مجتمع

برحيل الأمير الوالد.. السوريون يستذكرون قائداً انحاز إلى ثورتهم

يوليو 12, 2026

برحيل الأمير الوالد.. السوريون يستذكرون قائداً انحاز إلى ثورتهم

رحل الأمير الوالد لدولة قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لكنَّ رحيله أعاد إلى ذاكرة السوريين أكثر من مجرَّد سيرة قائدٍ قاد نهضة بلاده الحديثة، أعاد استحضار مرحلة كاملة ارتبط فيها اسمه بأحد أكثر المواقف العربية وضوحاً تجاه الثورة السورية.

ففي وقتٍ فضّل فيه كثيرون الانتظار، أو التزام الصمت، أو البحث عن تسوياتٍ مع نظام الأسد البائد، اختارت الدوحة بقيادة الشيخ حمد أن تعلن منذ الأشهر الأولى انحيازها إلى مطالب السوريين في الحرية والكرامة، وأن تجعل من موقفها السياسي والدبلوماسي امتداداً لذلك الانحياز.

لم يكن ذلك الموقف عابراً أو مرتبطاً بحساباتٍ ظرفية، بل تحوَّل إلى سياسةٍ استمرت سنوات، تجسَّدت في تحركات داخل جامعة الدول العربية، ودعم سياسي للمعارضة السورية، ومساندة إنسانيَّة لملايين السوريين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح واللجوء، فضلاً عن رفض إعادة تأهيل نظام بشار الأسد قبل الوصول إلى حلٍّ سياسي يحقق تطلعات السوريين.

وبالنسبة لكثير من السوريين، لا يُستحضر اسم الشيخ حمد بن خليفة اليوم باعتباره أميراً سابقاً لدولة خليجية فحسب، بل باعتباره أحد القادة العرب الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلةٍ مفصلية من تاريخ سوريا الحديث. مرحلةٌ انقسمت فيها المواقف، وتبدلت فيها التحالفات، بينما بقي الموقف القطري، الذي أسسه الأمير الوالد، ثابتاً في دعمه لحقِّ السوريين في تقرير مستقبلهم.

ومع إعلان وفاته عن عمرٍ ناهز 74 عاماً، يعود هذا الإرث السياسي إلى الواجهة، ليس بوصفه محطة في تاريخ قطر وحدها، وإنَّما باعتباره جزءاً من الذاكرة السورية أيضاً، ذاكرة تحتفظ بمواقف من وقف إلى جانبها في أكثر سنواتها قسوة، وتستعيد اليوم سيرة رجل ارتبط اسمه، في وجدان كثيرين، بأحد أكثر المواقف العربية حضوراً وثباتاً تجاه قضيتها.

حين كسر الأمير الوالد الصمت العربي

مع اتساع رقعة مطالب الشعب السوري بداية الثورة عام 2011، برز الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بوصفه أحد أوائل القادة العرب الذين انتقلوا من الدعوات العامة إلى مواقف سياسية معلنة تجاه ما يجري في البلاد، ففي وقتٍ كانت غالبية العواصم العربية تتعامل بحذرٍ مع الثورة، أعلن الأمير الوالد أنَّ المعالجة الأمنيَّة لم تعد قادرة على احتواء الأزمة، داعياً إلى تحرك عربي يوقف نزيف الدم ويفتح الطريق أمام حل سياسي يستجيب لتطلعات السوريين.

ولم يقتصر هذا الموقف على التصريحات، بل انعكس في التحرُّكات الدبلوماسية التي قادتها الدوحة داخل جامعة الدول العربية، حيث كانت قطر من أبرز الدول التي دفعت باتجاه اتخاذ موقف عربي موحَّد من الأزمة السورية، وصولاً إلى تعليق عضوية النظام السوري في الجامعة العربية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، بعد أشهر من تصاعد أعمال العنف ضدَّ المدنيين.

كما شكَّل موقف الأمير الوالد تحوُّلاً لافتاً في الخطاب السياسي العربي آنذاك، إذ لم ينظر إلى ما يجري في سوريا بوصفه أزمة داخلية فحسب، بل اعتبر أنَّ استمرار القتل بحقِّ المدنيين يفرض على الدول العربية مسؤولية أخلاقيَّة وسياسية لا يمكن تجاهلها.

ومن هذا المنطلق، تحوَّلت الدوحة إلى واحدةٍ من أكثر العواصم حضوراً في الجهود الإقليمية الرامية إلى دعم تطلعات السوريين، سواء عبر التحرُّك السياسي أو من خلال الدفع نحو مواقف عربية أكثر حزماً.

في الدوحة.. أدركت أنَّ العلاقة مع السوريين أكبر من السياسة

حين زرت دولة قطر بدعوة رسمية قبل أشهر، كنت أظنُّ أنَّني سأتعرف إلى بلدٍ نجح في بناء تجربة تنمويَّة استثنائيَّة، لكن ما لفت انتباهي أكثر كان تلك المساحة التي تحتلها سوريا في وجدان القطريين.

لم أشعر، في لقاءاتي مع المسؤولين أو الإعلاميين أو المواطنين، أنَّني قادمٌ من بلدٍ بعيد أو من ملف سياسي معقَّد، بل من وطنٍ يعرفونه جيداً ويحملون له قدراً كبيراً من المحبة والاحترام.

في تلك الزيارة، بدا واضحاً أنَّ الموقف الذي اختطه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تجاه السوريين لم يكن مجرَّد قرارٍ سياسي ارتبط بظروف مرحلة معينة، بل تحوَّل مع مرور السنوات إلى نهجٍ استمرت عليه دولة قطر بقيادة الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فمنذ اندلاع الثورة السورية، بقيت أبواب التواصل مفتوحة مع السوريين، سواء عبر الدعم الإنساني الذي قدَّمته المؤسسات والمنظمات القطرية، أو عبر مساندة مؤسسات المعارضة والحكومة السورية المؤقتة، أو من خلال الموقف السياسي الذي حافظ على ثوابته رغم تغير مواقف كثير من الأطراف الإقليمية.

وما لمسته هناك أنَّ هذه العلاقة لم تُبنَ على لغة المصالح وحدها، وإنَّما على شعورٍ صادق بأنَّ السوري شقيق قبل أن يكون قضية سياسية، ربما لهذا السبب لم يكن الحديث عن سوريا في قطر حديثاً عن أزمة عابرة، بل عن شعبٍ يستحق أن يعيش بكرامة، وعن مسؤولية أخوية لم تنقطع رغم تعاقب السنوات.

وأنا أكتب هذه السطور بعد رحيل الأمير الوالد، أستعيد تلك المشاهد أكثر ممَّا أستعيد البيانات والمواقف الرسمية. فالعلاقات الحقيقية لا تُقاس بما يُكتب في الوثائق، بل بما يتركه الناس في نفوس بعضهم بعضاً، ومن هذا المنطلق، أتقدَّم بخالص التعازي إلى دولة قطر، قيادةً وشعباً، برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، سائلاً اللّه أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يديم على الشعب القطري الشقيق أمنه وازدهاره، وأن تبقى أواصر الأخوة التي جمعت الشعبين السوري والقطري راسخة كما عرفناها في أصعب السنوات.

ويبقى أثر المواقف

برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوي قطر صفحة أحد أبرز صناع نهضتها الحديثة، فيما يستعيد السوريون اسماً ارتبط في ذاكرتهم بسنواتٍ كانت فيها المواقف تُقاس بقدر ما تحمله من ثبات، لا بقدر ما تحققه من مكاسب سياسية.

قد تختلف القراءات حول أحداث المنطقة، لكن ما بقي راسخاً في الذاكرة السورية أنَّ الدوحة، منذ السنوات الأولى للثورة، اختارت أن تنحاز إلى الشعب السوري، وأن تحافظ على هذا النهج رغم التحوُّلات التي شهدها الإقليم، ولم يتوقف هذا المسار مع انتقال الحكم إلى الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بل استمر في صور مختلفة، سياسياً وإنسانياً، وصولاً إلى دعم سوريا في مرحلتها الجديدة بعد سقوط نظام الأسد البائد، انطلاقاً من رؤية تقوم على احترام إرادة السوريين وحقهم في بناء دولتهم.

ولعلٌَ القيمة الحقيقية للمواقف لا تظهر في لحظة إعلانها، وإنَّما في قدرتها على الصمود أمام تغير الظروف.

وهذا ما جعل العلاقة بين السوريين وقطر تتجاوز حدود البيانات الرسمية والتحالفات السياسية، لتغدو علاقة نسجتها سنوات من الوقوف إلى جانب شعبٍ عاش واحدة من أكثر المآسي قسوة في التاريخ الحديث.

واليوم، بينما تودع قطر أميرها الوالد، يشاركها كثير من السوريين هذا الحزن، وفاءً لرجلٍ ارتبط اسمه في ذاكرتهم بمرحلةٍ شعروا فيها أنٌ قضيتهم لم تكن وحدها، فترحل الشخصيات، وتتعاقب الدول والعهود، لكنَّ المواقف الصادقة تبقى جزءاً من ذاكرة الشعوب، وتظلُّ شاهدة على أصحابها، مهما مضى الزمن.

 

شارك

مقالات ذات صلة