سياسة

سوريا تتعلم الاختلاف.. من ساحة الخوف إلى ساحة الرأي

أبريل 20, 2026

سوريا تتعلم الاختلاف.. من ساحة الخوف إلى ساحة الرأي

لم يكن ما جرى في ساحة المحافظة بدمشق قبل أيام مجرّد تجمّع احتجاجي عابر، ولا مجرّد مشهد سجالي بين مؤيدين ومعارضين في ساحةٍ عامة، بل كان لحظة سورية كثيفة الدلالة، تختصر مسافةً طويلةً قطعها هذا البلد منذ انكسار جدار الخوف وحتى لحظة الوقوف في العلن للتعبير عن الرأي. فأن يخرج اعتصام تحت عنوان “قانون وكرامة”، وأن تقابله مظاهرة أخرى مناقضة له في المكان نفسه، ثمّ يتدخل الأمن للفصل بين الطرفين وحماية الجميع، فذلك وحده يكفي ليقول إنّ شيئًا عميقًا تغيّر في سوريا، لا على مستوى السلطة فقط، بل في جوهر العلاقة بين السوريين أنفسهم وبين الفضاء العام الذي حُرموا منه طويلًا.

لسنواتٍ مديدة، لم يعرف السوريون في ظلّ حكم آل الأسد معنى أن تكون الساحة ملكًا للناس.. كانت الشوارع مراقبة، والهتاف مصادَرًا، والرأي تهمة، والاختلاف بابًا مفتوحًا على الاعتقال أو الإخفاء أو الإذلال، لم يكن الأمن يومها يفصل بين الآراء، بل كان يسحقها جميعًا إذا خرجت عن النصّ المفروض.

 لذلك فإنّ القيمة الحقيقية في مشهد دمشق الأخير لا تكمن في مضمون الاعتصام وحده، ولا في خلفيات منظميه، ولا حتى في الشكوك المثارة حول بعض من يقفون وراءه، بقدر ما تكمن في أنّ السوري صار قادرًا على أن يقول ما يريد في العلن، وأن يسمع ردًا عليه من سوري آخر، من دون أن تتحوّل اللحظة فورًا إلى مجزرةٍ سياسية أو أمنية كما كان يحدث في زمن الاستبداد.

هذا لا يعني بالطبع أنّ كلّ ما رُفع في ذلك الاعتصام بريء من الالتباس، ولا أنّ كل من حضر إليه خارج عن الشبهات، ولا أنّ السوريين مطالبون بالسذاجة السياسية تجاه محاولات بعض فلول النظام البائد التسلل مجددًا إلى المجال العام بأقنعةٍ جديدة.

 لكن الحرية التي دفع السوريون ثمنها دمًا وتهجيرًا وخرابًا لا تُقاس فقط بقدرة الثائر على الكلام، بل أيضًا بقدرة المجتمع على مواجهة الرأي المشبوه بالنقاش والرفض والفضح، لا بمجرّد العودة إلى أدوات المنع القديمة نفسها، وهنا بالذات يظهر المعنى الأعمق للثورة المنتصرة: أنّها لم تنتصر فقط حين أسقطت نظام القمع، بل حين بدأت تضع السوريين أمام اختبار أصعب، هو كيف يديرون اختلافهم من دون أن يستعيروا أخلاق السجان الذي ثاروا عليه.

 

الحرية تُختبر حين تشمل من نختلف معهم

القيمة الحقيقية لما جرى في ساحة المحافظة لا تكمن فقط في وجود اعتصام أو مظاهرة مضادة، بل في الطريقة التي أُدير بها المشهد كلّه، فالسوريون الذين عاشوا عقودًا تحت حكمٍ صادر الشارع والكلمة معًا، يعرفون جيدًا أن أخطر ما في الاستبداد ليس فقط قمع الرأي، بل تحويل الفضاء العام إلى ملكية حصرية لصوت واحد.

 لذلك بدا المشهد الأخير، بكل ما فيه من توتر والتباس وشكوك، علامة فارقة في سوريا الجديدة: طرف يعبّر عن رأيه، وطرف آخر يرفضه علنًا، والأمن يتدخل للفصل والحماية لا للمصادرة والاعتقال.

هنا بالضبط يظهر الفرق بين دولة تخاف من مواطنيها، ودولة تحاول أن تتعلّم كيف تدير اختلافهم، ففي زمن الأسد الأب والابن، لم يكن ممكنًا أصلًا أن يصل السوريون إلى هذه اللحظة، لم يكن الاعتراض مسموحًا، ولا الردّ عليه مسموحًا، ولا حتى مجرد الوقوف في الساحة بلا إذن.

أما اليوم، فحتى مع كل الملاحظات على مضمون بعض الشعارات، وحتى مع الشكوك التي تحيط ببعض الوجوه أو الجهات التي تحاول العودة إلى المجال العام من بوابة المظلومية أو “الحقوق”، فإنّ الأهم أنّ الرد لم يعد حكرًا على الهراوة الأمنية، بل صار ممكنًا أن يكون ردًا سياسيًّا وشعبيًّا وأخلاقيًّا في العلن.

وهذا، في بلد خرج تواً من نصف قرن من القمع، ليس مسألة هامشية، بل واحدة من أوضح علامات التحوّل العميق الذي صنعته الثورة في بنية السوريين وعلاقتهم بالحرية.

 

من الخوف الموروث إلى الكلام في العلن

لم تغيّر الثورة السورية شكل السلطة فقط، بل ضربت في العمق ذلك الإرث الثقيل الذي خلّفه الاستبداد داخل السوريين أنفسهم.

 لعقود، لم يكن القمع مجرد سجون وفروع أمن، بل كان تربية يومية على الخوف، على خفض الصوت، وعلى الاقتناع بأنّ النجاة في الصمت لا في الكلام.. لذلك فإنّ التحوُّل الأهم الذي صنعته الثورة لا يُقاس فقط بسقوط نظام أو تبدل مشهد سياسي، بل بكون السوري صار، بعد كلّ هذا الدم والتهجير والخراب، أكثر استعدادًا لأن يقول رأيه في العلن، وأن يواجه الرأي الآخر من دون أن يشعر تلقائيًّا أن مصيره سيكون الزنزانة أو الاختفاء.

ولهذا فإنّ مشهد ساحة المحافظة لم يكن عابرًا، لأنّه كشف أنّ السوريين، على اختلاف مواقعهم، بدؤوا يخرجون من جلد الخوف القديم. صحيح أنّ بعض الأصوات ما تزال ملتبسة، وأنّ بعض الوجوه قد تحاول الاحتماء بشعارات عامة لتخفي حنينها إلى زمنٍ سقط، لكن المشهد نفسه أظهر أيضًا أن المجتمع لم يعد أعزل، ولا صامتًا، ولا خاضعًا بالكامل لمن يحتكر الكلام. هناك من يعترض، وهناك من يرد، وهناك من يناقش، وهناك من يفضح، وكلّ ذلك في المجال العام. وهذا بحدّ ذاته تطوّر كبير، لأنّ الحرية لا تعني غياب التوتر، بل تعني أن يُدار هذا التوتر بالكلمة والموقف، لا بالخنق والمنع. السوري الذي كان يهمس في بيته صار اليوم أقدر على إعلان موقفه، وهذه واحدة من أعمق نتائج الثورة، حتى لو بدت في ظاهرها مجرد مشهد احتجاجي محدود في ساحة عامة.

 

ليست قيمة ما جرى في دمشق أنّ الجميع كانوا على حقّ، ولا أنّ كلّ من وقف في الساحة كان نقيّ الخلفية أو واضح النية، بل إنّ القيمة الحقيقية كانت في أنّ سوريا الجديدة بدأت، ولو ببطء، تتعلّم كيف تتعامل مع الاختلاف خارج منطق الإلغاء الذي حكمها طويلًا. فالحرية التي دفع السوريون ثمنها دماءً واعتقالًا وتهجيرًا ليست حرية الصوت الواحد، بل حرية الساحة التي تتسع للصوت ونقيضه، ثمّ تترك المجتمع يفرز مواقفه بنفسه.

لهذا، فإنّ الثورة السورية لم تنتصر فقط حين أسقطت رأس الاستبداد، بل تنتصر كلّ مرة ينجح فيها السوريون في مقاومة إغراء العودة إلى أدواته. تنتصر حين يُواجَه الرأي بالرأي، والالتباس بالنقاش، والشبهة بالوعي، لا بالمنع الأعمى.

 وما جرى في ساحة المحافظة، بكلّ ما فيه من حساسية وجدال، كان دليلًا على أنّ السوريين لم يستعيدوا حقّهم في الكلام فقط، بل بدؤوا يستعيدون حقهم في الاختلاف أيضًا. وهذه، في بلد صودرت روحه نصف قرن، واحدة من أكبر علامات النصر.

شارك

مقالات ذات صلة