فكر
كمال عيشة
وأنا أتصفح دفتر ملاحظات قديم باغتتني أسطر لابن خلدون يتحدث فيها عن أثر الاستبداد القابع في النفوس، يقول فيها “إن العسف والظلم يفسدان المعاني الإنسانية في النفوس، ويثبطان عن اكتساب الفضائل”. سرح فكري حينها وعجبت من أمر الشعوب التي دائمًا ما تميل إلى الاعتقاد بأن صفحة كاملة من التاريخ قد أُغلقت بعد رحيل المستبد؛ تُزال صوره، وتتغير الشعارات التي كان يتبناها نظامه، وتُفتح السجون، وتبدأ الدولة الوليدة في البحث عن لغة جديدة تخاطب بها مواطنيها. يبدو الأمر كأن المشكلة كانت في رجل جلس طويلًا في موقع السلطة فقط، وأن سقوطه كفيل بإعادة الأشياء إلى نصابها.
كلنا نتذكر قبيل الثورات العربية كيف كانت الشعوب ترزح تحت وطأة ثقافة استبدادية تتعامل مع السلطة من دون وعي أو إدراك، فتؤلّه الدكتاتور، وتصلي له ومن أجله، وترفع له شعارات رنانة في كل الميادين، وتصنع له تماثيل لا تقوى على تحطيمها. وكانت تمنحه سلطة أكثر مما يطلب، وتعطيه سوط العذاب، لتكون بذلك الجلاد والضحية في آن معًا.
في الأسابيع الأولى التي تلت نشوة سقوط النظام، ساد بداخلي شعور بأن ما خلّفه النظام البائد من ممارسات قد انتهت بانهياره، لكن ما لاحظته أن الاستبداد لا يغادر دائمًا مع صاحبه؛ هناك منظومة كاملة من التشوه الأخلاقي والتردي السلوكي قد رسّختها سنون الظلم والاستبداد داخل المجتمع. يبقى الخوف الذي سكن البيوت، والشك الذي تسلل إلى العلاقات بين الناس، وتطبيع الفساد والرشوة حتى أصبحا شريعة للبقاء. وكذلك الانكفاء على الهويات الضيقة والمناطقية، واعتياد القسوة، وتخدير الضمير الجمعي أمام آلام الآخرين، والانتهازية التي جعلت الوصوليين يرتدون عباءة التحرر الجديد بالسهولة ذاتها التي ارتدوا بها ثوب التملق سابقًا للنظام البائد.
لقد عمدت نظم الاستبداد وعلى رأسها النظام البائد، إلى إفساد عملية التربية وجعل نتائجها تصب في مصلحتها، لقناعتها الأصيلة بأن إفساد التربية هو إفساد للسياسة، فلا يمكن في حال من الأحوال وجود تلك النظم أصلًا في بيئة ذات تربية صالحة وسوية؛ فجعلت ديدنها إفساد البنية التعليمية للأجيال الصاعدة، مدركة أن هذه الأجيال ستساهم بشكل طبيعي، في دعم طغيان الطغاة وتثبيتهم في أعلى الهرم. ولذلك كان التعليم بالنسبة إلى السلطة وسيلة لتشكيل الوعي العام، وتحديد ما يجوز التفكير فيه وما ينبغي الصمت عنه. وكلما ضاق مجال السؤال واتسع مجال التلقين، نشأ جيل يرى في النقد خيانة، وفي الولاء طريقًا وحيدًا للنجاة.
أدركت أيضاً أن الحرية كاشفة لعورات مجتمعاتنا، لأن المرء إذا طال الاستبداد به فسدت علاقته مع الحرية التي تبدو سهلة جداً عندما تكون مطلبًا في مواجهة الحاكم، لكن ثقلها الحقيقي يظهر عندما تصبح حقًا للجميع، بما في ذلك من يختلفون معنا في الدين والطائفة أو حتى الفكر.
إن الحرية حق كوني يصون الإنسان مهما بلغ اختلافه عن الآخرين. ومن يطالب بحريته ثم يسلبها من خصمه، لم يتخلص من عقلية الاستبداد بتاتًا، إنما غيّر موقعه داخلها فقط. إن الانتماء الفكري والثقافي والسياسي يعتبر مكوناً طبيعياً في أي مجتمع، والمصيبة عندما تتحول هذه المكونات من عناصر تعريف للإنسان إلى أدوات لتحديد قيمته الوطنية، أو إلى وسائل لإقصائه وتخوينه وسلبه حقه في الاختلاف.
لكنني أرى أن الرهان على الوعي الفردي وحده يبقى رهانًا قاصرًا، ما لم يتجسد في عقد اجتماعي جديد وسيادة واضحة للقانون. إن وعي الجيل القادم هو شرارة البداية، لكن المؤسسات الناجزة والمستقلة هي الدرع الذي يمنع عقلية الاستبداد من التسلل مجددًا عبر فوضى الانتهازية.
سأبقى أطمح بأن يتحول تحررنا من شعار سياسي فضفاض إلى ثقافة عامة متأصلة في مجتمعنا، وتصبح كرامة الإنسان عندنا مبدأ لا يتجزأ، والقانون مرجعية مشتركة لكافة الشعب بمختلف أطيافه ومستوياته؛ عندها تبدأ القطيعة الحقيقية مع تركة الاستبداد.