تأملات

لو نزلتْ علينا معشرَ اليهود!

يونيو 3, 2026

لو نزلتْ علينا معشرَ اليهود!

قال رجلٌ من اليهود لعمر بن الخطاب: يا أميرَ المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشرَ اليهود نزلتْ لاتّخذنا ذلكَ اليوم عيداً!

فقال له عمر بن الخطاب: أيُّ آية؟

فقال: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”

فقال عُمر: قد عرفنا ذلكَ اليوم، والمكان الذي نزلتْ فيه على النّبيِّ ﷺ، نزلتْ يوم الجمعة وهو قائِمٌ بعَرَفة!

الدَّرسُ الأوّل:

كان يوم عرفة يوماً مهيباً، النّبيُّ ﷺ على جبل النّور يتهيأ لأعظم خطبة في التاريخ، مئة وعشرون ألفاً من أصحابه ينتظرونه ليتحدّث ليأخذوا عنه، يا اللّه، كيف تتغير الدُّنيا بسرعة! قبل ثلاثة وعشرين سنة من هذه اللحظة، نزل النّبيُّ ﷺ من غار حراء يرتجف من هول الوحي، وبين أولى كلمات القرآن “اقرأ”، وبين أولى كلمات خطبة الوداع “أيّها النّاس”، كم تعبَ وذاق الأذى وكابد المشقة ليكون لنا اليوم دين، اتَّهموه بالكذب والسَّحر وقد سمُّوه من قبل صادقاً أميناً وهو كذلك، وضَعُوا على رأسه سلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة، وأسمعوه من الكلام ما يكره، حاصرُوه في شِعب أبي طالبٍ حتى مسَّه الجوع مسَّاً، رجمُوه في الطَّائف حتى سال الدَّمُ من قدميه الشَّريفتين، تآمروا على قتله وأرادو أن يفترَّقَ دمُه بين القبائل، استكثروا عليه حتى أن يكون له ثأر! أخرجوه من قريته التي يُحِبُّ، وقاتلوه في بدر وأُحد وشجُّوا الرأس الشريف وأسالوا دمه، وحاصرُوه في غزوة الأحزاب حتى بلغتْ قلوبُ أصحابه الحناجر، وردُّوه عن البيتِ الحرام وقد جاءَ معتمراً، ثمّ جاء نصر اللّه الفتح، فاللهُمَّ اجزِه عنَّا خير ما جزيتَ نبياً عن أُمَّته!

الدَّرسُ الثَّاني:

الرَّجل الذي بدأ بالأمر وحيداً صار اليوم أُمَّة، إنَّه محمّد ﷺ أعظم إنسان في تاريخ هذه البشرية، الأميُّ الذي علَّم المتعلمين والفلاسفة والخبراء والمثقفين، اليتيم الذي ربَّى آباء العالم وأمهاته، الفقير الذي أرسى الزّكاة، وحثَّ على الصَّدقة، ووزَّع المال توزيع من لا يخشى الفقر، الذي لم يدخل كُليّةً عسكريه ولكنّه حارب كما الأبطال الشُّرفاء، والذي لم يدخل كُليَّة السّياسة ولكنّه كان أرفع رجل دولةٍ في التّاريخ، الأبّ الحنون الذي كان يفيضُ حُبًّا، والزوج الخلوق الذي كان ينبضُ حناناً، الحليم الذي لم يكن يغضب لنفسه أبداً، المتواضع الذي صعد إلى السَّماء السَّابعة، ثمّ عاد إلى الأرض يحلبُ شاته، ويخصفُ نعله، ويأكل مع المساكين، الزَّاهد بالدُّنيا حتى كان الحصير يؤثر في جنبه، ويجلسُ بين أصحابه فلا يتميَّزُ عنهم بشيء، حتى أنّ الأعرابي كان يجيء إلى مجلسه فيسأل: أيّكم محمد؟! الصَّابر الذي فقد كلّ أولاده في حياته إلا فاطمة، الرَّاضي الذي فقد زوجته خديجة، وعمَّه أبا طالب، وحبيبه حمزة، الخلوقُ، الخلوقُ جداً الذي تقول عنه عائشة: كان خُلقُه القرآن!

الدَّرسُ الثَّالث:

كان دوماً يبدأ بنفسه، فإذا أمرَ أمراً كان أوّل من يأتمر به، وإذا نهى عن أمرٍ كان أوّل من ينتهي عنه، وعلى مدى ثلاثٍ وعشرين سنة لم يُخالف فعله قوله ولو مرَّةً! في غزوة بدر دفعَ أقاربه للمبارزة، لم يُخبئهم ويُحارب بأولاد النّاس! وفي غزوة مؤته رثى ابن عمه جعفر بن أبي طالب! وعندما وقف يوم عرفة ليُسنَّ القوانين بدأ بأهله، وضعَ الجاهلية كلّها تحت قدميه، كان أوّل رِبًا وضعه رِبا عمه العباس، وأوّل ثأر وضعه ابن عمه عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعندما أراد أسامة بن زيد أن يشفع للمخزومية في حدّ السَّرقة، وسأله ألا يقطع يدها، غضبَ من أسامة غضباً شديداً، وكان لا يغضب إلا للهِ، وقال له: أتشفعُ في حدٍّ من حدود اللّهِ يا أسامة؟ ثمّّ صعد المنبر وقال للناس: وأيمُ اللّه، لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها! وحاشا فاطمة، ولكنّه أراد أن يُخبرنا أنّه لا أحد فوق شرع الله! وأنّ النَّاس سواسية كأسنان المشط!

الدَّرسُ الرَّابع:

قال لأصحابه يومها بملءِ صوته: أيّها الناس إنَّ ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، كلّكم لآدم وآدمُ من تراب!

هذا هو الإسلام العظيم الذي لا يتفاضلُ فيه النَّاسُ إلا بالتقوى! أبو لهبٍ الهاشميُّ في النّار، وبلال الحبشيُّ في الجنّة، أبو جهل القرشيُّ في النّار، وسلمان الفارسيُّ في الجنّة، أميّة بن خلف العربيّ في النّار، وصهيبٌ الروميّ في الجنّة! لو كان النَّسبُ ينفع عند الله لانتفعَ أبو لهب! ولو كان الملك ينفع لانتفعَ النمرود وفرعون! ولو كان المال ينفع لانتفعَ قارون! ولكنّها التقوى لا غير، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم!

 

شارك

مقالات ذات صلة