آراء

بالحُبِّ وحدَه!

يونيو 29, 2026

بالحُبِّ وحدَه!

لمَّا أخذَ النبيُّ ﷺ برأي أبي بكرٍ في فداء أسرى بدر،

بعثتْ زينبُ ابنةُ النبيِّ ﷺ في فداء زوجها أبي العاص،

وأرسلتْ قلادةً كانت لخديجة أهدتها إياها يوم زواجها من أبي العاص،

فلمَّا رآها النبيُّ ﷺ رقَّ لها رقةً شديدة،

وقال: إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردُّوا عليها الذي لها فافْعَلُوا!

فقالوا: نعم يا رسول اللّه.

فأطلقُوه، وردُّوا عليها قلادتها!

ثمّ قال العبَّاسُ بن عبد المطلبِ وكان في أُسارى بدر:

يا رسول اللّه، إنّي كنتُ مسلماً!

فقال له النبيُّ ﷺ: اللّهُ أعلم بإسلامك!

فإن يكُن ما تقولُ – حقًّا – فاللّه يجزيك،

فافدِ نفسكَ، وابني أخويكَ نوفل بن الحارث بن عبد المطلب،

وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفكَ عتبة بن عمرو،

فقال العبّاسُ: ما ذاك عندي يا رسول اللّه!

فقال له النبيُّ ﷺ: فأين المال الذي دفنتَ أنتَ وأمّ الفضل؟

فقُلتَ لها: إن أُصبتُ فهذا المال لأولادي: الفضل وعبد الله وقُثم!

فقال له العباسُ: وما يدريكَ؟

فقال له النبيُّ ﷺ: أخبرني اللّه بهذا!

فقال العباسُ: أشهدُ إنّكَ لصادق!

وإنّي قد دفعتُ لها ذهباً، ولم يطَّلع عليه أحدٌ إلا اللّه،

فأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنّكَ رسول اللّه!

فدفعَ العباسُ عشرين أوقيةً ذهباً، وأسلمَ،

وأنزلَ اللّه تعالى قوله:

” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”

قال العبّاسُ مُعلِّقاً على هذه الآية لاحقاً: فأعطاني اللّهُ خيراً ممّا أخذ مني!

عشرين عبداً كلُّهم يتاجر لي بمالٍ كثير مكان العشرين أوقية،

وأنا أرجو المغفرة من ربي!

الدَّرسُ الأوّل:

إنَّها خديجةُ بنت خُويلد المرأةُ التي لا يوجد منها نسخةٌ ثانيةٌ في تاريخ البشريَّة!

حين تزوجها النبيُّ ﷺ كانت في الأربعين وهو في الخامس والعشرين،

كانت تنزلُ إليه بقلبها بالحُبّ، فتذيب فارق السِّن بينها وبينه،

حتى ملكتْ عليه قلبه فلم يتزوج معها امرأةً أبداً!

كانتْ ناضجةً ليجد فيها شيئاً من الأمِّ التي فقدها طفلاً،

حكيمةً لأنِّ أصحاب الرِّسالات يحتاجون جبهةً داخليّةً صلبة،

صديقَةً لأنَّ الأيام ثقال وليس كالحُبِّ مطيّة لعبور الطَّريق!

فذابتْ كلّ الفوارق بينهما، وما الحُبُّ إلا أن تأنسَ ويُؤنسُ بك!

وكانتْ ثريَّةً جداً ولكنَّها كانت تُشعره أنَّه عندها أغلى من كلِّ ما تملك،

وكان هو على فقره يُشعرها أنّها أغلى عنده من كلِّ مالها،

فإن قيل لكَ: إن الحُبَّ يصنع المعجزات، فصدِّقْ!

الدَّرسُ الثّاني:

عندما نفرحُ نذهبُ إلى أكثر شخصٍ نحبُّه،

وعندما نحزن نذهبُ إلى أَكثر شخصٍ يُحبُّنا،

ويا للسَّعادة ولو كان هو نفسه في الحالتين،

وقد كانت خديجة بنت خويلد هذا الشَّخص في حياة النبيِّ ﷺ،

ويا لهول الوحيِّ حين نزل عليه!

يا للروع، والخوف، والبرد الذي أصابه،

كان في تلك اللحظةِ يحتاجُ كتفاً يعلمُ أنه سيسنده حتماً،

ويحتاج إلى عكازٍ يعلمُ أنّه قويٌّ بما يكفي للاتِّكاء،

ويحتاج حضناً دافئاً فحضن من نُحبُّ، هو أوسع الأماكن الضَّيقة في هذا العالم!

لم يذهب يومها لا إلى صديقٍ ولا إلى قريب،

مشى بقلبه نحو خديجة!

كان يعلمُ أنّها الوحيدة في هذا الكوكب المترامي الأطراف،

من سيفهمه، ويحتضنه، ويحتويه،

وقد كانت عند ظنِّ قلبه بها،

ضمَّته إليها بما يكفي ليشعر أنّه ليس وحده،

ثمّ هدَّأته ليعلمَ أنَّ له في هذا الأمر رِفقة،

ثمّ أخذته إلى ورقة بن نوفل لتريه أنّها تهتم قولاً وعملاً،

ثمّ كانت أول إنسانٍ أسلم بدعوته،

أسلمتْ حتى قبل أن يطلبَ منها أن تفعل!

الدَّرسُ الثّالث:

حنَّ إلى خديجة حين رأى قلادتها في فِداء صهره،

بعض الحُبِّ لا يموت وإن ماتَ أصحابه،

بعض النَّاسِ حين يدخلون قلوبنا لا يغادرونها إلى الأبد!

لم يكن يُحبَّها فقط وإنّما كان يُحِبُّ كلّ ما يمتُ إليها بصلةٍ!

كان قد جاوز الستين حين رأى نسوةً عجائز،

فخلع رداءه وأجلسهُنَّ عليه،

وقال لمن حوله يُزيل استغرابهم: هؤلاء صُويحبات خديجة!

يا للوفاء يا رسول اللّه، يا للوفاء،

هذا حبُّه وإكرامه لصويحباتها، فتراه كيف كان يُحبُّها هي،

وتأتيه امرأةٌ عجوز في بيته،

فيستقبلها أحسن استقبال، ويترفَّقُ بها، ويبتسمُ لها،

فتستغرب عائشة كلّ هذا الرَحاب،

فيقول لها: إنّها كانت تأتينا بزمان خديجة!

أُنظُرْ لقوله: زمان خديجة،

وكأنّه كان يُؤرِّخُ حياته بها!

وكان يذبحُ الشاة، ويقطع لحمها،

ثمّ يقول: أعطُوا منها صويحبات خديجة!

هكذا كان هو في الحُبّ، يُحِبُّ كلَّ شيءٍ له علاقة بخديجة،

ويقول أنس بن مالك عن شيءٍ من هذا القبيل:

كان النبيُّ ﷺ إذا أُتِيَ بالشيء يقول:

اذهبُوا به إلى بيت فلانة فإنّها كانت تُحِبُّ خديجة،

إنّه لا يُحبَّها فقط، بل يُحِبُّ كلّ من أحبَّها!

واستأذنتْ عليه هالة بنت خويلدٍ أختُ خديجة،

فعرفها من صوتها، وتذكر خديجة، وارتاحتْ نفسه،

فقال: اللهُمَّ هالة!

فتغار عائشة وتقول له: كأن لم يكن في الدُّنيا إلا خديجة،

فيقول: إنّها كانتْ، وكانتْ، وكان لي منها الولد،

هكذا يُعدد مواقفها، وأخلاقها، ويثني عليها وهي تحت التراب!

ويوم قالت له عائشة: أما زلتَ تذكرُ خديجة، وقد أبدلكَ اللّهُ خيراً منها؟

فقال يُدافعُ عن مقام خديجة في قلبه: واللّهِ ما أبدلني اللّه خيراً من خديجة!

الدَّرسُ الرّابع:

مخطئ من يعتقد أنّ الحُبَّ منقصةٌ للرُّجولة،

وأنَّ إظهار الحبّ والاهتمام ضعف في الشَّخصية،

فها هو سيد الرجال يُحِبُّ خديجة حيّةً وميتة،

فلا تخجلوا أبداً بمشاعركم،

عيشوها حتى أخر رمق فيكم من الحُبِّ،

لا شيء في الدُّنيا أجمل من الحُبّ الحلال،

ومخطئ من يعتقد أنَّ القسوة هي التي تصنعُ الرُّجولة،

القسوة لا تصنعُ إلا الجبابرة!

بل إنَّ الرَّجل هو رجلٌ بمقدار ما يُحِبُّ ويهتمُّ ويُدللُ ويلينُ،

ومخطئ من يعتقد أنَّ المرأة لا تُروَّضُ إلا بالقسوة،

لا شيء يكسر المرأة كالقسوة وإن بدتْ متماسكة،

بالحُبِّ وحدَه يمكن امتلاك المرأة، بالحُبِّ وحده!

شارك

مقالات ذات صلة