آراء
في مشهد نراه يتكرَّر سنويًّا في محيطنا العربي، نجد أنفسنا أمام أزمةٍ هيكليَّة معقَّدة جدًّا وعميقة ونجدها متصاعدة وهي تتمثَّل في الفجوة السحيقة والواضحة بين مخرجات المؤسسات الجامعية العربية وواقع سوق العمل المتسارع، فالالتزام الأعمى بالنمط التقليدي للتوسُّع غير المدروس وغير المنطقي في منح الشهادات الأكاديمية دون قراءةٍ موضوعية لحاجة السوق العربي الفعلي، أفرز تضخُّماً أكاديميًّا خطيراً يضخ آلاف الخريجين كلَّ عامٍ بلا طائلٍ اقتصادي حقيقي، فإنَّ تكديس سنوات الدراسة الطويلة في تخصصات استهلكها الزمن، ولم تعد تلامس تحديات الإدارة الحديثة أو متطلبات الإنتاج، أصبح استنزافاً طائلاً لطاقات الشباب وموارد الدول على حدًّ سواٍ، وخصوصاً حين ندرك بوضوحٍ تام أنَّ النسبة الأكبر من الوظائف المتاحة اليوم لا تتطلَّب بتاتاً كلَّ ذلك العناء النظري و البطء البيروقراطي الأكاديمي الذي تمارسه الكليات التقليدية التي تعيش في برج عاجي بمعزلٍ بعيد عن نبض السوق.
فقد تجلَّت هذه الإشكالية الخطيرة بوضوحٍ جلي في معضلة “السنوات الطويلة” في الدراسة الاكاديمية، إذ تؤكِّد بعض التحليلات المتعلِّقة بسياسات التوظيف الحديثة ودراسات سوق العمل حقيقة جوهرية، مفادها أنَّ معظم المهن الإدارية والتنفيذية والتشغيلية في مؤسسات الأعمال والقطاعات المختلفة لا تحتاج فعليًّا إلى الأربع أو الخمس سنوات الكاملة التي يقضيها الطالب حبيساً لمقاعد المحاضرات النظرية والمقررات البيروقراطية والمملة، فإنَّ المهارات الإدارية الأساسية، والقدرات التنفيذية، وحتى الجدارة المطلوبة يمكن اكتسابها بكفاءةٍ متفوقة وعبر مساراتٍ مرنة ورشيقة تشمل برامج التدريب المهني المكثف، والشهادات والمسارات التعليمية المصغرة، والخبرة الميدانية المباشرة خلال مدةٍ وجيزة لا تتجاوز بضعة شهور معدودة، وبذلك تتجاوز جمود المناهج التقليدية وأساليب التلقين العقيمة التي تفصل الخريج فصلاً تاماً عن بيئة العمل الحقيقية.
لذلك فإنَّ الإفراط غير المبرَّر في إطالة مدة التعليم النظري يخلق تكلفة عالية جدًّا ومدمِّرة لكلٍّ من الفرد والدولة على حدٍّ سواء، فعندما يُهدر الشاب زهرة عمره وأجمل سنوات شبابه في تحصيل معارف نظريَّة بحتة بعيدة عن متطلبات السوق الفعلي، فإنَّه يفقد تماماً فرصة الانخراط المبكر في عجلة الإنتاج الحقيقي، وبناء مسيرة مهنية واكتساب الخبرة المباشرة التي تصنع الفارق في السوق، ولقد أدى هذا الخلل المتراكم إلى تكريس ظاهرة البطالة المقنَّعة في الهياكل الوظيفية، وترسيخ ثقافة اجتماعية وهمية تقدِّس الأوراق والشهادات الشكلية على حساب الإنتاجية الحقيقية والكفاءة الفعلية التي تبحث عنها المؤسسات الناجحة والشركات الكبرى التي تلهث خلف الأداء لا الألقاب.
لهذا كلُّه، أضحى من الواجب على المسؤول إحداث مراجعةٍ جذريَّة وصارمة لفلسفة التعليم العالي في العالم العربي، وعلاقته الحتمية بمنظومة العمل والإنتاج، فالإصلاح الحقيقي لا يكون بالمسكِّنات التجميلية بل يبدأ حتماً بتقليص سنوات التخصصات النظرية غير المبرَّرة، والتحوُّل الواعي نحو مساراتٍ ترتكز على الجدارات والكفاءة والتدريب الميداني المقرون بالإنتاج الفعلي، بالإضافة إلى تصحيح النظرة القاصرة تجاه التعليم التقني والمهني، فقد حان الوقت لإدراك أنَّ بناء الإنسان المزوَّد بالمهارة الحقيقية والقدرة الميدانية هو الغاية الإدارية الأسمى، لا مجرَّد تكديس الألقاب والأوراق التي تثقل كاهل الاقتصاد ولا تسمن ولا تغني من عمل.




