آراء

إِذْ جاءَه الأعمى!

يونيو 9, 2026

إِذْ جاءَه الأعمى!

جاءَ عبدُ الله ابنُ أُمِّ مكتوم إلى النبيِّ ﷺ،

وجعل يقولُ له: يا رسول الله أرشِدْني،

وعند النبيِّ ﷺ رجلٌ من عظماء المُشركين،

يرجو أن يُسْلِمَ، فيسلم بإسلامه غيره من الناس،

فجعلَ النبيُّ  ﷺ يُعرِض عن ابن أم مكتوم،

ويُقبلُ على المشرك،

فأنزلَ اللّه تعالى قوله: “عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ”

الدَّرسُ الأوّل:

النبيُّ  ﷺ إنسان نهاية المطاف،

ويقعُ منه ما جُبل عليه النَّاس فلا أحد يستطيع أن يخرج عن الطَّبع البشريِّ،

فقد بكى موت خديجة، وعمَّه حمزة، وابنه إبراهيم،

وهو في حزنه البشريّ هذا له قلب الأنبياء في الرّضى والتَّسليم،

وكان يُحبُّ عائشة أكثر من غيرها من زوجاته،

وحُبُّ الرّجلِ للمرأة فطرة لا تقدح في تمام النّبوة بل تُزينها بالنّزعَة الإنسانيَّة!

ولكنّه حين مالَ بقلبِه كان له عدل الأنبياء في المُعاملة!

وقد غضبَ موسى عليه السَّلام من قبل وألقى الألواح!

وما وقع من النبيِّ  ﷺ من عُبوسٍ في وجه ابن أمّ مكتوم،

إنّما هو من طباع البشر الذين هو منهم،

ثُمَّ إنَّ هذا العبوس ما كان إلا حرصاً على دين اللّه، وهمّاً ثقيلاً في نشر الإسلام،

ولم يكن استنقاصاً شخصيًّا مقصوداً لابن أمِّ مكتوم،

ولكنّه كان يعرفُ كما نعرفُ جميعاً أنّ النّاس منازل، وبعض النّاس مفاتيح لغيرهم،

وأنا وأنت نعرفُ أنّه قد يكون للقبيلةِ الكبيرة، وللعائلةِ الواسعة،

رجلٌ مرموقٌ، وسيِّدٌ مُطاعٌ لا يخرج أحدٌ عن رأيه،

فإذا أردتَ من الجميع أمراً أتيتَ هذا السَّيد لِما تعرفُ من مكانته،

وهذا بالضبط ما فعله النّبيُّ ﷺ،

ومن تمام الإيمان ألا يُحمل فعلُه ﷺ على غير هذا المَحمل!

الدَّرسُ الثّاني:

كُنْ ليِّناً، فإنَّ اللّه تعالى قد عاتبَ نبيَّه ﷺ،

على العبوس في وجه رجلٍ لم يرَ عبوسه، فكيفَ لو كان ابن أمِّ مكتومٍ يرى!

النَّاسُ خواطر وكرامات، وإنَّ كسر خواطرهم، وجرح كراماتهم مؤذٍ،

وإنَّ كسْرَ القلبِ مؤلم أكثر من كسْرِ العظم، وإن لم يُحدث هذا الكسر صوتاً!

انتبه لتعابير وجهك فبعض النظراتِ قاتلة، وبعض الإِعراضِ أليم،

وانتبه جيداً لمفرداتك فبعضُ الكلام جارح،

ورُبَّ كلمةٍ لا تنتبه لها، تنغرسُ كالرِّمح في قلب سامعها فتدميه،

وإنْ كان العبوس قد حصل من النبيِّ ﷺ،

فهي حادثةٌ يتيمة قد شرحنا أسبابها وبيَّنا ظروفها،

وإلا فهو بأبي وأمي جبَّارُ خواطر ومراعي كراماتٍ ومشاعر،

ولو أردنا أن نتتبَّعَ أدبَه ولُطفه وظُرْفَه وحنانه في مواقف حياته،

لألّفنا كتاباً ضخماً يفوق ألف صفحة!

وإنّي لأقفُ مطوّلاً كل مرَّةٍ عند إسلام عكِرمة بن أبي جهل،

حيث قال النبيُّ ﷺ لأصحابه:

يدخلُ عليكم عكرمة بن أبي جهلٍ مسلماً فلا تسبوا أباه!

راعى خاطر الحيِّ في ألا يُؤذي بميِّته، وإنَّ هذا الميت كان فرعون هذه الأمّة!

 الدَّرسُ الثَّالث:

لا تحكُمْ على النَّاسِ بالمظاهر،

فكم من أنيقٍ في صدره قلبٌ متسخ، وكم من رثِّ الثياب في صدره قلبٌ أنيق!

وقيمة الإنسان الحقيقيّة بما في قلبه لا بما في جيبه،

بأخلاقه لا بمنزلته ورتبته، بأدبه لا بشهادته ووظيفته!

وإنّك لترى الرّجل المسكين البسيط فلا تحسبه شيئاً، وهو عند اللّهِ حبيبٌ أريب،

وقد ضحك الصّحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود،

فأخبرهم النبيُّ  ﷺ أنّ ساقيه أثقل في الميزان من جبل أُحد!

وإنّك لو كنت في المدينة على عهد النّبوة،

ودخلتَ المسجد فرأيتَ أهل الصُّفة في آخره لا يجدون رغيفاً يسدُّ رمقهم،

لهانوا في عينيك إذا نظرتَ إليهم نظرة المظاهر الخادعة،

ولكن متى علمتَ أنَّ فيهم أبا هريرة أكثر الصحابة روايةً للحديث،

وفيهم أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمّة،

وفيهم سالم مولى أبي حذيفة حامل القرآن واللواء،

وفيهم سلمان الفارسي صاحب فكرة الخندق،

وفيهم عبد الله بن مسعود النَّحيل الذي مُلئ علماً،

وفيهم عمَّار بن ياسر الشَّهيد ابنُ الشهيدة الأولى في الإسلام،

وقتها فقط لعلمتَ أنَّ للّهِ حسابات أخرى غير حسابات الناس!

وإنّكَ لو جئت المدينة في خلافة أبي بكر،

ورأيته في الطريق نحيلاً لا يكاد إزاره يثبتُ على خصره،

لأشحتَ نظركَ عنه ولم تحسبه شيئاً،

وهو صاحب نبيِّك الأوفى، وأعلى الناس إيماناً بعد الأنبياء،

الصِّنديد العنيد الذي قال: أينقص الدِّين وأنا حيُّ؟

المحارب الشَّرس الذي أدَّبَ المرتدين!

وإنّك لو جئت المدينةَ في خلافة عمر بن الخطاب،

ورأيته في الطريق ماشياً بثوبه المُرقَّع، لربما قلتَ: يا له من مسكين!

ولكنّه عُمر هازم الإمبراطوريات وفاتح البلاد،

رجل الدولة الفذُّ، صاحب الدواوين والتّقويم الهجريِّ،

وهو قبل كل هذا الرَّجل الذي يهربُ الشيطان منه!

فلا تكُن سطحياً، ولا تخدعنَك المظاهر!

 الدَّرس الرّابع:

النَّقدُ ليس مرادفاً للكره كما نتوهَّم، بل هو من أعلى صور الحُبِّ،

بشرط أن يكون له أدبه وتوقيته وأسلوبه،

وها هو ربُّنا يُعاتب حبيبه، فاعلم أنَّ من تلطّفَ بنقدك فقد أحبَّكَ،

ومن زيَّنَ لكَ الخطأ فقد أبغضكَ،

ومن رآكَ على خطأ فأمسك بيدكَ وأرشدكَ، فهو صديق أمين فقرِّبه،

ومن رآكَ على ظلم أو معصيةٍ فسَكتَ عنكَ، فهو عدو في ثياب الصديق فاحذره!

 

شارك

مقالات ذات صلة