Blog
بيان الأشمر
في 17 من نيسان من كلّ عام، تعود الذاكرة السورية إلى لحظةٍ فارقة في تاريخها الحديث، لحظة خروج آخر جندي فرنسي عن أرض سوريا عام 1946. يوم الجلاء لم يكن مجرّد حدثٍ تاريخي، بل هو تجسيد لثقافة الحرية، والكرامة، والرفض القاطع لأيّ شكلٍ من أشكال الاستعمار أو التدخل الخارجي. هو اليوم الذي سُطّر بدماء الأبطال لتعيش سوريا مستقلة ذات سيادة.
ذكرى أبطال لا ينسون
وفي هذه الذكرى، نستحضر كوكبةً من القادة والأبطال الذين نذروا حياتهم لسوريا، حيث أبدى بعض المجاهدين الدمشقيون، وخاصة ثوار الغوطة وأحياء دمشق القديمة، بطولة فائقة وشجاعة نادرة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، فلا يمكن الحديث عن الجلاء دون ذكر يوسف العظمة، الذي ضرب أروع أمثلة التضحية في ميسلون رغم اختلال موازين القوى، وحسن الخراط، ومحمد الأشمر و نسيب البكري وغيرهم من قادة الكتلة الوطنية الذين قارعوا الاستعمار الفرنسي بالسياسة والسلاح في معارك الغوطة الشرقية (1925)، ومعركة زور المليحة (أيلول 1925)، و دخول دمشق واقتحام قصر العظم (تشرين أول 1925) وغيرها الكثير، حيث تركوا رسالة للسوريين مفادها: (الحرية ليست “مكسباً شخصياً” أو “ورقةً سياسية”، بل قدساً لا يُمس).
الوطنية فعل وعدالة محققة وليست شعاراً فحسب
وفي محاولةٍ بائسة لاستعارة “ثياب العظمة” من أبطالنا المجاهدين وشهداء ثورتنا العظيمة، وللمناداة بالحرية في زوايا اعتصامات مشبوهة ما هي إلا صدىً باهت لتلك الحرية، وسعيٌ من بعضهم للربط بين ذكرى وطنية، وبين تحركٍ مشبوه في دوافعه وأشخاصه لخلط الأوراق، حيث حاول منظمو اعتصام نيسان 2026 اللعب على أوتار الرمزية الوطنية بوقفتهم، لكن الوعي الشعبي كان كفيلاً بكشف الفارق.
وبعد أن قاموا بتشويه قدسية ذلك اليوم بمزاوداتٍ لا تُغني ولا تُسمن من جوع، جاء الخبر اليقين في الجمعة التي تليها ليؤكد لنا أبطالٌ وجنودٌ مجهولون أنّ الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا بالعدالة.
فسقوط مجرم “مجزرة التضامن” في قبضة العدالة هذا الشهر ليس مجرّد حدثٍ أمني، بل هو امتدادٌ لروح الجلاء التي نادى بها ثوار بلدنا على امتداد التاريخ وحتى اليوم.
وإنّ القبض على “أمجد يوسف” الذي استباح دماء السوريين في حي التضامن هو “جلاءٌ جديد” للحقّ عن الباطل. فبينما يرحل المزاودون وأصحاب الشعارات الجوفاء مع غبار اعتصاماتهم الفاشلة، يبقى دم الشهداء والعدالة الناجزة هما العنوان الحقيقي لكرامة الوطن. فسلامٌ على الأحرار الأوائل، وسلامٌ على عدالةٍ لا تموت، وجلاءٌ دائمٌ لكلّ من خان أو طغى.
وسيبقى يوم الجلاء هو درس متجدد في السيادة والحرية والكرامة. وحماية إرث الجلاء لا تكون بالشعارات الزائفة أو الاعتصامات المشبوهة، بل بالتمسّك بالوحدة الوطنية، ورفض التبعية، والوعي بأنّ من ناضل وطرد المستعمر لا يرضى بأن يتم استغلال ذكراه لغايات غير معروفة.
“الجلاء ليس يوماً في الذاكرة، بل اختبار دائم لمعنى الحرية… وكلّ جيل يُجبر أن يجيب عنه بطريقته”.


