اقتصاد

الاحتجاج ليس خيانة والدولة ليست غائبة

سبتمبر 17, 2026

الاحتجاج ليس خيانة والدولة ليست غائبة

أسامة أحمد نزار صالح

بجزيرة معزولة، عاش ناجيان تفصل بينهما سنوات؛ الأول استكان للعجز مكتفياً بثمار جوز الهند، بينما حوّل الثاني حطام الطائرة لمشروع متكامل، لينتهي المطاف بالأول عاملاً عنده. هذه القصة تختصر جوهر النهوض الاقتصادي: من الاتكال إلى شجاعة الفعل وبناء المستقبل.
يمكن وصف الفترة الممتدة بين عامي 1966 و1970 في أدبيات الاقتصاد السياسي السوري بذروة “النموذج الائتماري المتشدد”؛ وهي المرحلة التي حَكم فيها “يسار البعث” بلغة راديكالية تجاوزت كل حد، فقادت إلى إشكاليات هيكلية لم يتعافَ منها الاقتصاد ولا المجتمع السوري حتى اليوم.

كانت تلك التجربة تقوم على مفارقةٍ حادة بين ظاهرتين: في الظاهر التبشير بإقامة الاشتراكية وترسيخ شبكة أمان اجتماعي عبر دعم المواد الأساسية من خبز ووقود وثقافة قطاع عام تُوهم المواطن بحمايته، وفي الباطن هندسة اجتماعية وسياسية متزمتة هدفت إلى إحداث تغييرات جذرية في العصب السوري؛ عبر ضرب البرجوازية الوطنية، وتفكيك الطبقة السياسية والحضرية التقليدية، وإحداث تجريف ديمغرافي في تركيبة المدن الكبرى، وإدارة الدولة بمنطق الولاء الحزبي والفئوي الضيق بدلاً من الكفاءة الوطنية.

إنَّ التوسع الحاد في التأميم، والتطبيق المجحف لقانون الإصلاح الزراعي، وإلغاء الملكية الخاصة في القطاعات الاستراتيجية، إلى جانب قطع العلاقات الاقتصادية مع الغرب ومحاربة المصالح العربية تحت شعارات “مواجهة الرجعية”، أدى بالضرورة إلى نتيجة محتومة: خروج واسع لرؤوس الأموال الوطنية، انخفاض حاد في الإنتاجية، تجذّر البيروقراطية المقيتة، وتأسيس النواة الأولى لشبكات الفساد الوظيفي المنظم، لتُتوّج هذه العزلة والارتهان المطلق للمعسكر الشرقي بأزمات تمويل حادة قبل أن تسقط التجربة برمتها في اختبار حزيران 1967.

أمام هذا الانسداد الشامل، جاء تغيير عام 1970 تحت مسمى “الحركة التصحيحية” التي قادها حافظ الأسد، واضعةً على رأس أولوياتها المعلنة تفكيك أزمات المرحلة السابقة؛ عبر السعي لإنقاذ البلاد من العزلة العربية والدولية، وإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية لتجاوز آثار هزيمة 1967، فضلاً عن كسر “النموذج المغلق” ومعالجة تردي الوضع الاقتصادي الذي خلفته قرارات التأميم والانكفاء.

غير أنَّ هذا التغيير سرعان ما اصطدم بحائط المسار السياسي؛ إذ توقف النمو الأولي الذي حظيت به البلاد بفضل المساعدات العربية في مرحلة ما بعد حرب أكتوبر 1973 نتيجة اصطدام سياسات الأسد الأب الإقليمية بالمصالح العربية والدولية؛ عبر التحالف مع إيران في حرب الخليج الأولى، ودعم القوى الانعزالية في بدايات الحرب اللبنانية، إلى جانب تبني سياسة “ضبط النفس” والشعارات الكلامية مع إسرائيل، ورعاية شبكات ارتبطت بعمليات ضد المصالح الغربية.

وبالتوازي مع هذا الانكفاء الخارجي، تضخم دور الأجهزة الأمنية ليتحوَّل من حماية الدولة إلى الهيمنة الشاملة على مفاصل المجتمع والاقتصاد؛ حيث أُخضعت الدورة الاقتصادية لتراخيص وتوازنات أمنية صارمة، وحُلت الولاءات والعلاقات الخاصة محل معايير التنافسية والكفاءة.

ومع دخول التسعينيات، ورغم الانفتاح الاقتصادي الحذر والاستقرار الإقليمي النسبي الذي تلا حرب الخليج الثانية وترسيخ الوصاية السورية على لبنان، ظلَّ الاقتصاد مكبلاً بهذه القبضة، وكُرست أدبيات تلك المرحلة تحت مفهوم “اقتصاد الندرة” و”السوق السوداء”، حيث أصبحت الدولة تدير العجز عبر مسكنات الدعم الشكلي وضبط الشارع بالقبضة الأمنية، متخليةً عن التنمية الحقيقية ومبقيةً المواطن في دائرة الاتكال والانتظار.
مع حلول عام 2000، اعتلى الأسد الابن السلطة على وقع شعارات “التحديث والتطوير” ومكافحة الفساد، ليدشن لاحقاً ما سُمي بـ “اقتصاد السوق الاجتماعي”. غير أن الشعار البرَّاق سرعان ما تحلل أمام واقعٍ عمَّق التشوهات الهيكلية؛ إذ تراجعت حصة الصناعة والزراعة في الناتج المحلي نتيجة خلل شاب اتفاقيات التجارة الحرة مع دول الجوار، بالتوازي مع بزوغ طبقة طفيلية من رجال الأعمال المقربين من دوائر السلطة وأبناء المسؤولين وكبار الضباط، والذين تغولوا على المقدرات الوطنية وحجموا التنافسية.

لم تختلف إدارة الاقتصاد في هذه الحقبة عن سابقتها؛ إذ استمرت بعقلية أمنية وقرارات ارتجالية أنتجت اختلالات حادة في الميزان التجاري وسياسات أسعار الصرف. ورغم التركيز الإعلامي المكثف على “حماية الدعم الاجتماعي”، كشفت الوقائع تعذر استدامته عبر تقليصه التدريجي عن المحروقات والأسمدة. وفي الوقت الذي وُعد فيه المواطن برفع جودة القطاعين الصحي والتعليمي، عجزت السياسات الحكومية عن مواجهة موجة الجفاف القاسية، مكتفية بغض البصر عن الهجرة الريفية الحادة ونمو أحزمة الفقر والمخالفات حول المراكز الحضرية الكبرى تلك التجمعات التي أرسى الأسد الأب جذورها، لتتحول إلى قنابل موقوتة في العصب السوري.

ومع انفجار الأحداث عام 2011، تحول المشهد الاقتصادي من الفشل الهيكلي إلى الانهيار الكامل؛ إذ اندثرت المقومات الإنتاجية لتحل محلها منظومة “اقتصاد الحرب والسرقة المشرعنة”. عاش النظام على شريان الإعانات الإيرانية، مقابل رهن مقدرات الدولة وثرواتها السيادية للجانب الروسي ثمناً للحماية العسكرية. تلاشى مفهوم الدولة الناظمة ليعوضه نظام الإتاوات المباشرة؛ حيث باتت ممارسة أي نشاط اقتصادي مرهونة بدفع الفديوات والشرط المالي لعائلة الأسد ودائرتها الضيقة.

وفي هذا المناخ، ترعرع “الاقتصاد الأسود” بصورته الأكثر قبحاً؛ فتحوَّلت سوريا إلى دولة مصنّعة ومصدّرة للكبتاغون، وشبكات لتسهيل الهجرة غير الشرعية وتجارة البشر، بالتوازي مع شرعنة الرشوة والفساد الوظيفي في مؤسسات الدولة كبديل قسري عن زيادة الرواتب والأجور. والأدهى من ذلك، أن السلطة واصلت رفع شعارات “حماية الدعم الاجتماعي” ومجانية التعليم والصحة، بينما الواقع يكشف عن تجويف تام لهذه المفاهيم: فلا دعم يتحقق في ظل انقطاع المحروقات وأزمات الرغيف التي حولت سوريا إلى “بلد الطوابير”، ولا تعليم يُرجى في مدارس مهدمة ومناهج مفرغة من محتواها، أمَّا المرفق الصحي والمستشفيات، فقد تحوَّلت في كثيرٍ من الأحيان إلى ما يشبه “المسالخ البشرية” للتغطية على جرائم الأجهزة الأمنية ومسالخ الأقبية السرية. لقد وصل هذا النموذج إلى نهايته المحتومة: شعارات دعم جوفاء تغطي على اقتصاد الجريمة والندرة المطلقة.
من هنا، يمكن تسمية المرحلة الحالية للاقتصاد السوري بمرحلة التحوُّل الاقتصادي من “اقتصاد الظل والكبتاغون” إلى محاولة التأسيس لـ”اقتصاد السوق المفتوح والشرعية الدولية”؛ وهي إحدى أعقد تجارب الإصلاح. إذ لا يتعلق الأمر بمجرَّد تغيير سياسات، بل بتفكيك شبكات نفوذ غير رسمية وتشييد بنية مؤسساتية عُطلت لستة عقودٍ متواصلة. وفي هذا السياق، قادت الإدارة السورية الانتقالية تحوُّلاً اقتصاديّاً هيكليّاً استند إلى أسس الانتقال الصارم من شبكات الظل والمال الموازي إلى الشرعية المصرفية، ومن أوهام التخطيط المركزي والهيمنة الأمنية إلى تحرير التجارة وتحفيز المبادرة الإنتاجية الذاتية.
ونتيجة لهذه الرؤية الشجاعة، حصدت الإدارة السورية في فترة زمنية قياسية لم تتجاوز السنتين ما يمكن تسميته نجاحات ومكتسبات استراتيجية لافتة؛ تمثَّلت في فك الحظر والعزلة الدولية، ورفع العقوبات الغربية، وتفعيل الممرات التجارية الحيوية، إلى جانب فتح المجال واسعاً للربط السككي والتجاري الإقليمي وتأمين حرية الحركة الاستثمارية. وقد انعكست هذه الخطوات سريعاً على الأرقام؛ إذ حقَّق الاقتصاد السوري معدلات نمو استثنائية تجاوزت 10% لتصل إلى نحو 11.3% لعام 2026، وقفز حجم الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 50 مليار دولار. كما تضاعفت إيرادات الموازنة العامة لتناهز 8 مليارات دولار، أمنت القدرة المالية المباشرة لإعادة إعمار وإصلاح البنى التحتية المتهالكة، وأعادت الثقة كلياً لبيئة الأعمال والقطاع الخاص السوري في الداخل والمغترب، واضعةً سوريا بحق على سكة الاقتصاد الإنتاجي المستدام.
غير أن هذا المسار لا يخلو من مخاض عسير؛ إذ تشبه هذه المرحلة الولادة القاسية التي تترافق مع حزمة من التحديات والانتكاسات الهيكلية. فرفع الدعم الحكومي وتطبيق آليات السوق الحر أفضى إلى موجات تضخم وغلاء متسارعة أثقلت كاهل المواطن، في ظل زمن لائم يفصل بين قرارات الرفع هذه وبين التعافي الفعلي لمستويات الأجور. بالتوازي مع ذلك، يقف الإرث التراكمي المقيت للفساد والبيروقراطية الإدارية التي ترعرعت عبر عقود كعائق أمام تنفيذ المشاريع الاستراتيجية بمرونة. يُضاف إلى ذلك التحدي الجيو-سياسي الضاغط؛ المتمثل في الحذر المستمر من انعكاسات التصعيد والتوترات الإقليمية في المنطقة على سلاسل الإمداد، والممرات اللوجستية، وتنافسية بيئة الاستثمار الوليدة، إلى جانب البطء النسبي في إعادة تأهيل الشبكات والخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والنقل مقارنةً بالاحتياجات الفورية والملحة للقطاعين الصناعي والزراعي.
وتتجلَّى الخطورة الأكبر في هذا المخاض عند مقاربة دور المواطن وحقه في الاحتجاج والتعبير؛ وهي المسألة التي تشكّل جوهر الإشكال السياسي والاجتماعي في سوريا اليوم. إذ ينقسم المشهد العام بين خطّين أحاديين يجسدان حالة من الإفلاس التحليلي الذي يضر باستقرار المرحلة ولا يخدم الخروج منها: خطّ يُشيطن الاحتجاجات الشعبية ويُخوّن التعبير عن ضيق العيش، وآخر يمارس تطبيلاً أعمى للقرارات الحكومية.

يشن الفريق الأول هجوماً عاطفياً مسطحاً على السياسات الاقتصادية، متجاهلاً بقصدٍ أو بدونه الأرقام والوقائع الصلبة؛ كحجم الموازنة المتاحة، وعبء الديون التراكمية، وآليات التسعير المرتبطة بالسوق العالمية. وفي المقابل، يتعامل فريق الدفاع المستميت مع أي نقدٍ موضوعي كأنه استهدافٌ مباشر للعهد الجديد أو حنينٌ مشبوه للعهد البائد، مقدماً تبريرات سطحية تفتقر لأبسط المبادئ والأدوات العلمية للاقتصاد السياسي. إن تجاوز ثنائية “الشيطنة والتطبيل” نحو نقاش عقلاني يستند إلى البيانات، هو الشرط الأساسي لبناء العقد الاجتماعي الجديد وضمان الانتقال السلس.
وفي هذا السياق، يأتي قرار الحكومة الأخير برفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة تجاوزت 20% ليسجل على عكس ما يراه السطحيون نقطة إيجابية فارقة للعهد الجديد؛ إذ يشكل خروج المظاهرات الاحتجاجية مؤشراً حيوياً على عافية المجتمع المدني، وطي صفحة عقود من الخوف والصمت القسري، لتتكرس الرقابة الشعبية المباشرة على المسؤول الحكومي الذي تصدر المشهد.

مسؤول يُظلم حتماً إن قيست تجربته بمعايير الدول المستقرة مع تجاهل حجم الإرث الثقيل، وضغوطات الأسواق العالمية، وتداعيات الوضع الإقليمي الشائك. إنَّ الخروج الهيكلي من “اقتصاد الظل والكبتاغون” نحو “اقتصاد السوق الحر” يتطلب دوراً متعدداً للمواطن يتجاوز مجرد التلقي السلبي أو الاكتفاء بالاحتجاج—على الرغم من أنَّ الاحتجاج ليس خطأً بحد ذاته بل هو أحد أركان الرقابة والممارسة الديمقراطية. إنَّ نجاح هذه المرحلة الانتقالية المفصلية يمر حتماً عبر توازن دقيق؛ بين الصراخ المحق رفضاً للفقر والتضخم، وبين الوعي المسؤول بحجم التحديات القياسية التي تواجه الإدارة الحالية، لضمان ألا تظل سوريا في حلقة العجز المفرغة، كالناجي الذي اعتاد الاعتاش على فتات الاتكال بدلاً من التأسيس لنهوضه الذاتي.

شارك

مقالات ذات صلة