تأملات
الأحاديثُ النَّبويَّةُ لا تُروى لتُحكى، بل لتُوقِظ!
تأتي كجرسِ إنذارٍ في زمنٍ يغلبُ عليه الاطمئنانُ الكاذبُ، فتُذكِّرُ الإنسانَ أنَّ التَّاريخَ ليس نهرًا هادئًا دائمًا، وأنَّ الشَّرَّ لا يدخلُ دفعةً واحدةً، بل يتسرَّبُ كشقٍّ صغيرٍ في جدارٍ إذا تُرِكَ اتَّسع.
وهذا الحديثُ واحدٌ من تلك النُّصوصِ التي ترفعُ الغطاءَ عن سُنَّةٍ خطيرةٍ في حياةِ الأممِ: أنَّ وجودَ الصَّالحينَ وحدَه لا يكفي إذا تُرِكَ الفسادُ يتمدَّدُ بلا مقاومةٍ، وأنَّ النَّجاةَ ليست حالةً فرديّةً، بل مسؤوليّةٌ جماعيّةٌ.
هنا يتحدَّثُ النَّبيُّ ﷺ لا ليُخيفَ، بل ليزرعَ وعيًا يقظًا: فالأممُ لا تسقطُ حين يقلُّ الخيرُ، بل حين يكثرُ الخَبَثُ ولا يجدُ من يوقفُه.
روى الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديثِ أمِّ المؤمنينَ زينبَ بنتِ جحشٍ رضيَ اللهُ عنها:
أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ عليها فَزِعًا يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ! ويلٌ للعربِ من شرٍّ قدِ اقتربَ؛ فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه!
وحلَّقَ بإصبعِه الإبهامِ والتي تليها.
قالتْ زينبُ بنتُ جحشٍ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أنهلكُ وفينا الصالحونَ؟
قال: نعم؛ إذا كثُرَ الخَبَثُ!
الخطرُ لا يبدأُ صاخبًا، بل يتسلَّلُ صغيرًا.
النَّبيُّ ﷺ فَزِعَ من فتحةٍ بحجمِ إصبعينِ، لا من انهيارٍ كاملٍ، ليُعلِّمَنا أنَّ الشُّرورَ العظيمةَ تبدأُ بثغراتٍ مُهملةٍ.
الأممُ لا تسقطُ فجأةً؛ إنَّما تتآكلُ حين يعتادُ النَّاسُ الشُّقوقَ الصَّغيرةَ حتى تصيرَ جدرانًا مهدومةً. فالواجبُ أن نُصلِحَ الفتحةَ قبلَ أن تصبحَ بابًا.
الصَّلاحُ الفرديُّ لا يكفي إذا تُرِكَ الفسادُ عامًا. سؤالُ زينبَ رضيَ اللهُ عنها كان سؤالَ كلِّ الأزمنةِ: أنهلكُ وفينا الصَّالحونَ؟
فجاء الجوابُ حاسمًا: نعم؛ إذا كثُرَ الخَبَثُ.
النَّجاةُ ليست بطاقةً شخصيّةً، بل حالةُ مجتمعٍ. حين يصبحُ المنكرُ مألوفًا، ويصيرُ السُّكوتُ ثقافةً، يتهدَّدُ الجميعَ الخطرُ، صالحَهم وغافلَهم.
الخَبَثُ حين يكثرُ يُفسدُ الهواءَ الذي نتنفَّسُه جميعًا.
ليس المقصودُ ذنبًا فرديًّا هنا وهناك، بل بيئةً يختنقُ فيها المعروفُ ويُحاصَرُ. المجتمعاتُ تموتُ أخلاقيًّا قبلَ أن تموتَ ماديًّا. فإذا استساغتِ القلوبُ القبيحَ، لم يعُدِ السُّقوطُ حادثةً، بل نتيجةً طبيعيّةً.
اليقظةُ الجماعيّةُ عبادةٌ!
فالحديثُ لا يدعونا للخوفِ، بل للمسؤوليّةِ!
أن تُنكِرَ المنكرَ، أن تُحييَ المعروفَ، أن تكونَ حاجزًا صغيرًا في وجهِ سيلٍ كبيرٍ، هذا عملُ الأنبياءِ في أممِهم.
النَّجاةُ ليست أن تعتزلَ الفسادَ، بل أن تُقاومَه بقدرِ ما تستطيعُ.
فاللهُ لا يسألُ: هل أوقفتَ الموجَ؟
بل يسألُ: هل وقفتَ في وجهِه؟