آراء

#كذبوا_عليكم.. أم كذبنا على أنفسنا حين ظنناكم مُصدِّقين؟

يوليو 20, 2026

#كذبوا_عليكم.. أم كذبنا على أنفسنا حين ظنناكم مُصدِّقين؟

أريدُ أن أشارك في هاشتاق #كذبوا_عليكم، لكنَّني حقيقةً لا أعرف من أنتم لأخاطبكم، وهل كنتم سابقاً تصدقوننا فتغيَّرَ الأمر حينما كذبوا عليكم، وهل كنتم فاعلين شيئاً حينما صدقتمونا على اعتبار هذا سابقاً، فما عدتم تفعلونه الآن.

الحقيقة لا أعرف على من ستعود (عليكم)، لكنَّني أعرف تماماً مَنْ نحن ..
أكثر من 1000 يوم على الإبادة، آخرها كان استشهاد شابٍّ من عائلتي اسمه (صالح)، يحدِّثني الأقارب أنَّه كان ذاهباً لمدينة غزَّة، لكنَّ صديقه استوقفه ليشارك في تشييع جنازة شهيد، وحين شاركَ في الجنازة قُصِفَ المشيِّعون فاستُشهد، قبل 1000 يومٍ من الآن، كنت سأستغرب قليلاً من رواية هذه القصَّة، وكنت سأقول عبر عقلي الباطنيّ، ليت صديقه لم يوقفه ليذهب إلى الجنازة، ليته لم يقرِّر تغيير رأيه، لكنَّني تجاوزت هذه الحلقات السينمائية في مخيِّلتي، وانتهت تماماً منذ أن أدركت (إنَّا كلَّ شيءٍ خلقناه بقدر)، كلُّ شيءٍ أي (الزمان، المكان، المكالمة الأخيرة، الاقتراح الأخير، تغيير رأيك لتسلك شارعاً آخر) كلُّ ما يحدث معك كان خلقاً مقدَّراً بالثانية، لكنَّني لم أُشْفَ من المشاهد، الفيديوهات التي يلتقطها النَّاس للشهداء، في الفيديو يظهر الناس وهم يقولون استُشهد صالح، وقد كانت قدماه مبتورتان وغارقاً بدمه، ثمَّ يعود أحدهم ليقولَ: “إنَّه يتنفَّس”، ثمَّ يزداد الألم، حين أسمع إحدى صديقاتي تقول لي: “لقد كان يحاول الكلام، لكنه لم يستطع أن ينطق”، ماذا كان يريد أن يقول؟

يؤلمني الكلام العالق بين شفاه الشهداء، لكنَّني متأكدة أنَّه ما كان يريد أن يقول: (كذبوا عليكم) فقدماه المبتورتان، ودمه الذي اختلط بعشرة شهداء آخرين في الشارع يقولان (بأنَّكم لا تستطيعون رؤيتنا).
نحن في عصر لا يستطيع أحد أن يكذب على الآخر، لأنَّ كلَّ حججٍ محض الكذب موجودة، من الإعلام والسوشيال ميديا والبث الحيّ، لكنَّنا في عصرٍ يحبُّ أن يغمض المُشَاهِدُ عينه عمَّا لا يروق له، بمعنى أن يرفع المتابعة عن قناةٍ تنقل أخبار غزَّة، أن يتجاوز أيَّ منشورٍ يتحدَّث عن أهوال القيامة عندنا وإلخ

أمّا بعد
لم يكذبوا عليكم، لأنَّكم أصلاً لا تحاولون تصديقنا، ولأنّ فكرة بقائكم بعيدين عن آلامنا أكثر إراحةً لضمائركم، فربَّما ينزعج ضمير أحدكم إذا قلت له أنَّ صديقتي المصابة بالسرطان قد تموت في أيِّ لحظة، وأنَّ آلاف المرضى الفلسطينيين يعانون من قلِّة الإمكانيات وصحَّتهم تتدهور، وأنَّ آلاف العيون المتلألئة طفولة وشغفاً توأد، ذلك لانعدام البنية التحتية الملائمة لرعاية أيِّ طفلٍ في قطاع غزَّة، وأنَّ الركام يسدُّ المنافذ كما يسدُّ رئاتنا، وأنَّ مياه الصرف الصحي ما زالت تتسرَّب إلى خيام النازحين وأنَّ الأمراض الجلدية ما زالت تغزو أهل الخيام.

لم يكذبوا عليكم، لكنَّنا كذبنا على أنفسنا حين صدَّقنا أنّكم تروننا..

تابعوا إغماض عيونكم عن موتنا وقهرنا وألمنا وطمئنوا ضمائركم إن صادفت وأحسَّت بالقلق.

شارك

مقالات ذات صلة