آراء
عن عبد الله ابن عباسٍ قال:
لمَّا أرادَ النبيُّ ﷺ أن يخرجَ إلى غزوة تبوك،
قال للجدِّ بن قيس، وكان من المنافقين:
يا جدُّ ابن قيسٍ ما تقول في جهاد بني الأصفر/ الروم؟
فقال: يا رسول الله إني امرؤٌ صاحب نساء،
ومتى أرى نساء بني الأصفر أُفتَتَنُ،
فائذن لي ولا تفتني!
فأنزل الله تعالى قوله:
” وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ”
الدَّرسُ الأوّل:
إنهم المنافقون إيمانٌ ظاهرٌ وكُفرٌ باطن،
ورعٌ بارد وراءه قلبٍ فاجر،
ومظاهر حسنة، وأرواح مريضة نتنة،
كم صلى ابنُ سلول خلف النبيِّ ﷺ في المسجد،
فلم تنفعه صلاته هذه بشيءٍ،
لأنّه كان يصلي حفاظاً على مرتبته الاجتماعيَّةِ وليبقَ في قلب المشهد!
وكم قال الأخنس بن شريق الثقفي كلاماً جميلاً،
لو سمعتَه لقلتَ في نفسكَ: يا له من رجل،
ولكن هذا اللسان العذب كان يُخفي نفسيّةً مريضةً وقلباً كالحجر!
وفيه نزل قول ربنا: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ “
وها هو الجَدُّ بن قيس على خُطى صاحبيه ابن سلولٍ والأخنس،
يعتذرُ عن الجهاد خوف الفتنة بجمال نساء الرُّوم!
وما هو إلا الجُبن من الحرب، والخوف من الموت، وقبلها تكذيب بالنُّبوة!
الدَّرسُ الثّاني:
المؤمن مكانه حيث يريدُ له ربُّه أن يكون،
لا حيث ما يريدُ هو أن يكون،
الجنّةُ لا تُدركُ إلا بخلاف الهوى!
تخلّف الجدُّ بن قيس عن غزوة تبوك بحُجَّته الواهية،
وتخلّف أول الأمر الصحابيُّ الجليل أبو خيثمة!
وبعد مسير النبيِّ ﷺ بأيامٍ رجع أبو خيثمة إلى بستانه،
فوجد في المشهد: زوجاتٍ جميلات، فاكهة ناضجة، وماء بارد، وظلٌّ ظليل،
فقال: النبيُّ ﷺ في الرِّيح والحرِّ والشَّمس، وأنا في هذا!
فنادى على زوجتيه وقال: هيِّئا لي زاداً،
فإني أريدُ أن ألحقَ برسول الله ﷺ!
ورحل أبو خيثمة يريدُ أن يواسي حبيبه بنفسه،
فما أدركه إلا وقد وصل إلى تبوك وعسكر بالجيش،
وهو قادم إليهم من بعيد رآه المسلمون ولكنَّهم لم يتحققوا من هويته،
فجعلَ النبيُّ ﷺ يقول: كُنّ أبا خيثمة!
فلما وصل قالوا: يا رسول الله، هو واللهِ أبو خيثمة!
هناك دوماً فرصة لتصحيح الخطأ،
وأن تصِلَ متأخراً خير من ألا تصل أبداً!
وأن تكون ذنَباً في الحقِّ خير من أن تكون رأساً في الباطل!
فلا تخجلْ من إدراك الحقِّ إن سبقكَ الناس إليه،
ولا تستثقِل الخروج من الباطل إن بدا لكَ أنه باطل،
إنَّ أرقى أنواع الخجل أن يخجل المرءُ من ربِّه!
الدَّرسُ الثّالث:
في السّيرة النبويّة عِبرة، فاعْتبِرْ،
المواقف والأحداث ليستْ مادةً قصصيّةً تُروى وإنْ كانتْ ممتعة،
وإنّما هي دروسٌ للحاضر فالنَّاسُ هم النَّاسُ في كل عصر،
المنافقون في المدينة كانوا من وُجهاء النَّاس،
وإنّك لو رأيتهم لغبطَّتهم على هيئاتهم وأموالهم ومنازلهم عند النَّاس،
ولكنك متى عرفتَ حقيقتهم حمدتَ الله أنك لم تكن مثلهم،
يُحدِّثنا النبيُّ ﷺ عن امرأة من بني إسرائيل،
كانت تُرضع ابناً لها، فمرَّ بها فارس مُهاب،
فقالتْ: اللهُمَّ اجعلْ ابني مثله!
فتركَ ثديها وقال: اللهُمَّ لا تجعلني مثله!
ثم عاد إلى صدر أمه يرضع!
ثُمَّ مرُّوا بأَمَةٍ يضربونها،
فقالتْ: اللهُمَّ لا تجعل ابني مثلها،
فترك الرضيع ثدي أمه وقال: اللهُمَّ اِجعلني مثلها،
فقالتْ الأمُّ: ولِمَ ذاك؟
فقال: الفارس جبّار من الجبابرة، والأَمة يقولون لها سرقتِ وزنيتِ، ولم تفعل!
بأبي هو وأمي نُصدِّقه فيما يروي وإن استثقله العقل!
فلا تغبِطْ أصحابَ الأموال حتى ترى دينهَم أوّلاً،
ولا تغبط أصحابَ المراكز حتى ترى أخلاقَهُم أوّلاً،
ولا تغبط ْأصحابِ الجاهِ والمرتبةِ حتى ترى عبادتَهُم أوّلاً،
معايير النَّاس في وادٍ ومعايير الله في واد،
ورُبَّ أشعث أغبر، ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لا يُأبه له،
ولو أقسمَ على اللهِ لأبرَّه!