آراء
من يرى ما آلت إليه الأمور مع انطلاق مونديال 2026 في أمريكا يجد نفسه مذهولاً ومصدوماً ممّا يرى، فكيف تحوّل عرسٌ كرويٌّ عالميّ يتشوّق إليه الكبير والصغير في العالم، والذي يُفترض به من النّاحية الفكريّة والإنسانيّة أن يذيب الفوارق ويجمع الشّعوب قاطبة، إلى ساحة تضجّ بالخوف والرعب والترهيب والترقُّب وتصفية الحسابات السياسية؟ فقد تملكني العجب الشديد وأنا أتابع تلك التقارير الميدانية في وسائل التواصل الاجتماعي والتحذيرات الصارمة التي أطلقتها بعض الهيئات والمؤسّسات المعنية بحقوق الإنسان والحريات المدنية، وهي توجّه نداءاتٍ عاجلة وعلنية للمشجعين واللاعبين والوفود الصحفيّة المتوجّهة إلى المدن الأمريكية المضيفة، تحثهم فيها على توخّي الحذر الشديد ووضع خطط طوارئ مسبقة لمواجهة خطر التنميط العنصري والمداهمات الأمنية المفاجئة!!، فكيف وصل الحال هناك إلى هذه المرحلة القاتمة التي تضطر فيها جهاتٌ حقوقية دولية ومحلية إلى التحذير من نزعةٍ إقصائية فجّة فرضت حظراً غير معلن على مواطني الدول المشاركة و الجماهير المحبّة لكأس العالم، وتسبّبت بالفعل في حوادث احتجاز واستجواب مُهينة لوفودٍ رياضية رسمية، كبعثة المنتخب العراقي، بل ووصل الأمر إلى منع حكم أفريقي دولي بارز من الدخول بفرضية بائسة و هي “هواجس أمنية” رغم حيازته وثائق وتأشيرات رسمية؟ فعلاً إنّه لأمر يثير الدهشة العميقة والأسى في آنٍ واحد، أن نرى بطولة عالمية تُسلب روحها الأخلاقية وتتحوّل إلى مصيدةٍ متوحّشة للجماهير والرياضيين على حدٍّ سواء.
وينتابُني هنا تساؤل عميق وتعجُّب أكبر حول السر الذي أصبحت به الرأسمالية المتوحّشة في أمريكا أكثر تغوُّلاً وتحالفاً مع الأيديولوجيا العنصرية المتطرفة، فبدلاً من أن تسهم الحالة المونديالية في تعزيز قيم الانفتاح والتّسامح والتّعارف بين الثقافات، أرى أمامي تسليعاً قذراً وصارخاً وبشعاً للرياضة، وتحويلاً لها إلى مجرّد أداةٍ سياسية تخدم أجندة “أمريكا أولاً” الانعزالية الإقصائية، وذلك عبر عسكرة الملاعب وإقحام أجهزة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك في قلب الحدث الرياضي الترفيهي، وممّا يزيد من تعجٌّّبي وصدمتي الفكرية هو هذا التواطؤ المخزي والصمت المطبق من قِبل الاتحاد الدولي لكرة القدم حسب ما جاءت به تقارير عن منظّماتٍ حقوقية، والذي اختار قادته ومسؤولوه التزام الصمت التّام تجاه قمع الحريات ومداهمات المهاجرين المستمرة في المدن المضيفة، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك بتقديم جوائز تكريمية سياسية للإدارة الأمريكية في المحافل الرسمية، ممّا يثبت لي ولكلّ من يراقب، وبشكلٍ لا يدع مجالاً للشك، أنّ المنظومة الرأسمالية الغربية مستعدة تماماً للتضحيّة بأقدس المبادئ الإنسانية والكرامة البشرية في سبيل حماية مصالحها الخاصة المالية منها والمعنوية النُّخبوية الضيقة.
لكن ما يبعث في النفوس الأمل وسط هذا الضباب، ويخفّف من حدّة هذا العجب، هي تلك الحلول والمطالب الحازمة التي طرحتها بعض الهيئات والمؤسسات المعنية بالدفاع عن الحقوق، حيث وجّهت رسائل شديدة اللهجة ومباشرة إلى القائمين على إدارة الرياضة العالمية، تؤكّد فيها بوضوحٍ وجلاء أنّ كرامة البشر وحقوقهم الأساسية مقدّمة تماماً على المونديال، والمكاسب التجارية، وحقوق البث وغيرها، فلقد طالبت هذه الجهات بضرورة فرض شروط صارمة وضمانات ملموسة تجبر الحكومة الأمريكية على إصدار قراراتٍ فورية بوقف إزعاج المهاجرين طوال فترة البطولة، وضمان المساءلة القانونية لرجال الأمن، ووقف التفتيش المتطفّل والمهين للحسابات الشخصية والأجهزة الإلكترونية للزُّوار والرِّياضيين.





