تأملات

اكتشف شمس روحك

يونيو 3, 2026

اكتشف شمس روحك

{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38]
آيةٌ تخترق الروح اختراقاً، إنّها تدور في فلك الحبّ الإلهيّ الخالص، والأجمل هو معناها، فالمستقر الذي تجري له الشّمس حسب ما ذكر المفسّرون هو سجودها تحت عرش الرّحمن، وإذا أرادت روحي أن تتأمل أكثر في هذا المعنى العظيم المقدّس، فإنّ كلمة (تجري) تحمل معنى الاضطراب وكلمة (مستقر) تحمل معنى (السّكينة)، لكنّه الجمال القرآني، كيف لا تجري الشّمس والمستقرّ هو تحت عرش الرّحمن؟، لذلك سبحان اللّه أستحضر في هذا الموقف مواكب الشهداء حين تشييعها، وكأنّ ريحاً تحملها من السرعة، حتى وكأنّ المشيّعين يجرون بجثامينهم الطاهرة ليواروا الثرى، أو بتعبيرٍ آخر ليكونوا في مستقرّهم الأخير،في المعنى الظاهري المادي فإنّ مستقرّ الشهيد هو قبره، وفي المعنى الباطني الحقيقي فإنّ مستقرّ الشهيد هو تحت عرش الرّحمن، لذلك فالشّهيد كالشّمس يجري لمستقرّه، والحقيقة أنّ ارتشاف المعاني من معين هذه الآية البديعة لا ينضب.
غالباً حركة الجري تكون بسبب الخوف أو لحاق أمرٍ سيفوتك وأحياناً للحبّ، تجري الشمس حباً في أن تذوق لذة السّجود تحت عرش الرّحمن.
وفي كلّ روحٍ بشرية شمس، وفي كلّ قلبٍ نور، يتوق أن يجري لمستقرٍّ له، لكنّ الإنسان بشهواته ودنيويته يضع عائقاً أمام شمس روحه، فلا تستطيع بلوغ مستقرّها في ملكوت الرحمن.
فمتى تتحرّر من ظلمات نفسك الأمارة بالسّوء، فإنّ روحك تبلغ مستقرّها، وتحرير نور روحك المتصلة باللّه عزوجل يحتاج إلى ارتباطك الكلي بفكرة التّقدير الدّقيق للعزيز العليم، والحقيقة أنّ تقدير العزيز العليم سبق جريان الشّمس لمستقرّها وإن كان في نهاية الآية، أيّ كلّما استسلم الإنسان لفكرة أنَّ كلّ خطوةٍ ونفَس في حياته بتقدير العزيز العليم، فإنّ روحه تبلغ بذلك مستقرّها أيّ امتدادها من روح الله عزّ وجلّ، وتشهد على هذا الاتّصال العظيم والامتداد المقدّس.
هل عجز الإنسان والذي هو أعظم عند اللّه من جميع المخلوقات أن يبلغ حقيقته ويجري لمستقرّه؟ هل نجح الشّيطان في أن يشتّت الإنسان ويوهمه بمستقرّه بين الشهوات والأكدار؟
حينما أفكر بهذا أشعر بحزنٍ شديد، ذلك أنّ الشمس أدركت عظمة اتّصالها وسجودها تحت عرش الرّحمن، بينما الإنسان الذي اختاره اللّه عزّ وجلّ أن يكون خليفته، يعيث بالأرض فساداً ويحجز مقاعد اتّصال يومية مع الشّيطان عبر المنكرات والسّيئات والعزوف عن الطاعات والعناد والتجبر والمناددة وسوء الظنّ والقسوة والظلم والشرّ، وفي ذلك دعوة للتفكّر في أن يعيد الإنسان اكتشاف شمس روحه، لكي تجري لمستقرّها حبًّا وشوقاً واستسلاماً وطاعة.
وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد شمس القلب، ومعلّم الحبّ، ومؤنس الدرب، وماحي الكفر، وعلى آله وصحبه وسلّم.

شارك

مقالات ذات صلة