آراء
في الغُربة نكبُر يا صاح. يُعلِّمك المنفى البحث عن المعنى في الحياة. عندما تُحرَم من فضائك الأوّل وأهلك وعالَمك المعتاد الروتيني، تُعيد اكتشاف كلِّ بديهيَّاتٍ وعادات وتقاليد وأصول المجتمع الآخَر، ترى ذاتك من جديد وتحاول أن تُنتِج حلولًا لقلقك الوجودي، عَبْرَ آياتٍ قرآنيَّة تُساندك، وأدعية تُلازمك، واستعارات أدبيَّة تُطَمْئِنُك مع شطرِ بيتٍ تُحِبُّه.
الغُربة بيان عن خُلوِّك من السنَد، وهي هجرة إلى الله لو نويت بها وجه اللَّه، وهي هروب وعيش في مكانٍ آخَر، تكسب بها تعدُّد ثقافات، واحتمالات متعددة أن تكتشف عوالِم أوسع ومذاقات أروع وأفضل من قريتك التي أتيت منها. كان برنارد شو يقول: «دعه فإنَّه يَحْسَب عادات قريته قوانين العالَم». من يتغرَّب يعرف هذا المعنى جيدًا، يعرف أنَّ سلوك الناس وأذواقهم متنوعة وسعيهم شتى.
يبرع الشخص المنفيُّ في العزف على وتر التميُّز، ويُجيد رؤية الأمور عن بُعد، ويمارس استدعاء الحنين، فقد سافر المناضلون إلى أماكن بعيدة حتى يقولوا أشياء بسيطة جدًّا كان يمكن أن يحكوا عنها في بلدانهم لولا منعهم من ذلك، وهكذا منحتْنا الغُربة حُرِّية القول، وحرمتنا حميمية الأقارب وأن نكون بين أهلنا في لحظاتهم الغالية مثل قدوم مولود جديد في العائلة.
«المنفى مهنة شاقة يا صاحبي» كما يقول الشاعر ناظم حكمت، ومهنة العيش شاقة كذلك. فَرِّجْ اللهم عن المغتربين مثل الطيور المهاجرة التي لا تعود إلى أعشاشها، هؤلاء الذين حُرموا رؤية قبور آبائهم، والنظر إلى أمهاتهم، ورؤية أطفال الأشقاء يكبرون أمام أعينهم. اللهم فرجَك عن كلِّ هاربٍ من الظلم، وقلبه وحيد ومحروم من أهله وعزوته، مطرود من جنَّة الأوراق الحكومية.
أحيانًا تحدُث كسرة في قلب الشخص البعيد عن موطنه الأصلي، كأنَّه يستأذن في حضوره في مكانٍ غير وطنه. قد يجد الترحيب واللطف والأمن، لكن يسكنه دائمًا شعور أنَّه مطرودٌ من أرضه ومحروم من حقٍّ من حقوقه. أعرف هذه الحالة جيدًا وعايشت المبعَدين عن أوطانهم، لاحظت أنَّهم فئةٌ من النَّاس تقلق كلَّما اقترب موعد انتهاء الإقامات القانونية لهم!
منذ فترةٍ ضاع كتابٌ أرسله صديقي من مصر، حزنتُ على كتابي الضائع وحاولت التعزي لأنَّه قابِلٌ للشراء مرَّة أخرى، لكنَّي كنت أنتظر كلَّ كتابٍ قادم من بلدي كأنَّه برقية خاصة، وهو يعني أنَّني هناك معهم وأُتابع ما يُنشر في مصر وتُصدِره دُور الكتب، لستُ مقطوعًا من شجرة ولا منفيًّا في جزيرةٍ بعيدة عن وطني، كلُّ كتابٍ هو تلويحة يدٍ للمسافر.
في كتابه «أنا البحر» يحكي عارف حجَّاوي قصَّة واحدٍ من الهاربين، الذي ضاعت أوراقه في أعماق البحر وهرب من الصهاينة وجرائمهم في أرض فلسطين. يقول حجاوي: «وهذا رجلٌ آخَر هرب بأوراقه وهو يؤلِّف كتابًا. كان مصطفى مراد الدَّباغ في الخمسين من عمره عندما اشتد القصف على مدينته يافا بفلسطين، وطوَّقتها العصابات الصهيونيَّة. أحاط الموت بيافا بين الماء والنَّار. واختار صاحبنا الماء. ركب البحر فرارًا بِرُوحه، ولم يصحب معه سوى ستة آلاف ورقة، هي مُسوَّدة كتابه الكبير. ولم يمضِ المركب طويلًا حتى ماج البحر، فأمَرَ القبطان الرُّكاب بإلقاء كلِّ ما معهم في البحر، وإلا فهو الغرق. وابتلع البحر الكتاب. ولكن الدباغ استعان بالذاكرة، وبالمراجع التي توفَّرت له في المنفى، وأصدر كتابَ عُمُرِه “بلادنا فلسطين”. تُوفي الدَّباغ وقد جاوز التسعين ودُفن في لبنان».
طوبى للغلابة المستضعفين في الأرض، لا يُذكرون في صفقات السياسة، يسيحون في الأرض هربًا من أوضاعٍ متردية، ملح الأرض الذين تلفظهم بلادهم. تذكَّرتُ قول المفكر مالك بن نبي لبلده الجزائر وهو ذاهب إلى فرنسا: «يا أرضًا عَقوقًا، تُطعِمين الأجنبي وتتركين أبناءك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تُصبحي حُرَّة».
قال تعالى: «وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً»، ومذهب المغترب قول الشاعر:
«وخيرُ بلادِ اللَّهِ عنديَ بلدةٌ
أَنالُ بها عِزًّا وأحوي بها حَمْدَا»
وشعارُه قول الشاعر:
«في سَعَةِ الخافِقَيْنِ مُضطَرَبٌ
وَفي بِلادٍ مِن أُختِها بَدَلُ»
وأُحِبُّ هذه الأبيات للشاعر رشيد سليم الخوري وهو في غربته في البرازيل:
«أنا في غُرْبةٍ عنِ الأهلِ، لكنْ/ عنكَ، يا رَبُّ، يَسْتَحيِلُ اغترابُ
أنا طِفْلٌ، وأنتَ تحرسُ مهدي /فَلْتُكَـشِّرْ عنِ النُّيـوبِ الذئابُ».
في غُربتي أشتاق إلى شِلَّةٍ في المقهى تتجمَّع حولي من صنف الأصحاب القراء، وهذا يدفعني إلى أن أُثرثِر على وسائل التواصل الاجتماعي بجديدِ الكتب وأُشارك معهم المقالات، وعندما يبتسم الزمان وأُقابل إخواني من الأصحاب الطيبين في الدوحة الذين يُحِبُّون المعرفة، أنتعش بحضورهم وذِكْر الكتب وأتعلَّم منهم في ساعاتٍ قليلة ثمينة عندي، فكما يقول الصحفي محمد علي الطاهر: «وهل للرجال مِن متعةٍ في الدنيا مثل الحديث عن معالي الأمور مع أندادٍ يفهمونك وتفهمهم ويألفونك وتألفهم؟».
معظم ما أكتبه لَكُم أيُّها القراء الأعزَّاء عن حكايات الكتب وشجونها، التي أُحِبُّ تصفُّحها وتصوير النادر منها، لكن هذا يحجب بعض القصص الذاتية، لا أذكُر لَكُم عن قلق فوات الفُرَص -سرقتُ العنوان من الكاتب محمد العرادي- ولا أنشر عن أحزاني الصغيرة أو الكبيرة… مثلًا عن الركض اليومي لإنجاز رحلة الكتابة والتفكير في كلِّ مقالة والاستمرار في القراءة مع التزامات الحياة.
لا أذكر حزني على زجاجة العطر التي تهشَّمت أمامي، ليتني شاعر كي أُحوِّل مشاهدات الحياة إلى أبياتٍ شعرية. ولا أكتب لكم عن القلق الكامن خلف الاطمئنان، أو كربة كلِّ صاحب غربة، أو أبوح لكم عن غياب فضاء العائلة الممتدة، عن عثوري على قريب من عائلتي على صفحة الفيسبوك بالصدفة، تعرَّف إليَّ بسبب منشورٍ كتبتُه، أكتب وفي بالي المتعَبون من الدنيا، الذين يكدحون من أجل قوت أيامهم بالحلال، لا أنسى أصدقائي الذين افترقتُ عنهم في درب الحياة الطويل، ولا أستطيع نسيان المحرومين من صباحاتٍ عذبةٍ وراء الجدران السميكة.
وسببُ هذا البوح أنَّني في الصيف أسمع عن رحلات الناس في الغُربة إلى بلادها، يأتيني شعور الحنين إلى الوطن، ثمَّ أتذكَّر أنَّه لا يوجد ميناء للعودة، أنا سائح أبَدِيٌّ في دنيا اللَّه، مطرود من جنَّة الأقارب وحضور جنازات الراحلين.



