آراء

الذين لا يُعجبهم شيء!

يوليو 13, 2026

الذين لا يُعجبهم شيء!

بينما النبيُّ ﷺ يقسِمُ الصَّدقات بين النَّاس،

جاء عبد اللَّه بن ذي الخويصرة التميميَّ فقال: اِعدِلْ يا رسول اللَّه!

فقال له النبيُّ ﷺ: ويلكَ من يعدلُ إذا لم أعدِلْ!

فقال عمر بن الخطاب: دعني أضربُ عنقه يا رسول اللَّه!

فقال له النبيُّ ﷺ: دَعْه، فإنّ له أصحاباً،

يحقِرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتِه، وصيامَه مع صيامِه،

يقرأون القرآن لا يُجاوزُ حناجرهم،

يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهمُ من الرَّميَّة،

فينظر الرَّامي إلى سهمه، إلى نصله، فلا يرى شيئاً،

يخرجون على حين فرقة من النَّاسِ!

قال أبو سعيد الخدري: أشهدُ أنَّي سمعتُ هذا من رسول اللَّه،

وأشهدُ أنَّ علياً قتلهم وأنا معه،

وجيء بعبد اللَّه بن ذي الخويصرة قتيلاً،

وفيه نزل قول اللَّه تعالى: “وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ”

الدَّرسُ الأوّل:

قالت العربُ قديماً، إرضاء النَّاس غايةٌ لا تُدرك!

ولو تأمَّلتَ حال النَّاس لوجدتَ فيهم سخطاً على اللَّه،

هذا الذي لا يقنعُ برزقه،

وذاك الذي يحسدُ غيره على وظيفتِه،

وتلكَ التي تنظرُ إلى بيت فلانة،

وهؤلاء الذين ينظرون إلى ما يملكُ أولئك،

فلا تتوقعْ، وأنتَ الذي تُخطئُ وتصيبُ، أن يرضى عنك كلُّ النَّاس،

النَّاسُ لم يرضوا عن قضاء ربِّهم، ولا عن قسمة نبيهم،

فلا تتوقعْ منهم أن يرضُوا عن قسمتكَ،

لهذا لا تبحث في النَّاسِ عن رضى، وعاملهم بالمعروف،

وليكُن شُغلك كيف ترضي اللَّه فإنَّه إن رضيَ هان كلُّ شيء!

الدَّرسُ الثّاني:

الأحداثُ تتشابه في وقوعها على الجميعِ ولكن مواقفهم تتباين،

والفَرقُ بين المؤمن وغيره هو موقفه من موقفٍ ما،

لم تكن المرَّة الوحيدة التي يقسم بها النبيُّ ﷺ مالاً،

 فلا يرضى النَّاسُ عن هذه القسمة،

ولكنِّ الفاجر يزدادُ غيًّا، والمؤمن يرُدَّه إيمانه إلى الحقِّ!

قسم النبيُّ ﷺ مالاً بين قريشٍ وقبائل العرب،

ولم يُعطِ الأنصار منه شيئاً، فأزعجهم ذلك،

فجاء إليه سيدهم سعد بن عبادة وقال له:

يا رسول اللَّه، إنَّ الأنصار قد وجدُوا في أنفسهم عليكَ!

فقالَ له النبيُّ ﷺ: فأينَ أنتَ من ذلكَ يا سعد! أي ما هو رأيك؟

فقالَ: إنَّما أنا رجلٌ من قومي! أي أنا أقول بقولهم،

فقال له النبيُّ ﷺ: فاجمَعْ لي قومك!

فخرجَ سعدٌ وجمعَ الأنصار، وجاءهم النبيُّ ﷺ وقال:

أمَّا واللهِ لو شئتم لقلتم فصدقتم، أتيتنا مُكذَّباً فصدَّقناك!

ومخذولاً فنصرناكَ، وطريداً فأويناكَ، وعائلاً فأغنيناك!

أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة / حقير من الدُّنيا،

تألَّفتُ بها قوماً ليُسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم!

أفلا ترضون أن يذهبَ النَّاسُ بالشَّاةِ والبعير،

وترجعون برسول اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى رحالكم؟!

فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرءاً من الأنصار،

ولو سلكَ النَّاس شِعباً وسلكتِ الأنصار شِعباً لسلكتُ شِعبَ الأنصار!

اللهُمَّ اِرحمِ الأنصارَ، وأبناءَ الأنصار، وأبناءَ أبناءِ الأنصار!

فبكُوا حتى ابتلَّتْ لحاهم، وقالوا: رضينا برسول اللَّه قسماً وحظًّا!

يمرضُ المؤمنُ ويمرضُ الكافرُ،

فأمّا المؤمن فيعرفُ أنَّها دار ابتلاء فيصبر، وأمَّا الكافر فيتسخَّط!

ويفتقِرُ المؤمنُ ويفتقِرُ الكافر،

فأمّا المؤمنُ فيعلم أنَّ لله في كلِّ أمرٍ حكمةٍ، وأمّا الكافرُ فلا يرضى،

ويفقدُ المؤمنُ حبيباً وكذلك الكافر،

فأمّا المؤمنُ فيعلمُ أنَّ لله ما أعطى ولله ما أخذ!

وأما الكافر فيريدُ أن يُشاركَ اللَّه في قضائه وعلمه!

الدَّرسُ الثّالث:

إياك أن تُفسِّر عطايا اللَّه على هواك،

وإياك أن تُفسِّر حرمانه بسوء الظنِّ،

إذا رأيتَ من هو أغنى منكَ، وأكثر صحةً،

فلا تقُلْ: يُحبُّه اللَّه تعالى أكثر منّي!

إنَّ اللَّه سبحانه يُعطي الدُّنيا لمن يحبُّ ولمن يكره،

ولكنّه لا يُعطي الإيمان إلا لمن يُحبُّه!

إذا أردتَ أن تعرفَ الذين يُحبُّهم اللَّه أكثر منك،

فهم أولئكَ الذين أَذِنَ لهم أن يعبدوه ويطيعون أكثر منك!

وليسوا أولئك الذين راتبهم أعلى من راتبك!

وإنّما أولئك الذين قاموا إلى صلاة الفجر وأنتَ نائم!

وتصدَّقوا وأنتَ تكنز،

وبرَّوا أباءهم وأمهاتهم وأنت عاق،

وتحجّبنَ وأنتِ سافرة!

كان موسى عليه السَّلام أحبَّ إلى اللَّه من قارون،

ولكنَّ اللَّه سبحانه أعطى قارون مالاً أكثر من موسى،

وكان النبيُّ ﷺ أحبَّ إلى اللَّه من كسرى وقيصر،

ولكنَّهما كانا ينامان على الفراش الوثير،

والنبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ينام على الحصير فيُرى أثره في جنبه!

الدَّرسُ الرَّابع:

اُنظُرْ إلى هؤلاءِ الخوارج كيف يصِفُ النبيُّ ﷺ عبادَتَهُم؟!

تحقِرُون صلاتكم مع صلاتِهم، وصيامكم مع صيامهم،

ليس أنا ولا أنتَ الذين صلاتنا وصيامنا أقلّ من صلاتهم وصيامهم،

وإنِّما الصَّحابة أنفسهم!

ثمَّ اُنظُرْ إلى كثرة العبادة دون فهم ماذا تفعل؟!

اِستحلُّوا دماء النَّاسِ وأَعراضهم،

وقتلُوا خليفة المسلمين وهم يحسبون أنَّهم يتقرَّبُون إلى اللَّه بهذا،

قاتلهم اللَّه في كلِّ عصرٍ وفي كلِّ بلد،

شوَّهُوا دين اللَّه تعالى، وبغَّضُوا الإسلام إلى العباد،

فإذا سألتَ اللَّه تعالى أن يرزقكَ شيئاً،

فاِسْأله سبحانه أن يكون هذا الرِّزقُ مقروناً بالفَهم،

فإنّ كثرة المال دون حكمةِ إنفاقه وبالٌ على صاحبه،

وإنَّ الصِّحة دون حكمةِ استخدامها حُجة على صاحبها،

وإنَّ الشَّجاعة دون حكمةِ وضعها في موضعها تصبحُ تهوُّراً واعتداءً،

وإنَّ القرآن دون حكمةِ فهمه يجعلك تفسِّره على هواك،

فتقتل، وتعتدي، وتظلم وأنت تحسبُ أنّكَ تتعبَّد،

فاللهُمَّ زيِّنْ لنا كُلَّ عطاياكَ بحكمة استخدامها!

شارك

مقالات ذات صلة