آراء

طه حسين عميد الأدب.. كيف يخاطب السُّلطة؟

طه حسين عميد الأدب.. كيف يخاطب السُّلطة؟

مدخلي للحديث عن طه حسين هو كتاب جديد بعنوان «خُطَب طه حسين المجهولة»، لأنَّ الخُطَب والرسائل هي استكمالٌ للسيرة الذاتية للكاتب بشكلٍ ما، والسؤال: مِن أين ظهرَت هذه الخُطب؟ يوضّح المؤلف سامح الجباس الذي جمع هذه الخطب أنَّ الدكتور طه حسين كان عضوًا في مَجْمَع فؤاد الأول للُّغة العربية (مجمع اللغة العربية في ما بعد)، وكان يُلقي فيه خُطبًا في بعض المناسبات، وكانت هذه مفقودة، لمْ يجمعها الدكتور طه حسين في حياته، وربما نسيَها لكثرتها، ولم يهتمَّ أحدٌ ممَّن جاؤوا بعده، أو ربَّما -وهذا هو الأغلب- لا يعرف أحدٌ بوجودها.

ولأنَّ الكاتب الجبَّاس يؤمن أنَّ الكتابةَ يجب أن تكون «مغامرة»، فقد بحث طَوال شهورٍ عن هذه الخُطب المجهولة المفقودة، وهو يُقِرُّ بأنَّه لقي صعوباتٍ كثيرة، وعوائقَ متعدِّدة، فأنْ تبحثَ في عام 2025 عن خُطبةٍ ألقاها الدكتور طه حسين منذ 97 عامًا مثل خطبته في تأبين السياسي عبد الخالق ثروت عام 1928، فهذا أشبه بمهمَّةِ عالِم الآثار الذي يبحث عن مقابرَ فرعونيَّة مجهولة المكان وسط صحراءَ لا حدودَ لها.

طه حسين ورثاء عبد الخالق ثروت

عندما قرأتُ هذه الخُطب أعجبني فصل رثاء عميد الأدب طه حسين لرئيس الوزراء عبد الخالق ثروت، وهو الذي أهداه طه حسين كتابه «في الشعر الجاهلي»، يكتب له في الإهداء: «سيدي صاحب الدولة، كنتُ قبل اليوم أكتبُ في السياسة، وكنتُ أجدُ في ذِكْرك والإشادة بفضلك راحةَ نفسٍ تُحِبُّ الحق، ورضا ضميرٍ يُحِبُّ الوفاء. وقد انصرفتُ عن السياسة، وفرغتُ للجامعة، وإذا أنا أراك في مجلسها كما كنتُ أراك من قبل، قويَّ الرُّوح، ذكيَّ القلب، بعيدَ النظر، مُوَفَّقًا في تأييد المصالح العلميَّة توفيقَك في تأييد المصالح السياسيَّة. فهل تأذنُ لي أن أُقدِّم إليك هذا الكتابَ، مع التحيَّة الخالصة والإجلال العظيم؟».

كان رئيس الوزراء عبد الخالق ثروت يعطف على طه حسين ويحميه ويحفظه من بطش الدولة حينما فتحت النيابة تحقيقًا في كتابه عن الشعر الجاهلي، ويَحُول دون استقالته من الجامعة، ويتلطف معه أشد التلطف.

لاحظتُ خلال قراءة هذه الخُطَب والرسائل أنَّ طه حسين رغم خلفيته البسيطة من أُسْرة فقيرة من فلاحي الصعيد، يبهرني في توظيف قدراته الأدبية ليكون موظفًا بيروقراطيًّا مرموقًا، ويندمج في جهاز الدولة ليصبح وزيرًا للمعارف وعميدًا لكلية الآداب.

في مراسلات طه حسين مع هذه الطبقة من السُّلطة وحديثه عنها، حديث الصديق الذي يعرفهم جيدًا، على عكس صعلكة زكي مبارك، وتمرُّد العقَّاد الذي سبَّ الملك فؤاد في البرلمان وهدَّد بتحطيم رأسه لو مسَّ الدستور، وعلى النقيض من تواضع المازني وبُعده عن المناصب.

لقد اندمج طه حسين المثقف في ملفات إدارة الدولة، ويكفي مثالًا ما ورد في كتاب «النهضوي الأخير: طه حسين وبناء المؤسسات في مصر» من تأليف د. حسام أحمد، إذ يُظهِر هذا الكتاب صورة مختلفة مميَّزة لهذا الموظف ومعاندته النزعة الفرانكفونية ومناكفاته مع فرنسا في ملفِّ التعليم في شمال إفريقيا.

خُذ مثلًا رثاءه لرئيس الوزراء عبد الخالق ثروت وحديثه عنه: «كان ثروت هو الذي قدَّمني إلى الجمهور حين بدأتُ التدريس في الجامعة. وما كان أشدَّ الأثر الذي تركتْه في نفسي خطبةُ التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ، ووقف، فقدَّمني إلى الجمهور في لفظٍ عذب كلُّه تشجيعٌ، وحثٌّ على العمل والجهد.

ثمَّ كانت بيني وبين الجامعة خصومة، فكان -رحمه الله- أعطفَ أهل الجامعة علَيَّ، وأرفقَهم بي، وأشدَّهم إلحاحًا علَيَّ في ألَّا أخلِط بين العِلْم والمنفعة، وفي ألَّا تكون المصاعب الماديَّة -مهما تشتدُّ وتشُقُّ- صارفًا لي عمَّا أنا فيه من الدرس والجهد… وكان لثروت -رحمه الله- قدرةٌ شديدة الخطر على الإقناع، فكان إذا جادلكَ لم يلبث أن يتسلَّط عليك، ولا سيَّما حين يجادلك في أمرٍ يمَسُّك خاصة، لأنَّه كان في هذا الجدال صريحًا مخلصًا، تحسُّ منه -في غير شكٍّ- أنَّه يُنكِر نفسه، ولا يعرف إلا إيَّاك، وإلا منفعتك، فلا تستطيع أن تقاومه، ولا أن تأبى عليه.

كنتُ أعرف منه هذا، فكنتُ أُحِبُّه، وكنتُ أخشاه، وكنتُ إذا أصررتُ على شيءٍ من الأمر حاولتُ -جهد الطاقة- ألَّا يُجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه.

أذكُر أني استقلتُ ذات يوم من مجلس الجامعة لخلافٍ كان بيني وبينه -رحمه الله- في مادَّة من مواد لائحة الجامعة، واستقلتُ في أثناء الجلسة، فكلَّف مَن كلَّمني في أن استردَّ استقالتي، فأبَيْت، فانتقل من مكانه حتى انتهى إليَّ وهمس في أذني: “لا أطلب منك أن تستردَّ استقالتك، وإنَّما أطلب منك أن تُرجئها حتى نتكلَّم”.

قلت: “فأنا أخشى أن نتكلَّم”، قال: “فأنا آبَى أن تستقيل”، قلت: “إن كان الأمر على هذا النحو فأنا مُذعِنٌ لما تريد”، قال: “أنا لا أُحِبُّ الإذعان، وليس من شأنك أن تُذعِن”.

أفتظنُّ أنَّ من اليسير أن تقاوم رجلًا كـثروت كانت له مكانتُه، وهو يتحدَّث إليك هذا الحديث؟ رحم اللَّه ثروت. كيف أستطيع أن أنساه، أو أن أُقدِّر أنَّ ذِكره قد يضعُف في نفسي -يومًا ما- وأنا لا أكاد أذكُر حادثةً من حياتي منذ رجعتُ من أوروبا إلا ذكرتُ ثروت وأثرَه فيها؟».

ومِن كتاب «خطب طه حسين المجهولة» علمت حصول محمد مصدق رئيس وزراء إيران على الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة عام 1951، عندما ألقى طه حسين خطبة الاحتفال في الجامعة بمناسبة تكريمه، كان هذا قبل الانقلاب عليه لاحقًا بسبب تأميمه للنفط الإيراني، وهو الانقلاب الذي دبَّرته المخابرات الأمريكية والبريطانية.

طه حسين في رسائله

عندما كنت أقرأ في كتاب «طه حسين: وثائق أدبية» لنبيل فرج، الذي يحوي نماذج مختلفة لرسائل طه حسين، لمستُ مجددًا نفس الفكرة في هذا الكتاب، أيّ قدرة طه حسين على مخاطبة الوزراء وحل مشكلاته مع الدولة، ممَّا لا نراه في سيرته «الأيام»، فالرسائل الشخصية تكمل رؤيتنا لسيرته الحياتية.

يترفق طه حسين في عباراته ويتودد إلى الوزير، خصوصًا في أثناء فترة تحقيق النيابة معه على كتابه «في الأدب الجاهلي»، يُرسِل إلى عبد الحميد باشا بدوي مثلًا: «سيدي صاحب السعادة… أراني خرجت عمَّا كنت أريد، فقد كنت أريد أن أُهدي إليك تحيَّتنا وشُكرنا فإذا أنا أدَعُ هذا كلَّه إلى شيءٍ من الشكوى أو ممَّا يشبه الشكوى، وما إلى هذا قصدت. وما علَيَّ في هذا لوم، وإنَّما أنت وحدك الملوم، فقد عوَّدتَني مودةً وعطفًا واحتمالًا لثرثرتي وتجاوزًا عن إسرافي، أطمعتَني فيك، وما أُحِب أن ينقطع هذا الطمع».

قلتُ: يبدو أنَّ الوزير طلب من طه حسين الصمت حتى تعبُر عاصفة التحقيق معه. يقول طه في رسالته عن هذه الفترة الصعبة من حياته: «ولقد عوَّدتُك الطاعة والنزول عندما تُحِبّ، فثِق أني سأنزل هذه المرَّة أيضًا عندما تريد، فلا أكتب ولا أُساجِل وإن كنت شديد الكره لهذا الصمت شديد الازدراء لهذه العاصفة، وللمنصب الذي يمكن أن تأتي عليه أن أشتد هوجها، ولكنِّي سأوثِر الصمت طاعةً ليس غير».

نرى في الكتاب رسالة أخرى لنجيب بك الهلالي رئيس الوزراء المصري، تفيض بالودِّ والعطف على صاحب السعادة الوزير، حتى إنَّها تُشفِق عليه من حرارة القيظ في مصر، إذ يذكر طه حسين في رسالته: «أكتب إليك بعد أن منعت نفسي من ذلك أيامًا، فلو قد طاوعتها لوصلت إليك منِّي كتب يقفو بعضها أثر بعض، ولكنَّك رجل مشغول بالتحقيق، مُعنى بأثقاله ومتاعبه والحرّ في مصر شديد، وأخشى أن أكتب إليك أن أُضيف أثقالًا على أثقال، وأن يحمل كتابي لفحةً من لفحات هذا القيظ المحرق، فيمسك منه أذى لا أُحِبُّه لك».

الرسالة مكتوبة بقلم التودُّد والعطف على مشاعر الوزير، والانطباع الذي تخرج به من بعض وثائق طه حسين ورسائله أنه مثقَّف يعرف ممارسة السياسة وطُرقها وأساليب التعبير ومخاطبة رجال هذه الطبقة، على عكس مشاغبات الأدباء، فقد كانت عين طه حسين ترنو إلى مناصب الدولة.

طه حسين الكاتب

يقول طه حسين في سيرته المميَّزة «الأيام»: «وإذًا فقد أخذ اللقمة بكلتا يديه وغمسها من الطبق المشترك ثمَّ رفعها إلى فمه. فأمَّا إخوته فأغرقوا في الضحك، وأمَّا أمه فأجهشت بالبكاء، وأمَّا أبوه فقال في صوتٍ هادئ حزين: “ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بُني”. وأمَّا هو فلم يعرف كيف قضى ليلته.

من ذلك الوقت تقيّدت حركاته بشيء من الرزانة والإشفاق والحياء لا حدَّ له. ومن ذلك الوقت عرف لنفسه إرادة قوية. ومن ذلك الوقت حرم على نفسه ألوانًا من الطعام لم تُبَح له إلّا بعد أن جاوز الخامسة والعشرين. حرم على نفسه الحساء والأرز وكلَّ الألوان التي تُؤكل بالملاعق، لأنَّه كان يعرف أنّه لا يحسن اصطناع الملعقة، وكان يكره أن يضحك إخوته، أو تبكي أمه، أو يُعلّمه أبوه في هدوء حزين»، انتهى الحديث الشجي لطه حسين.

يُعلِّق الكاتب محمد سيد كيلاني في كتابه «طه حسين الشاعر الكاتب»: «إذا تحدّث طه حسين عن أمرٍ يتعلَّق بآفته فإنَّه يُثير في نفوسنا الألم ويستدرّ العطف والشفقة، وقد يُسيل العبرات، هو بصفةٍ عامةٍ يُجيد تصوير المواقف المؤلمة تصويرًا يترك في نفس القارئ أثرًا عميقًا، حتى لكأنَّنا شاهدنا ما شاهد، وحضرنا هذه المواقف المؤلمة، ولمسنا كلَّ شيءٍ فيها، ورأيناه رأي العين. ومَن ذا الذي يقرأ حديثه عن أخته الصغيرة ومرضها ووفاتها ولا يجزع؟ ومَن ذا الذي يقرأ ما كتبه عن أخيه وإصابته بالكوليرا واشتداد الألم عليه ووفاته، وما أصاب أمه وأباه من حزنٍ عظيم، ولا يتأثر إلى أبعد حدود التأثر؟».

الحديث عن طه حسين يُذكِّرني بما نقله الناقد والكاتب إبراهيم مضواح الألمعي من مقدمة كتاب «أدب الزيات في العراق» لجمال الدين الألوسي، حيث قارن بين الزيات وطه حسين والعقاد، يقول الألوسي: «والزيات أقوى الثلاثة أسلوبًا، وأوضحهم بيانًا، وأوجزهم مقالة، وأنقاهم لفظًا، يُعْنى بالكلمة المهندَسة، والجملة المزدوَجة، وعند الكثرة الكاثرة هو أكتب كُتّابنا في عصرنا».

الآن لا بدَّ لك أن تتساءل: أين مكان طه حسين بين كُتّاب عصره؟ وأستعير إجابة الناقد محمد سيد كيلاني في كتابه «طه حسين الشاعر الكاتب» حيث يذكر ما قاله العلماء في تعريف البلاغة: «لقد عرَّفوا البلاغة بأنَّها إيراد المعنى الكثير في اللفظ القليل، وكتب أحد الأدباء لصديق له: اعذرني إنْ أطلتُ فلم أجد وقتًا للإيجاز. ومن المعروف أنَّ طه لا يَكتب وإنَّما يُملي، والوقت أمامه محدود لأنَّ كاتبه لا يمكن أن يُلازمه بصفة مستمرة، ولأنَّ لديه ما يشغله من أعمال الوظيفة واللجان التي يشترك في عضويتها. هو متكلم ولكنَّه ككاتب يُعتبر من رجال الطبقة الثانية.

خُذ كتابًا من كتبه واقرأ منه صفحةً واحدة، فإنَّك تستطيع أن تحذف سطورًا كثيرة من هذه الصفحة دون أن تفقد شيئاً من المعنى الذي قصد إليه الكاتب أو تخطئه، ثمَّ حاول أن تفعل ذلك مع كاتبٍ مثل محمد حسين هيكل فلن تستطيع أن تحذف كلمةً واحدة دون أن يختلَّ المعنى. فالكلام عنده بقدر المعنى، وليس هكذا عند طه حسين. وليست العبرة بكثرة النتاج، وإنَّما العبرة بقيمته».

هذه السياحة في عالَم طه حسين توضِّح أنَّ الخطب والرسائل الشخصية مادة ثرية للقارئ بعيدًا عن السيرة الرسميَّة، وتكشف لنا أيضًا مهارة طه حسين في مخاطبة السُّلطة بعيدًا عن أعين الرقباء في رسائله الشخصية التي تفيض بالودِّ والاحترام والتقدير للوزراء والسادة المسؤولين.

شارك

مقالات ذات صلة