آراء

يوسف زيدان والفشل في صناعة “الترند”

يونيو 28, 2026

يوسف زيدان والفشل في صناعة “الترند”

عادت الضجة الزيدانية للرّوائي المصري الدكتور يوسف زيدان لتشعل منصات التّواصل وتُثير صخَباً واسعاً في الفضاء الثّقافي العربي، وذلك إثر سلسلة من تصريحاته الإعلامية الأخيرة والجريئة التي تعمّدت استهداف الموروث التاريخي وتفكيك الثوابت السائدة لدى العرب والمسلمين، فمن التّشكيك الصريح في التّفاصيل المتواترة لقصة “عام الفيل” ووصف أبرهة الحبشي بـ”القديس المسيحي” الذي لم يقصد مكة لهدم الكعبة أساساً، إلى نسف الرواية التاريخية المستقرة حول معركة “عين جالوت” والادّعاء الصادم بأنّ الغلبة والنصر كانا للمغول وليس للمماليك، يواصل المدعو زيدان نهجه الفكري القائم على إحداث الصدمة والبلبلة المعرفية السلبية بكافة الوسائل، وإنَّ هذا الأسلوب لا يقف عند حدود إعادة قراءة الوثائق و المخطوطات بنظرة نقدية –إن كانت نقدية أصلاً-، بل ويتعمد مهاجمة ما يصفه دائماً بـ”أوهام الرموز” المستقرة في الوجدان العربي والاسلامي، مثل هجومه الحاد على المناهج التعليمية والقصص الأدبية التي ترفع من شأن العهد المملوكي ورجالاته، وتكمُن خطورة هذا المنحى لزيدان تحديداً في اعتماده على الإثارة التّلفزيونية والمنصّات الرقمية واجتزاء السياقات لتسجيل حضور إعلامي لافت وصناعة “ترند”، ممّا يحوّل النقاش الأكاديمي الرصين الذي يدعيه من غرفه البحث الرصين إلى حالةٍ من البلبلة والتراشُق المجتمعي، وحالته تبحث عن الغرابة المحضة وتفتقر في جوهرها إلى التثبُّت، والتدقيق، والمنهجية العلمية الصارمة التي تحترم التّاريخ العربي والاسلامي الموثق.

وأمام هذا الصنف من الطروحات المثيرة للجدل، تبرز الحاجة الملحّة إلى صياغة استراتيجية لمواجهة ناضجة وواعية لهذا المنحى، وتتجاوز تماماً ردود الأفعال العاطفية والمشاحنات الرقمية التي لا طائل منها، فإنّ الطريق الأمثل والركيزة الأولى للرد تكمُن في مضاعفة الجهد المعرفي لبناء وعي تاريخي رصين وعميق بين فئات الشّباب العربي، من خلال تقديم المادة التاريخية المحققة عبر وسائل حديثة وأدوات جذَّابة تدعم التفكير النقدي لدى الشعوب العربية، وتكشف زيف الادّعاءات بالدليل والبرهان السّاطع، وأمّا الرَّكيزة الثانية، فتتطلَّب حكمةً بالغة في التعاطي الإعلامي تتمثّل في “عدم تضخيم هذه الأعمال والأفعال و الأقوال “أو منح أصحابها حجماً وتأثيراً أكبر من حجمهم الحقيقي، فالاستمرار في السِّجال المباشر والردود الغاضبة يمنح هذه الآراء الشاذة وقوداً مجانياً للاستمرار في غيِّها و تمرُّدها، ويسهم في انتشارها بدلاً من محاصرتها وتقييدها، فالردُّ الحقيقي والفعَّال يكون دائماً عبر إيجاد بناءٍ معرفي موازٍ وقوي يُحصِّن العقول الناشئة، ممّا يجعل من الوعي المجتمعي حائط صد طبيعي وتلقائي يلفظ الأفكار المتهافتة، دون الحاجة المستمرة للدخول في معارك جانبيّة لا تفعل شيئاً سوى صناعة أبطال وهميَّين يتغذّون على الصخب والتراشق وصناعة ” الترند ” .

وإذا تأملنا بتمعُّن مسار الفكر و الثّقافة العربية الحديثة على مرِّ العقود والسنوات الماضية، سنجد أنَّ السَّاحة الثقافية لم تخلُ يوماً من أشباه يوسف زيدان، ممّن اتّخذوا من قاعدة “خالف تُعرف” وسيلة أساسية للبقاء تحت الأضواء وجذب الانتباه، ثمَّ انطفأ بريقهم تدريجياً واختفوا تماماً من المشهد العام، فلقد شهدنا أسماءً كثيرة ملأت الدنيا ضجيجاً بطروحاتٍ صادمة ومقالات نارية حول الدين، والتاريخ، والهوية، وظنَّ الكثيرون حينها أنَّهم سيهدمون الثوابت ويغيّرون القناعات، لكن الأيام تجاوزتهم سريعاً وأصبحوا اليوم في طيِّ النّسيان بمجرّد أن انفضَّت من حولهم هالة الإثارة والمفاجأة. وهنا تتجلَّى بوضوحٍ الحكمة التاريخية السائرة والمأثورة: “أميتوا الباطل بالسكوت عنه”، فالأطروحات والآراء التي تفتقر إلى الأساس العلمي المتين والمنهج الرصين تحمل في حقيقة الأمر بذور وأسباب فنائها في داخلها، ولا يمكنها العيش أو الاستمرار إلا على أصداء الضجيج والاعتراضات .

شارك

مقالات ذات صلة