آراء
شهدنا في الأيام الأخيرة تصريحاتٍ لافتةً ومثيرةً للجدل أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس”، والتي انتقد فيها بشدة الموقف الإسرائيلي الرافض لمذكرة التفاهم والاتّفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، ووصف فانس ردود الفعل الغاضبة داخل حكومة بنيامين نتنياهو بأنّها “حالة من الذعر الغريب والهلع”، معتبراً أنّ هذا الهجوم يعكس انعداماً عميقاً للثّقة تجاه واشنطن، وهي أقوى حليف استراتيجي لتل أبيب، ووجّه فانس تحذيراً شديد اللهجة للمسؤولين الإسرائيليين مثل بن جفير، مذكّراً إياهم بأنّ الرئيس دونالد ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف معهم حالياً، وأنّ ثلثي الأسلحة الدفاعية التي تحمي إسرائيل تُصنع بأيدٍ وأموال أمريكية، فكانت هذه التصريحات المفاجئة دلالةً على تحوُّل في الخطاب الأمريكي، وبدا واضحاً أنّ “الثّقة المطلقة” غير موجودة في قاموس المصالح السّياسيّة، وأنّ واشنطن تُطالب حلفاءها بالخضوع لرؤيتها بشكلٍ صريح.
وهذا التّوتر العلني يُثبت أنّ “الثّقة” كمفهومٍ في عالم السّياسة ليس له قيمة أخلاقيّة أو عاطفية، بل هو انعكاسٌ مصلحي براغماتي بحت يُبنى على موازين القوى وصراع النفوذ، ففي العلاقات الدبلوماسية، يُعد “حسن الظنّ” المطلق ضرباً من السذاجة والغباء والحمق الذي يؤدي بالدول إلى مهالك حتمية، بينما يمثل “سوء الظنّ” الممنهج المبني على الحذر واليقظة الاستراتيجية أداة ضرورية لحماية الأمن القومي للدول، فالتحالفات مهما بلغت متانتها التّاريخية، تهتزُّ وتصطدم عندما تتعارض مع المصالح والرؤى الاستراتيجية، وقد أدرك التّراث العربي الإسلامي القديم هذه الحقيقة السياسية مبكراً وصاغها كقاعدةٍ ذهبيّة لإدارة الدول، حيث يُروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قوله: “من الحزم سوء الظنّ“، وهو ما يؤكّد أنّ قيادة الأمم تتطلّب افتراض الحذر لا الطمأنينة، وكما عمّق الفيلسوف والمؤرخ الكبير ابن خلدون هذا المفهوم في مقدمته مؤكّداً أنّ الدول في علاقاتها وصراعاتها مدفوعة بالعصبية والمصلحة والمنفعة، ولذلك فإنّ من يظنّ أنّ القوى الكبرى تحرّكها المبادئ يجهل طبائع العمران السّياسي، وإنّ الثّقة السّياسيّة في جوهرها متغيّرة ومؤقّتة، ترتبط دوماً بمدى نفعية الطرف الآخر وقدرته على المناورة، وبمجرّد أن ينتهي هذا النّفع تظهر لغة التّهديد والعلو على الآخر بقطع الإمداد وتذكير الحليف بحجمه الحقيقي.
أمام هذه الواقعية السياسية المرعبة، يتجلّى الواجب الشّرعي والسّياسي على القائد والسياسي المسلم في تبنّي عقيدة حذرة تقوم على الوعي واليقظة التّامة، مستلهماً ذلك من التوجيهات القرآنية ومن إرث مفكري السياسة الشرعية، وقد فصّل الإمام الماوردي في كتابه الشهير “أدب الدنيا والدين” و”الاحكام السلطانية” في شروط تدبير الملك وحفظ البيضة، موضّحاً أنّ سلامة الدولة مرهونةٌ بيقظة حكامها وقدرتهم على استشفاف مكر الأعداء، حيث يرى أنّ استرسال الحاكم في حسن الظنّ لغير أمارة (أي: علامة) واضحة يُعدُّ تفريطاً يرفع الأمان عن الرعية.


