعيم في الحلية، وابن عسكر في تاريخ دمشق:
إنَّ عمر بن الخطاب استعملَ على حمص سعيد بن حُذيم،
ولما جاء عمر إلى الشام، سأل أهل حمصَ عن سعيد،
فقال: يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم؟
فقالوا: نشكو منه أربعاً!
فقال عمر: وما هيَ؟
قالوا: لا يخرجَ إلينا حتى يتعالى النهار،
ولا يجيبُ أحداً بليل،
وله يوم في الشهر لا يخرج إلينا فيه أبداً،
وتأخذه إغماءة بين الفينة والأخرى!
فجمعَ عمر بينه وبينهم وهو يقول في نفسه:
اللهم لا تُضيِّع فراستي في سعيد!
ثمَّ قال للنَّاس: ما تشكون منه؟
فقالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار!
فقال سعيد: ليس لأهلي خادم، فأعجنُ لهم، وأنتظرُ حتى يختمر،
ثمَّ أخبزُ لهم، وأتوضأ، وأخرجُ للناس!
فقالوا: لا يجيبُ أحداً بليل!
فقال: جعلتُ لهم النهار، وجعلتُ الليل لله، أقومُ بين يديه فيه!
فقالوا: وله يوم في الشهر لا يخرجُ إلينا فيه أبداً!
فقال: ليس لي خادم يغسلُ ثيابي، ولا ثياب أُبدلها، فأغسلها أنا،
وأجلسُ أنتظرُ حتى تجف، ثمَّ أخرج إليهم في المساء!
فقالوا: وتأخذه إغماءة بين الفينة والأخرى!
فقال: شهدتُ مصرع خُبيب الأنصاري بمكة، وقد قطعتْ قريشٌ له،
فقالوا: أتحبُّ أن محمداً مكانكَ؟
فقال: واللهِ ما أحبُّ أني في أهلي وولدي وأنَّ محمداً يُشاك بشوكة!
فما تذكرتُ ذلك اليوم، وتركي نصرته رغم أنَّي على الشرك، إلا أخذتني إغماءة!
فقال عمر: الحمدُ لله الذي لم يُضيِّع فراستي في سعيد!
بعضُ النَّاس أنبل ممَّا نعتقِدُ، ولكنَّنا للأسف نحملُ ما جهلناه على سوء الظنِّ،
وسوء الظنِّ وإن كان أحياناً من حُسن الفطن،
إلا أنَّ الذي لا يرى في النَّاس خيراً فهو أسوأ النَّاس!
في قرية نائيةٍ كان هناك رسَّام عجوز،
يجني كثيراً من المال من بيع لوحاته الجميلة،
وعابَ عليه بعض أهل القرية عدم مساعدته للفقراء فيها، واتهموه بالبخل!
ولكنَّه لم يردَّ عليهم، وعندما ماتَ الرسَّام العجوز،
توقَّفَ لحَّامُ القرية عن توزيع اللحم على الناس بالمجان،
فلما سألوه عن السبب،
قال: كان الرسَّام العجوز هو الذي يدفع ثمن اللحم،
ولا قدرة لي على توزيعه مني!
إنَّ الذي لا يحملُ صدقته ويطوف بها على الملأ لا يعني أنَّه لا يتصدَّق!
والذي لا يُصوِّر نفسه حاملاً المصحف لا يعني أنَّه هاجرٌ للقرآن،
والذي لا يُصوِّر نفسه حاضناً زوجته لا يعني أنَّه لا يُحبُّها!
هناك أشخاصٌ يغلقون الأبواب على أنفسهم، ولا يفتحون حياتهم على مصراعيها!
هناك أشخاصٌ يتركون أشياء لله،
يخشون أن يُفسدها اطِّلاعُ الناس عليها، فافْهَمْ!

