أدب

بين السطور والبارود.. كيف قرأ أحمد موفق زيدان فتح دمشق؟

أغسطس 5, 2026

بين السطور والبارود.. كيف قرأ أحمد موفق زيدان فتح دمشق؟

ثمَّة أعمالٌ أدبية تحمل رسالةً قد تؤثِّر بك أو بمشاعرك أو بوجدانك، وكثيرٌ منها يترك في ذهنك فكرةً أو سؤالًا يرافقك طويلًا بعد أن تطوي الصفحة الأخيرة.

لكنزلزال فتح دمشقبدا مختلفًا، إذ لم يكن كتاباً يروي أحداثاً مضت بقدر ما كان محاولةً لإعادة قراءة لحظةٍ غيَّرت تاريخ سوريا الحديث، ورغم أنَّنا عايشنا تفاصيل معركةردع العدوانلحظةً بلحظة، وغطَّينا أخبارها وتابعنا تطوراتها كما تابعها ملايين السوريين، فإنَّ بين سطور هذا الكتاب ما لم يكن ظاهراً في زحمة الحدث، وما لم يتضح إلا بعد أن هدأت أصوات المدافع، وبدأت الصورة تكتمل شيئاً فشيئاً.

لم أجد في صفحاته مجرَّد تسلسلٍ زمني للمعركة أو استعراضٍ للوقائع العسكرية، بل قراءةً تحاول أن تفسِّر ما جرى، وتربط بين السنوات التي سبقت فتح دمشق وبين الأيام الـ 11 التي انتهت بتحرير سوريا من النظام البائد وحاشيته، وربَّما لهذا السبب وجدت نفسي أقرأ الكتاب بشغف، لا لأنَّني أجهل ما حدث، بل لأنَّني كنت أبحث عن تلك التفاصيل التي لم تكن تُرى من قلب المعركة، وعن الأسئلة التي لم يكن أحد يملك رفاهية طرحها آنذاك.

كان لكل سوري تقريبًا روايته عن تلك الأيام، لكن الدكتور أحمد موفَّق زيدان حاول أن يقدِّم روايةً تنظر إلى ما وراء المشهد، لا إلى المشهد وحده.

وهذا ما جعل الكتاب، بالنسبة لي، يتجاوز كونه توثيقًا لعمليةردع العدوان، ليصبح قراءةً في الأسباب التي صنعت تلك اللحظة، وفي التحوُّلات التي مهَّدت لها، وفي الأحلام التي بدت، قبل أشهرٍ قليلة فقط، أقرب إلى اليقظة المستحيلة منها إلى واقعٍ يمكن أن يتحقَّق.

ما قبل الزلزال.. حين كان اليأس أكثر واقعية من النصر

قبل الـ27 من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لم يكن السوريون في الشمال المحرَّر ينتظرون معركةً بقدر ما كانوا ينتظرون نجاةً مؤقَّتة من يومٍ آخر يشبه ما سبقه، كان المشهد مثقلًا بما يكفي ليجعل الأمل يبدو رفاهيةً لا يملكها أحد.

المخيَّمات ازدادت ازدحاماً، والأسواق خفتت حركتها، والوجوه التي أنهكتها سنوات النُّزوح لم تعد تملك القدرة على الحديث عن المستقبل، بل بالكاد كانت تفكِّر في كيفية تجاوز اليوم التالي، كان السواد حاضراً في كلِّ شيء، في العيون، وفي الأحاديث العابرة، وفي الصمت الذي صار أطول من الكلمات.

يكفي أن تجلس إلى جانب رجلٍ مسنٍّ أمام دكانٍ صغير، أو أن تراقب امرأةً تنتظر دورها أمام فرنٍ أو صهريج مياه، حتى تدرك أنَّ الحرب لم تعد أصوات قذائف فحسب، بل أصبحت حالةً نفسيةً مستقرة في نفوس الناس، كان الجميع يتحدَّث عن ضيق الجغرافيا، وعن تراجع الدعم، وعن عالمٍ بدا وكأنَّه أغلق أبوابه في وجه آخر بقعةٍ خرجت عن سيطرة النظام البائد، ومع عودة بشار الأسد الهارب إلى بعض المحافل العربية والدولية آنذاك، تسرَّب إلى كثيرين شعورٌ بأنَّ الثورة وصلت إلى محطتها الأخيرة، وأنَّ ما بقي منها ليس سوى محاولةٍ لتأجيل النهاية.

قبل أسابيع قليلة من انطلاق عمليةردع العدوان، بدأت أخبارٌ متفرَّقة تتحدَّث عن استعداداتٍ لمعركةٍ جديدة، لكن حتى تلك التسريبات لم تكن كافية لإحياء الأمل، بل على العكس، قابلها كثيرون بمزيدٍ من التشاؤم كان السؤال الأكثر حضورًا: هل بقي ما يكفي من القوة لخوض معركةٍ جديدة؟ ولم يكن هذا السؤال نابعًا من ضعف الإرادة، بل من ثقل التجارب السابقة، ومن ذاكرةٍ امتلأت بخيباتٍ متكرِّرة جعلت الانتصار يبدو أقرب إلى حلم يقظة منه إلى احتمالٍ يمكن أن يتحقَّق.

الكتاب يقرأ ما لم نكن نراه

بعيدًا عن المشهد الذي عاشه السوريون يوماً بيوم، يحاول الدكتور أحمد موفَّق زيدان أن يعيد ترتيب الأحداث من نقطةٍ مختلفة، فهو لا يبدأ من لحظة دخول دمشق، ولا يجعل المعركة بطلاً للرواية، بل يعود إلى ما قبلها، باحثاً عن الأسباب التي جعلت ذلك الحدث ممكناً أصلاً، ومن هنا، لا يقدِّمزلزال فتح دمشقسرداً عسكريًّا بقدر ما يقدِّم قراءةً لمسارٍ كامل تشكَّل على مدى سنوات، حتى بدا الانتصار، في نظره، نتيجةً لتراكماتٍ أكثر منه مفاجأةً سياسيَّة أو ميدانيَّة.

في صفحات الكتاب، تتحوَّل عمليةردع العدوانمن معركةٍ استمرت 11 يوماً إلى خلاصة مرحلةٍ طويلة، تتداخل فيها التحوُّلات العسكرية مع التغيُّرات السياسية، والانهيار الإداري مع تبدُّل موازين القوى، وصولاً إلى اللحظة التي فقد فيها النظام البائد قدرته على الحفاظ على تماسكه، وما يلفت النظر أنَّ زيدان لا يحاول صناعة بطولةٍ منفصلة عن سياقها، بل يربط كلَّ تفصيلٍ بخلفيته، ليقنع القارئ بأنَّ ما حدث في دمشق لم يبدأ في الـ27 من تشرين الثاني، وإنَّما بدأ قبل ذلك بسنوات، حين كانت موازين المشهد تتغيَّر بهدوء، بينما كانت الأنظار تتَّجه إلى عناوينٍ أخرى.

وربَّما في هذا تكمُن قيمة الكتاب، فهو لا يجيب فقط عن سؤال كيف سقط النظام البائد؟، بل يحاول الإجابة عن سؤالٍ أكثر تعقيدًا: لماذا بدا سقوطه مفاجئًا لمن كان يتابع الأخبار يوميًّا، بينما لم يكن كذلك لمن كان يقرأ المشهد بأكمله؟

الانتصارات تبدأ في العقول

بعد أن أغلقت الصفحة الأخيرة من الكتاب، لم يبقَ في ذهني مشهد دخول دمشق، ولا أسماء المدن التي تحرَّرت تباعاً، بل بقي سؤالٌ واحد: كم من الانتصارات تبدو مستحيلة فقط لأنَّنا ننظر إليها من لحظة ضعفنا؟ ربَّما لهذا السبب كانت معركةردع العدوانأكبر من كونها حدثاً عسكريًّا فقد أعادت تعريف العلاقة بين الواقع وما نعتقد أنَّه واقع.

فالإنسان لا يُهزم دائمًا حين يخسر أرضاً، وإنَّما قد يُهزم حين يقتنع أنَّ طريق العودة لم يعد موجوداً.

ولعلَّ هذا ما حاول أحمد موفَّق زيدان أن يقدِّمه بين سطور كتابه، فالتاريخ لا يتشكَّل في الأيام التي يصفِّق لها الناس، بل في السنوات التي لا يلتفت إليها أحد، وما نراه اليوم لحظةً فاصلة، قد يكون في الحقيقة النتيجة الأخيرة لمسارٍ طويل ظلَّ يُبنى بصمت، بينما كانت العيون منشغلةً بما يحدث على السطح.

لهذا، لم أقرأزلزال فتح دمشقبوصفه كتابًا يوثِّق معركة، بل بوصفه محاولةً لفهم معنى الانتصار نفسه، فالانتصارات لا تبدأ يوم تُفتح المدن، بل يوم يتوقَّف الإنسان عن الاعتقاد أنَّ الهزيمة قدرٌ أبديٌّ، ويصبح الحلم، مهما بدا بعيداً، مشروعاً يمكن أن يتحوَّل إلى حقيقة.

شارك

مقالات ذات صلة