مدونات
كمال عيشة
في دمشق ينامُ الغريبُ على ظلّه واقفاً مثل مِئْذَنَةٍ في سرير الأَبدِ لا يحنُّ إلى أحدٍ أو بلدٍ. هكذا وصف محمود درويش زوَّار تلك المدينة العريقة، بكلماتٍ تضعنا مباشرةً أمام جوهر دمشق العصي على الفناء، وتختزل عمقاً إنسانيًّا يمتدُّ في عروق التاريخ قبل أن يُخطَّ في دفاتر الشعراء.
إنَّها سُرّة الأرض، تلك البقعة المباركة التي شكَّلت عبر العصور ملتقى القوافل التجارية بين القارات الثلاث، ومحطّ أنظار الإمبراطوريات المتعاقبة، إنَّها البلاد التي كانت دوماً حجر الزاوية ومفتاح الاستقرار في الشرق الأوسط، تعيد اليوم تذكير العالم بوزنها الاستراتيجي والجغرافي.
لقد عاشت المنطقة العربية عقوداً تحت وطأة معادلة جعلت من دمشق عقدة الوصل الأساسية في محور ممتد من طهران إلى ضاحية بيروت الجنوبية، غير أنَّ أحجار الدومينو في هذا الجسد الممتد تداعت بتسارعٍ لافت مع غياب الهيكل القديم وتراجع النفوذ الإقليمي المرتبط به، مُفرزةً واقعاً جديداً أعاد رسم الملامح السياسية والاقتصادية لدول الجوار والمنطقة.
عندما تحرَّكت أجنحة الفراشة في دمشق، معلنةً طي صفحة النِّظام القديم وتولّي السلطة الحالية إدارة المرحلة بعباءةٍ سياسية ورؤية جديدة؛ صاغت فيها حزمة من القرارات الاستراتيجية الذكية مع الاستدارة نحو الواقعية وتغليب المصالح المتبادلة على الشعارات القديمة. تلك الحركة المدروسة أطلقت عاصفة من التحوُّلات الهيكلية في الإقليم وتكفَّلت بإعادة ترتيب أوراقه وتوازناته.
تجلّت أولى أصداء تلك الارتدادات في الداخل اللبناني، الذي وجد نفسه فجأة وبقوة الواقع، مدفوعاً لإنتاج توازنات سياسية جديدة. لقد تحرَّر القرار اللبناني من المظلَّة الأمنية والعسكرية التي كبّلته لسنواتٍ طويلة كعمقٍ استراتيجي للمحور القديم؛ ممَّا فتح الباب لمسارٍ حقيقي لاستعادة الدولة سيادتها وصياغة معادلاتها الوطنية بقرارٍ مستقل نابع من قلب بيروت، بعيداً عن الإملاءات الخارجية من وراء الحدود.
وامتدَّت هذه الارتدادات شرقاً نحو بغداد، التي وجدت نفسها بالتزامن أمام استحقاق أمني وسياسي حتمي أجبرها على إعادة قراءة حدودها الغربية بمنظورٍ مختلف تماماً. فرضَ غياب المحور الأيديولوجي السَّابق على صانع القرار العراقي ضرورة التحرُّر من استقطابات المحاور، والالتفات نحو تعزيز الهويَّة الوطنية، وتعميق التقارب الاستثماري والسياسي مع محيطه العربي؛ ملئاً للفراغ الناشئ وحمايةً للمصالح الحيوية العراقية الشاملة.
ومع انقشاع غبار هذا التحوُّل الكبير، برهنت دمشق في ثوبها الجديد على أنَّ جغرافيتها ما تزال تملك حقَّ الفيتو على استقرار المنطقة؛ إذ شكَّلت تحركاتها الحازمة لتثبيت الأمن وضبط الحدود رسالة بليغة لعواصم الجوار، مفادها أنَّ أمن الشام هو خط الدفاع الأول عن أمن المشرق برمتّه.
عندما تبدَّلت النظرة العربية والغربية تجاه دمشق من بؤرة تهديد إلى شريك استقرار، غادر العقل السياسي العربي مربع إدارة الأزمات ومحاولة احتواء الشرر السوري المتطاير، مندفعاً نحو مربع الشراكة الاستراتيجية لبناء خطوط تجارة وطاقة تربط الخليج بالبحر المتوسط. كشفت الجغرافيا السورية عن وجهها الحقيقي كجيواقتصاد هام للمنطقة؛ لأنَّها تاريخيًّا هي الجسر البري الأول الذي يربط الخليج العربي ومصر بتركيا وأوروبا. إنَّ تدفُّق منطق الأرقام والمصالح وسلاسل التوريد أعاد صياغة المشهد عبر ثلاث تحوُّلات جوهرية: أولها إحياء الجسر البري وخفض كلفة اللوجستيات، حيث أنهت التطوُّرات الأخيرة عزلة تجارية قاسية فرضت على الشحنات التجارية لسنوات مسارات بحريّة طويلة ومكلفة. إعادة تشغيل معبر نصيب جابر في الجنوب، ومعابر الشمال مع تركيا، اختصرت زمن رحلة البضائع من أسابيع عبر البحر إلى أيام معدودة عبر البر المباشر، ممَّا قلَّص كلف الشحن والتأمين ومنح السلع ميزة تنافسية عالية في الأسواق الاستهلاكيَّة.
ثانيها طوق النَّجاة للجوار المأزوم (لبنان والأردن): في لبنان استعادت القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية منفذها البري الوحيد والأوكسجين التجاري نحو الأسواق الخليجية والعراقية. وفي الأردن عادت الحياة إلى قطاع الشحن والخدمات اللوجستية، واستردت المنطقة الحرة المشتركة عافيتها ونشطت الحركة التجارية في المدن الصناعية الأردنية.
ثالثها النافذة المتوسطية لمحور بغداد–دمشق: تأمين المعابر الحيوية كمعبر القائم في البوكمال، منح بغداد خياراً استراتيجيًّا وثميناً عبر وصول مباشر وسلس إلى الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط كاللاذقية وطرطوس، مما قلَّل من الاعتماد التقليدي على موانئ الخليج أو المسارات التركيَّة المعقدة، مشكّلاً تبادلاً تجاريًّا يتكئ على ثقل سكاني واقتصادي متكامل.
وامتد الاستقرار السوري ليمنح الضوء الأخضر لمشاريع الطاقة الكبرى المعطلة، وفي مقدمتها خط الغاز العربي لنقل الغاز والكهرباء من مصر والأردن عبر سوريا، وصولاً إلى شبكات الربط الإقليمية، مما يعيد صياغة أمن الطاقة في المنطقة بأكملها.
هذا المناخ الجديد وملامح الاعتدال السياسي والبراغماتيَّة الإيجابية التي بادرت بها دمشق، حوّلت البلاد سريعاً إلى أرض واعدة لجذب رأس المال الخليجي والعربي الباحث عن فرصٍ استثمارية ضخمة؛ فإعادة الإعمار في قطاعات التطوير العقاري، البنية التحتية والطاقة المتجددة والزراعة، تحوَّلت من مجرَّد أمنياتٍ إلى ورشة عمل إقليمية كبرى تخلق فرصاً هائلة لشركات المنطقة برمتها.
إنَّ هذه التحوُّلات الكبرى تؤسس لمرحلةٍ جديدة من الواقعية السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط. مرحلة يتراجع فيها منطق المحاور الأيديولوجية المتصارعة وحروب الوكالة، أمام لغة الأرقام والمصالح المشتركة وسلاسل التوريد الآمنة.
لقد أثبتت حركة التاريخ أنَّ رفرفةً واحدة في دمشق قادرة على إعادة ترتيب الإقليم بأكمله، وكأنَّ تلك المئذنة التي رآها درويش واقفة في سكون التاريخ، كانت ترصد ملامح فجر جديد قادم للمنطقة، يعود معه التوازن المفقود إلى قلب المشرق العربي برمتّه.
