آراء

إنِّي قد تصدَّقتُ بِعِرضي!

يوليو 26, 2026

إنِّي قد تصدَّقتُ بِعِرضي!

حثَّ النبيُّ ﷺ الصَّحابةَ على الصَّدقة،

فجاءَ عبد الرَّحمن بن عوفٍ بأربعة آلافِ درهم،

وقال: يا رسول اللَّه مالي ثمانية آلاف درهم،

جئتُكَ بنصفِها فاجعلها في سبيلِ اللَّه، وتركتُ نصفَها لعيالي!

فقال له النبيُّ ﷺ: باركَ اللَّهُ لكَ فيما أعطيتَ، وفيما أمسَكتَ!

فباركَ اللَّهُ تعالى في مال عبد الرحمن استجابةً لدُعاء نبيِّه ﷺ،

حتى أنَّه لما ماتَ كان له زوجتين، فبلغَ ثُمنُ ماله مئةً وستينَ ألفَ درهم!

وتصَّدقَ يومها عاصم بن عديّ العجلان بمئةِ وسَقٍ من تمر،

وجاء أبو عقيلٍ الأنصاريَ بصاعٍ من تمر!

فقال: يا رسول اللَّه، بتُّ ليلتي أعملُ حتى تقاضيتُ صاعين من تمرٍ،

فأمسكتُ أحدَهُما لأهلي، وأتيتُكَ بالآخر!

فأمرَه النبيُّ ﷺ أن ينثرَه في الصَّدقات.

فلمزَهُم المنافقون، وتكلَّمُوا فيهم، وقالوا:

ما أعطى عبدُ الرَّحمن وعاصمُ إلا رياءً،

وإنَّ اللَّهَ لغنيٌّ عن صاع أبي عقيل، ولكنَّه أراد أن يُزكِّي نفسه!

فأنزل اللَّه تعالى قوله: “الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”

الدَّرسُ الأوَّل:

في ثنايا هذه القصَّة حدثٌ مهيب لم يُذكر في هذه الرِّواية،

حين حثَّ النبيُّ ﷺ على الصَّدقة قام علبة بن زيد فقال:

يا رسول اللَّه إني فقيرٌ، وليس عندي ما أتصدَّقُ به،

ولكنَّي أُشهدكَ أنَّي قد تصدَّقتُ بعِرضِي على من نالَه من المسلمين،

فلم يُعلِّق النبيُّ ﷺ على قولِ عُلبة بن زيد،

هو يجمعُ مالاً لتجهيز الجيشِ فأين يضعُ صدقةَ عُلبة؟!

ولكنَّه في اليوم التَّالي صعد المنبر فقال: أين المتصدِّقُ بعرضِه البارحة؟!

فقام عُلبة بن زيدٍ فقال: ها أنا يا رسول اللَّه،

فقال له: إنَّ اللَّه قد قبِلَ منك صدقتكَ!

إنَّ لله تعالى صفاتٍ عُليا من كانت فيه من خَلقِه أحبَّه،

ولأنَّه سُبحانه جوادٌ كريمٌ يُحِبُّ المتصدِّقين،

ولأنَّه سبُحانه عفوٌ سمحٌ يُحِبَّ العافين،

ولأنَّه سبحانه رحيمٌ يُحِبُّ الرحماء،

ولأنَّه سبحانه ستِّيرٌ يُحِبُّ السِّتيرين،

فانظُرْ إلى الخُلق الذي يُعامِل اللَّه به تعالى خلقَه وعاملهم به ما استطعتَ،

تصدَّق بعرضِكَ ما استطعتَ فلا تحْلُو الدُّنيا بغير الصَّفح،

وتجاهَلْ، وتغاضَ، ولكَ في يوسف عليه السّلام أُسوةً حسنةً،

فقد أسَّرها في نفسِه ولم يُبدها لإخوته!

الدنيا تعطينا كلَّ يومٍ سبباً للمشَاحنة والخِلاف،

والعاقلُ من تجرَّدَ من الحقدِ والغِلِّ، فالقلبُ المليءُ بالحقدِ مقبرة!

يستوحشُ منه صاحبُه قبل أن يستوحشَ منه النَّاس!

الدَّرسُ الثّاني:

في كلِّ مجتمعٍ ستجد فئةً ليس لها عمل إلا التَّنظير الفارغ،

والدُّخول في نوايا الناس،

عيّنُوا أنفسهم قُضاةً على خلق اللَّه،

وجلسوا يُصدرون الأحكام، ويوزِّعون النَّاسَ على الجنّة والنَّار،

والمصيبةُ أنّك إذا أردتَ أن تنتقدهم تحتار من أين تبدأ!

الذي يرتادُ المساجِد بنظرهم مُعقَّد، والذي لا يرتادُها منحلٌّ،

الذي يُكرمُ زوجتَه ضعيف الشَّخصية، والذي لا يكرمها قاسٍ،

التي تطيعُ زوجَها ضعيفة وجبانَة، والتي لا تُطيعه ناشِز،

التي تلتزمُ بالحِجاب جاهلة بالمُوضة، والتي لا تتحجَّبُ لا تعرف اللَّه،

الذي يتصدَّقُ مُراءٍ، والذي لا يتصدَّقُ بخيل،

الذي يبرُّ والديه بلا شخصيَّة، والذي يعقُّهما فاجر،

الذي يقضي وقتاً مع عائلته منطوٍ، والذي لا يقضي معهم وقتاً مُهمل،

إذا عمل أحدُهم بوظيفتين قالوا: أكلته الدُّنيا،

وإذا لم يعملْ قالوا: كسول،

هكذا هم يبحثون في كلِّ فضيلةٍ عن رذيلةٍ هي أساساً في أنفسِهم،

وإذا لم يَسلَمْ منهم أهلُ الفضائل فأهلُ الرَّذائلِ لن يَسلَمُوا من باب أولى،

هؤلاء عليكَ أن تهربَ منهم كما تهربُ من الطَّاعونِ والجَرَب،

ليس في قُربِهم فائدة، وليس في خسارتِهم ضرَر،

تماماً كتلك المسائل الهامشيَّة التي يقول عنها الفقهاء:

عِلمٌ لا ينفعُ وجهل لا يضرُّ!

الدَّرسُ الثّالث:

من وصايا النبيِّ ﷺ: لا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً!

أنْ توقفَ سيارتكَ لتعبر قطةٌ الطَّريق معروف،

وأنْ تمسِكَ بيد أعمى لتعبرَ به الطَّريق معروف،

وأنْ تجرَّ قعيداً على كرسيّه معروف،

وأنْ تُعطي عاملاً قارورة ماءٍ معروف،

وأنْ تحملَ عن رجلٍ مُسنٍّ كيساً يُتعبه معروف،

وأنْ تشتريَ من البائعِ المسكينِ شيئاً لا تحتاجه معروف،

وأنْ تُصلحَ بين زوجين نشبَ بينهما خِلافٌ معروف،

وأنْ تتغاضى عن زوجتِكَ ولا تقف لها على الكلمة معروف،

وأنْ تصفحَ عن أولادك وتعاملُهُم بالرَّحمة معروف،

وأنْ تُهدي إلى جارك صحنَ طعامٍ معروف،

وأنْ تعينَ مريضاً في علاجِه معروف،

المعروفُ لا حدَّ له، أشياء بسيطة بحُبٍّ،

ونيةٍ صادقة تجعل العملَ البسيط جبلاً من الحسنات،

لربَّما الجنَّة في دمعةِ محزون تمسحُها،

وفي مواساةِ مكسورٍ تُطيّبُ خاطرَه،

بغيُّ بني إسرائيل أدخلها اللَّه تعالى الجنّة بسُقيا كلبٍ،

فإذا كانت هذه رحمته سُبحانه بمن أحسن إلى البهائم،

فكيف هي رحمته سبُحانه بمن أحسن إلى النَّاس؟!

الدَّرسُ الرَّابع:

يا رسول اللَّه: بتُّ ليلتي أعمل حتى تقاضيتُ صاعين من تمر،

فأمسكتُ أحدهما لأهلي، وأتيتُكَ بالآخر!

الصَّدقة من الغنيِّ جميلة، ولكنَّها من الفقير أجمل،

فذاكَ يعُطي من كثرة، وهذا يُعطي من قلَّة!

والعفةُ من الشَّيخ جميلة، ولكنَّها من الشَّاب أجمل،

فذاك يتعفَّفُ من انطفاءِ شهوةٍ، وهذا يتعفَّفُ من فورانها،

والتّستر من كبيرة السِّن جميلٌ، ولكنّه من الشَّابة أجمل،

فتلك تستُرُ جمالاً ذابلاً، وهذه تسترُ جمالاً فاتناً،

وتلك تتعفَّفُ والدُّنيا من إدبارها، وهذه تتعفَّفُ والدُّنيا في إقبالها.

الدَّرسُ الخامس:

الأشياءُ عند اللَّهِ بقيمتِها لا بحجمها،

عبدُ الرَّحمن بن عوف تصدَّق بأربعةِ آلافٍ من أصلِ ثمانية آلاف،

أي بنصفِ ثروتِه التي يملك،

وأبو عقيلٍ تصدّق بصاع تمرٍ من أصلِ صاعين،

هو أيضاً تصدَّق بنصفِ ماله الذي يملك،

واللَّه تعالى من رحمته يكتبُ لكلٍّ منهما أجر الصَّدقةِ بنصفِ ماله،

وفي الحديثِ، يقول النبيُّ ﷺ: سبقَ درهمٌ مئةَ ألفِ دِرْهَم!

قالوا: كيف؟

فقال: كان لرجُلٍ درهمان تصدَّقَ بأحدهما،

وانطلقَ رجلٌ إلى عُرْضِ ماله فأخذ مئةَ ألف درهم فتصدَّقَ بها!

الذي يملكُ درهمين بالنِّسبة تصدَّقَ بنصفِ ثروته،

والذي يملكُ الملايين يكتبُ اللَّه تعالى أجره،

ولكن أجر الفقير أعلى،

وهذا ليس حثاً على أن يتوقَّفَ الغنيُّ عن الصَّدقة،

وإنَّما ليُقال له: كلَّما زادَ اللَّهُ لكَ فزِدْ،

وهو حثُّ الفقيرِ على ألا يحِقر أو يستقلَّ صدقةَ مهما كانت قليلة،

صاحب الفُرن إنْ تصدَّق برغيفٍ،

ليس في الأجر كمن ليس عنده إلا رغيف فتصدَّقَ بنصفه!

شارك

مقالات ذات صلة