تأملات
حاصَر النبيُّ ﷺ يهودَ بني قُريظة إحدى وعشرين ليلةً،
وذلك بعد أن نقضُوا العهد واِنحَازُوا إلى الأحزابِ في غزوة الخندق،
فسألوا النبيَّ ﷺ الصُّلحَ،
على ما صالحَ عليه إخوانَهُم من يهودِ بني النَّضِير،
فيرحلونَ عن المدينة إلى اليهودِ في أريحا وبلاد الشام،
فأبى النبيُّ ﷺ أن يُجيبهم إلى هذا،
حتى ينزِلُوا على حُكم سعدِ بن مُعاذ،
فرفضوا هذا، وقالوا: أرسِلْ إلينا صاحبكَ أبا لُبابة،
وكان حليفاً لهم في الجاهليَّةِ، وبينه وبينهم تجارة بعدَها،
فبعثه النبيُّ ﷺ إليهم، فجاءهم،
فقالُوا: يا أبا لبابة ما ترى، أننزلُ على حُكم سعدِ بن معاذ؟
فأشار أبو لبابة إلى حلقه: إنّه الذَّبحُ فلا تفعلوا!
قال أبو لبابة: واللهِ ما زالتْ قدمايَ حتى علمتُ أنّي قد خنتُ اللهَ ورسولَه!
وأنزلَ الله تعالى قوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ”
فشدَّ أبو لبابة نفسَه على ساريةٍ من سواري المسجد،
وقال: واللهِ لا أذوقُ طعاماً ولا شراباً، حتى أموتَ أو يتوبِ اللهُ عليَّ!
فَمكث سبعة أيامٍ لا يذوقُ طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشياَ عليه!
ثم تابَ اللهُ عليه..
فقيل له: يا أبا لبابة قد تابَ اللهُ عليكَ.
فقال: لا واللهِ لا أحلُّ نفسي حتى يكون النبيُّ ﷺ هو الذي يحُلُّنِي!
فجاءَ النبيُّ ﷺ فحلَّه بيده الشريفة.
فقال أبو لبابة: إنَّ من تمام توبتي،
أن أهجر دار قومي التي أصبتُ بها الذُّنب!
وأن أنخلع من مالي!
فقال له النبيُّ ﷺ : يجزيكَ الثلثُ أن تتصدقَ به!
الدَّرسُ الأوّل:
أُمرنا أن نُحْسِنَ إلى الناس جميعاً،
لا نظلِمُ إنساناً ولو كان كافراً،
ولا نسرقُ مال إنسانٍ ولو كان يعبدُ صنماً،
ولا نغشُّ إنساناً ولو كان مُلحداً،
ولا نحطُّ من عرضِ امرأة ولو كانت على غير ديننا،
أخلاقُنا نستقيها من كتاب ربّنا ومن هدي نبيِّنا،
الآخرون ليسوا مرآةً لأخلاقنا إن أحسنوا أحسنَّا وإن أساؤُوا أسأنا!
ونحن نعيش في مجتمعات هي مزيج من النَّاسِ من كل دينٍ وعِرقٍ ومذهب،
زميلي النَّصرانيُّ أعامله بالخُلق الحَسن وأراعي خاطره،
وزميلتكِ التي على غير دينكِ ومذهبكِ تزورينها إذا مرِضتْ،
جاري الملحِدُ أصِله بحقِّ الجِوار الذي جعله له الإسلام عليَّ،
وصديقُكَ في الجامعة الذي على غير دينك تلينُ معه،
ولكن العقيدة أولّاً وأخيراً!
نُكرِمُ الأخرين بما هو حلال في ديننا،
ونَصِلُهُم بحدود المباح الذي لا يوقعنا في الإثم،
ونحفظُ لهم معروفهم، ونكافئُهم عليه، بما نُثاب فيه لا بما نأثم به!
الدَّرسُ الثَّاني:
المؤمن ليس معصوماً عن الخطأ،
ولكنه وقَّافٌ عند الحقِّ!
ومن أحبِّ الأحاديث النبويَّةِ إلى قلبي، قول النبيُّ ﷺ:
ما من عبدٍ مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفَيْنةَ بعد الفَيْنَة،
أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يُفارقُه حتى يُفارق!
إنَّ المؤمن خُلقَ مفتَّناً، تواباً، نسَّاءً، إذا ذُكرَّ ذَكَرَ!
فإن وقع منك ذاك الذَّنبُ المُعتاد،
الذي تواقعه ثم تتوب عنه، وتتوب عنه ثم تواقعه،
أو هو ذَنْبٌ جديدٌ طارئ،
فالأصلُ أن ترجعَ فوراً وتتوب، ولا تتمادَ!
إذا نظرتَ إلى حرامٍ،
فمتِّعْ عينيكَ بصفحاتٍ في مصحفك!
وإذا لمستَ ما لا يحِلُّ لكَ،
فاغّسِلْ هذه اليَدَ بصدقةٍ على فقير!
وإذا مشيتَ إلى حيث ما كان يجب أن تَمشي،
فاصحَبْ قدميكَ إلى المسجدِ تكفيراً،
واِمشِ في قضاءِ حاجة مسلمٍ استغفاراً،
أما إذا كان الذَّنبُ في حقٍّ من حُقوق العباد،
فلا توبةَ إلا بإرجاع الحقِّ إلى أهله،
ما كان بينك وبين الله، تُبْ منه بينكَ وبين اللهِ.
وما كانَ بينكَ وبين الناس، فحُلّه بينك وبين الناس!
الدَّرسُ الثّالث:
تابَ اللهُ تعالى على أبي أُمامة،
ولكنه رفضَ أن يُحلَّ نفسه من وثاقه،
حتى يأتي النبيُّ ﷺ ويحلّه بيده الشريفة،
وأنتَ فاعلَمْ:
أنه وإن غابتْ يدُ جَسَدِ النبيُّ ﷺ،
فإنَّ يدَ شرعه باقيةٌ ما بقيت الدُّنيا،
فلا ترضَ إلا أن تحلَّ نفسك بها!
فإنْ فاتتكَ صلاةُ الفجرِ في وقتها،
صلِّها في أقرب وقتٍ ذكرتَها فيه،
ثم توّجْ هذا القضاء بركعتين تركعهما من الضُّحى،
وإن جرحتَ يوم صيامكَ بذنبٍ عابرٍ،
رمِّمْ هذا اليوم بصيام يوم تطوع مكانه تعتذِرُ من الله تعالى فيه،
إنْ فاتكَ وردكَ من القرآن في النَّهار،
فاقرأه في الليل ففيه مُتَّسَع،
وإنْ غفلتَ عن أذكار الصَّباح،
فسبِّح في الظَّهيرة، في كلِّ الأوقاتِ فُسحة!
وإن بخلتَ في صدقةٍ ثمّ لمتَ نفسَكَ،
فعاجِلْ بصدقةٍ مكانها في موضعٍ آخر!
وإن وجدتَ في نفسِكَ عُجُباً وكِبراً بسبب منصبٍ أو مالٍ،
فتذكَّرْ أنَّ هذه النَّفس فرسٌ جمُوح،
أما أن تركبها أو تركبكَ!
ذلَّ كبرياءها بما يُؤدِّبها،
اِشترِ طعاماً وكُلْه من عمَّالٍ بسطاء في ورشة أو محطَّة،
زُرْ بيت فقيرٍ معدمٍ لتعرفَ أنّك لولا فضل اللهِ لكنتَ مكانه!
الدَّرسُ الرَّابع:
الصَّدقةُ تُطفئُ غضبَ الرَّب كما يُطفئَ الماءَ النَّارَ!
فكلِّلْ كل توبةٍ لكَ بصدقة!
وليست الصَّدقة قرينة التَّوبة فقط،
وفضائلها تتخطى ألا تصْلُحَ إلا اعتذاراً!
بالصَّدقة يُدفعُ بلاءٌ لا يُدفَعُ بغيرها،
يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: باكِروا بالصَّدقة،
فإن البلاء لا يتخطّى الصَّدقة!
وقال يحيى عليه السَّلام يُوصي بني إسرائيل:
آمرُكمُ بالصَّدقة، فإن مثل ذلك رجل أسرَه العدُوُّ،
فأوثقُوا يده إلى عُنقه، وقدَّمُوه ليضرِبُوا عنقَه،
فقال: أنا أفتدي منكم بالقليلِ والكثيرِ، ففدى نفسَه منهم!
والصّدَقة تُطهِّرُ المال الذي نجنِيه،
دخلَ النبيُّ ﷺ السُّوقَ يوماً، فقال للتُّجارِ فيه:
يا معشر التُّجار: إنَّ هذا البيع يحضرُه اللغوُ والحَلِفُ، فشُوبُوه بالصَّدقة!
وأنتَ، اِجعلْ لك صدقةً من راتبك عند استلامِه!
والصَّدقةُ دواءٌ وعلاجٌ، تُدفعُ به الأسقام دفعاً،
يقولُ النبيُّ ﷺ: داوُوا مرضاكم بالصدقة!
وشكا رجلٌ إلى عبد الله بن المبارك، قرصةً خرجتْ في رُكبته منذ سبع سنين،
وقد عالجها بأنواعِ العِلاج، وسألَ الأطباءَ فلم يبرأْ،
فقالَ له ابنُ المبارك: اِذهبْ فاحفِرْ بئراً في مكانٍ يحتاجُ النَّاسُ فيه الماءَ،
ففعلَ الرجلُ هذا، فبرئ بإذن الله!
والصَّدقةُ أنفعُ وسيلةٍ لزيادة المال والبركة فيه،
يقولُ النبيُّ ﷺ: ما من يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه،
إلا ملكانِ ينزلان فيقولُ أحدُهما: اللهُمَّ أعطِ مُنفِقاً خَلَفاً!
ويقولُ الآخر: اللهُمَّ أعطِ مُمسِكاً تلَفاً!
ثُمَّ إنَّ كلَّ المال ذاهبٌ نهاية المطاف،
ولا يبقى للعبدِ من ماله إلا ما تصَّدقَّ به واستبقاه عند الله تعالى،
ذُبحتْ شاةٌ في بيتِ النبيِّ ﷺ، فأمرَ عائشة أن تتصدقَ ببعضها،
فلما عادَ سألها عن الشاة، فقالت: ما بقيَ منها إلا كتفها!
فقال لها: بقيتْ كلُّها إلا كتفها!
والصَّدقةُ تحجبُ المسلمَ عن النَّار يوم القيامة!
يقول النبيُّ ﷺ كما في البخاريِّ ومُسلم:
ما منكم من أحدٍ إلا سيكلِّمُه اللهُ، ليس بينه وبينه تُرجمان،
فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ،
فينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ،
فينظر بين يديه فلا يرى إلا النَّارَ تِلقاءَ وجهه، فاتقوا النَّار ولو بشقِّ تمرة!