سياسة
محمود الإبراهيم
اختتم الرئيس السوري أحمد الشرع جولة خليجية خاطفة استمرت أقل من 72 ساعة، شملت المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، في تحرك دبلوماسي مكثف يعكس تحوّلاً واضحاً في أولويات السياسة السورية، حيث يتقدّم الملف الاقتصادي وتحديداً إعادة الإعمار واجهة الاهتمام، بالتوازي مع إعادة صياغة العلاقات السياسية في الإقليم.
وأعلن وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، في 22 نيسان، انتهاء الجولة التي ركزت وفق تعبيره على “تعزيز العلاقات الأخوية الراسخة”، وبحث سبل دفع عجلة التنمية الاقتصادية، إلى جانب تأكيد “الموقف الثابت” لسوريا في التضامن مع الدول العربية في مواجهة التهديدات. هذا التوازي بين الاقتصاد والسياسة لم يكن تفصيلاً، بل شكّل العنوان الأبرز لكل محطات الجولة.
إيقاع سريع… وأجندة مزدحمة
تميّزت الجولة بقصر مدتها وكثافة لقاءاتها، ما يعكس رغبة في تحقيق اختراقات سريعة أو على الأقل تثبيت أرضية مشتركة مع العواصم الخليجية الثلاث. بدأ الشرع زيارته من جدة، حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في لقاء ركّز على توسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب مناقشة التطورات الإقليمية وانعكاساتها على أمن المنطقة.
في الدوحة، انتقل التركيز إلى قطاعات أكثر تخصصاً، مثل الطاقة والاستثمار والربط التجاري، خلال لقاء جمعه بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. ولم يخلُ اللقاء من أبعاد سياسية واضحة، إذ أكد الجانبان التنسيق المشترك لتعزيز الاستقرار الإقليمي، فيما عبّر الشرع عن تضامن سوريا مع قطر على خلفية التوترات الإقليمية، في إشارة مباشرة إلى “الاعتداءات الإيرانية” التي طالت دولاً في المنطقة.
أما في أبوظبي، المحطة الأخيرة، فقد التقى الشرع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، حيث تركزت المباحثات على تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، إضافة إلى مناقشة القضايا الإقليمية، بما في ذلك أمن الملاحة الدولية وتأثير التوترات على الاقتصاد العالمي. كما حملت هذه المحطة لهجة أكثر حدة سياسياً، مع إدانة سورية واضحة للهجمات التي استهدفت دول الخليج.
الاقتصاد في الصدارة: من إعادة الإعمار إلى جذب الاستثمار
تكشف مضامين اللقاءات أن دمشق تسعى إلى نقل علاقاتها الخليجية من مستوى “التقارب السياسي” إلى مستوى “الشراكة الاقتصادية الفعلية”. فبعد سنوات من الحرب، لم يعد ملف إعادة الإعمار مجرد عنوان عام، بل أصبح ضرورة ملحّة تتطلب تدفقات مالية واستثمارات نوعية، وهو ما تملك دول الخليج أدواته.
الرهان السوري هنا يقوم على توظيف الانفتاح السياسي لتحفيز استثمارات في قطاعات حيوية، مثل البنية التحتية، والطاقة، والصناعة، والخدمات. كما أن الحديث عن “تحريك القطاعات الإنتاجية” يشير إلى توجه يتجاوز إعادة البناء التقليدية نحو إعادة هيكلة الاقتصاد، بما يضمن استدامة النمو وتقليل الاعتماد على الواردات.
لكن هذا المسار لا يخلو من تحديات بنيوية، أبرزها البيئة القانونية للاستثمار، ومستوى الاستقرار الداخلي، إضافة إلى العقوبات والتجاذبات الدولية التي قد تؤثر في حجم ونوعية الاستثمارات المتوقعة.
رسائل سياسية محسوبة: إعادة التموضع لا القطيعة
إلى جانب الاقتصاد، حملت الجولة رسائل سياسية دقيقة، أبرزها سعي سوريا إلى إعادة تموضعها ضمن المنظومة العربية، دون الدخول في قطيعة حادة مع أي طرف إقليمي. فالتأكيد على “التضامن العربي” في مواجهة التهديدات، مقروناً بإدانة الهجمات على دول الخليج، يعكس محاولة للتماهي مع أولويات الأمن الخليجي، أو على الأقل التقارب معها.
هذا التحول في الخطاب السياسي يوحي بأن دمشق تدرك أهمية البيئة الإقليمية في دعم مسار التعافي الداخلي، وأن أي انفتاح اقتصادي لن يكون ممكناً دون حد أدنى من التفاهم السياسي مع القوى المؤثرة في المنطقة.
في الوقت ذاته، لا يبدو أن سوريا تتجه إلى إعادة تموضع جذري بقدر ما تسعى إلى تحقيق توازنات جديدة، تسمح لها بالاستفادة من علاقاتها العربية دون الانخراط في محاور حادة، وهو ما يفسر طبيعة الخطاب الذي رافق الجولة.
بين الزخم والاختبار
تعكس الجولة الخليجية زخماً دبلوماسياً لافتاً، لكنها تظل في إطار “تأسيس المسار” أكثر من كونها مرحلة جني النتائج. فالاتفاقات الفعلية، إن وُجدت، تحتاج إلى وقت لتتبلور، كما أن ترجمة النوايا السياسية إلى مشاريع اقتصادية تتطلب بيئة مستقرة وإجراءات تنفيذية واضحة.
بالنسبة للقارئ السوري، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بنتائج الجولة، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في الواقع الاقتصادي سواء من حيث فرص العمل، أو تحسن الخدمات، أو استقرار الأسعار. وهنا، يبقى الحكم مؤجلاً إلى ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة.
خلاصة
تضع الجولة الخليجية للرئيس أحمد الشرع ملامح مرحلة جديدة في السياسة السورية، عنوانها الأبرز: الاقتصاد بوصفه مدخلاً لإعادة الاندماج الإقليمي. وبين الطموح المشروع والتحديات المعقدة، تبدو دمشق أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل الانفتاح السياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة—وهو ما سيحدد، في نهاية المطاف، مدى نجاح هذا التحرك في إعادة رسم موقع سوريا في محيطها العربي.