آراء
قُلْتُ لصديقي: اللحظة الحاضرة غير كافية بالنسبة إليَّ، لذلك أُحِبُّ الغوصَ في التاريخ. ثمة تَوْق إلى اكتشاف ماضٍ غاب عنّي ولم تَشْهَدْه عيني ولم أحضره، لكنّي أُحِبُّ النبْش في أوراقه ووثائقه والبحث عن جذوره. وجدانٌ تاريخيٌّ مولع بفهم كيف أصبح العالم على ما هو عليه، ورغبةٌ جارفةٌ في فَهْم جذور المكان وتاريخ المدن التي أعيش فيها.
كلّما تورَّطتُ بالحياة رأيتُني مشدوهًا إلى تجارب مَن سبقونا، أحيانًا أعيش مع سِيَر القادة والزعماء لِفَهْم مبررات أفكارهم وسياستهم. وآخِر ضحايا هذا النوع في قراءاتي سيرة رئيس وزراء بريطانيا المجرم ونستون تشرشل، الذي أقرأ سيرته هذه الأيام بقلم طارق علي. وشاهدتُ مؤخرًا فيلمًا ملحميًّا عن نابليون بونابرت. وأحيانًا أهرب إلى قصص محترفي الأدب وحَمَلة القلم مثل وديع فلسطين، وحديثه عن أعلام عصره بقلمٍ بارع وحياةٍ عجيبة.
أخذتُ أُفكِّر: لماذا لديَّ هذا الولع بالتاريخ والأدب مع عزوفٍ عن السياسة؟ قد يكون السّبب هو البحث عن انتماء في المعرفة، عبر الشعور بدفء شمس الفَهْم بدلًا من نعيم الجهل. الفضول يقودني إلى أن أتعرَّف إلى جذور العالم وحروبه وتقسيماته ولحظات القَدَر في تاريخه. وفكرت لماذا تُشجيني دراما التّاريخ واللحظات الفارقة، خصوصًا في التاريخ الإسلامي، الذي كان لحظة مهيبة وجليلة ومفارقة لعالَمين مختلفين تمام الاختلاف.
أصحَبُ هذا التاريخ وأُشبِع كلّ فضولي بقصةٍ هنا وحكاية هناك، ومُتحَف في الطريق، فأنا أُحِبُّ زيارة المتاحف، وآخِرُها المتحف الوطني في قَطَر، ومتحف الفنّ الإسلامي، فهي سياحةٌ في الماضي وتجرِبةٌ نفسية للتفكير في النّفس البشريّة وأوضاعها النفسيّة والعقليّة في أزمانٍ مختلفة. لا نملك معلوماتٍ كافية عن الحاضر، لكن قاموس الماضي يمدُّنا بصورة أشمل من ضِيق الأخبار العاجلة في أيامن.
أنا والتاريخ والملكة
وأنا أشاهد مسلسل «التاج» (The Crown) عن حياة الملكة إليزابيث الثانية، تذكَّرتُ حديث الروائي سومرست موم عن ملله من رجال السّياسة والحكم وأصحاب الشّأن، وأنّه بحَث في رواياته عن المهمشين، لكن بالنسبة إليَّ أنا طوال حياتي مع عامّة الناس، وُلدتُ لأرى تحت بيتنا جزَّارًا، وفي آخِر الناصية عربة فول. أنا عشتُ التّاريخ من أسفل منذ نعومة أظافري، رأيت كلّ هؤلاء وأعرف حياة البسطاء، مثل عمّ حسن البقال الذي يُنفِق على عياله من بيع الحلويات للأطفال، وبجانبه رَجُل يُصلِح الأحذية المهترئة. وعندما فتح أحدُهم مشروعًا على الناصية الأخرى من بيتنا كان مقهى، وكنت أشعر بالأبهة وأنا طفل ساذج عندما تُعطني صاحبة المقهى زجاجة «كوكاكولا» مجانية لزوم الجيرة والقرابة.
أقول ذلك لأحكي لكم أنّني شبعت من حياة البسطاء والغلابة، لقد ترعرعت بالقرب من سوق للخضار، وبعت قطعًا من البقلاوة وأنا مُراهِق أمام محل أبي (حلواني الشرق)، حتى اسم المحل دراما تاريخية عن شرقنا!
لذلك عندما أرى مسلسلًا يحكي عن «مَلِكة» أعيش حالة خَدَر لذيذة وانفصال عن عالمي القديم الذي قَدِمْتُ منه. تلك الهوايات التي لم أُجرِّبْها مثل حُبّ الخيل، وهوايات العائلة المالكة الأخرى، وسهولة السفر، ومميزات العيش في تلك القصور، وأن تكون في قلب أحداث التاريخ، أُحِسُّ أنّني مدعوٌّ لحفلةٍ ممتعةٍ لم أرَ أحدًا أعرفه مشاركًا فيها بهذا القرب.
تقول إليزابيث في المسلسل اعتراضًا على عرضٍ وثائقيٍّ عن الأُسرة المالكة في بريطانيا، إنَّ هذا يُفقِدُهم التقديس والفخامة بسبب الغموض الذي تعيشه تلك الأُسرة خَلْفَ الأسوار. أشعر بالهيبة الممزوجة بالفضول في تخيُّل مشاعر حُزن تشرشل على حُكمه وهو في أواخر حياته، أو طموح قائدٍ عسكريٍّ من العائلة المالكة للإطاحة برئيس وزراء منتخب. البشر هُم البشر، بنوازعهم، ومع وجود القدرة على الفعل يكون أثر تلك النوازع أوقع وأكثر قدرة على التأثير في حياة البشر الآخرين، فالزميل الذي يحقد على مديره لن ينقلب على الإدارة في انقلابٍ عسكريّ، لكن القائد العسكري الذي يحقد قد يفعل ذلك ويكون للحقد ضريبة تاريخيّة.
نبَّهَني الكاتب والمترجم محمد زيدان إلى هذه الفكرة الجميلة لرئيس الوزراء البريطاني دزرائيلي التي ينصح فيها بقراءة السِّيَر الذاتية، لا التاريخ، ذلك أن السيرة هي الحياة كما كانت، بعيدًا عن تنظير التأريخ.
أنا والسياسة والتاريخ
عُدت ذات يومٍ في طريقٍ مزدحم إلى البيت، كانت فرصة للتفكير والتأمُّل، وأجمل مواضيع التأمل هو التفكير في النفس والذّات. ليست أنانية، لا سمح الله، بل هي رغبة مجبول عليها لفَهْم هذه النّفس وطباعها العجيبة. كان هذا بعد لقاءٍ عابر مع صحفيين في قناة تليفزيونيّة كنت أُقدِّم فيها فقرة عن سِيَر الأدباء الراحلين.
كانت تلك النتيجة بعد وقوفي سويعة مع بعض الرفاق حيث كانوا في استراحةٍ يشربون القهوة، قال أحدهم: «هل تراه يفعلها؟». لم أفهم مَن المقصود، وكان النقاش حول زعيمٍ سياسي ودخوله الحرب. تحوَّل النقاش إلى الفُرَص والحظوظ السّياسيّة والظرف الدّولي. سمعتُ أحاديث الرّفاق ولم أتكلَّم، فأنا لديَّ شعور بأنَّ رأيي ليس مُهِمًّا في بلدي، فما حاجتي إلى الصداع واستعراض رأيي فيما يحدث في أوكرانيا أو غيرها؟ لقد قنعت بالصمت وفرغت كلّ ثرثرتي في شأنٍ آخر، وهو الثقافة والتاريخ والأدب.
قُلْتُ لنفسي: أنت لا تعرف الشّأن العام، وتغرق في الشّأن الخاص، ها أنت تكتشف للمرة المئة أنّك لست حيوانًا سياسيًّا!
قُمْتُ من المجلس وأنا أُرتِّب دفاتر مُخِّي، فأنا مهتم بهؤلاء الناس الذين يُسمِّيهم النّاس أدباء وشعراء، وبعِلْمٍ اسمه التاريخ، وبطائفةٍ تكتب الكتب، سواء غيَّروا الواقع أو فشلوا في تغيير ديكور منازلهم، أنا أُحِبُّهم بعيوبهم ونواقصهم وأقرأ سِيَرهم، وأتتبع حياتهم للفهم والتعلُّم والدّراسة.
أمَّا سياسة الحاضر فأنا أُتابِعها لأفهم حياتي وعصري، لكنّي هناك في درس التاريخ أُريد أن أفهم نتائج الحرب العالمية الثانية، وكيف عاش فيصل بن الحسين منذ مئة عام. هل هذا هروب من سياسة اليوم؟ نعم، وهو هروب من اللا فعالية. وأنا أرى أنّ الناس أمزجة، فيغلب على بعضهم المزاج الأدبي والتاريخي، وبعضهم يتعلَّق بالحاضر كأنَّه يصنعه، وهو لا يعدو أن يكون متابعًا لما يجري، مثل هذا الصحفي الذي قابلني في مصعدٍ ذات يومٍ وهو يرتدي ملابس الرياضة، وأخذ يُحدِّثني عن الهدنة وأخبار الحروب. هذا رَجُلٌ حِلْسُ سياسة، تأكل الأخبار عقله كلّ دقيقة، وهذه الشّخصيات هي وقود غُرَف الأخبار.
المهم يا عزيزي القارئ أنّني رضيتُ من الغنيمة بالإياب وحُبّ الأدب والتاريخ والسِّيَر الذاتية والغيرية، أمّا القلق على الاقتصاد العالمي وأزمة السلام فعلى قلبي مَراوِح، أخاف فقط بعد مشاهدتي مسلسلًا دنماركيًّا أن أتبنَّى أجندة الحفاظ على المناخ والخوف على جليد غرينلاند والقلق من انقراض الحوت ذي الرأس المقوَّس.
وعندما يزيد مُعدَّل ما أحكيه في التّاريخ السّياسي، أشعر بجوعٍ لقراءة الأدب، والاستماع إلى الشعر وإلى حكايات الروايات والكتب. أنا بحاجةٍ إلى جُرعةٍ يومية من الأدب حتى يتحسّن مزاجي، لأنّ السياسة الحاضرة والقديمة تُورِث الهَمّ.

