اقتصاد
محمود إبراهيم
يشكّل النظام الضريبي أحد أهم الأدوات التي تعتمدها الدول لتنظيم مواردها المالية، وتحقيق التوازن بين الإيرادات العامة والعدالة الاجتماعية. فالضريبة، في جوهرها، ليست مجرّد اقتطاع من دخل الأفراد، بل هي آلية لإعادة توزيع الدخل، وتمويل الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية. وفي هذا السياق، يأتي التعديل الجديد على النظام الضريبي في سوريا كمحاولة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، عبر تخفيف العبء عن الفئات ذات الدخل المحدود، وتحقيق قدر أكبر من الكفاءة والعدالة في التحصيل.
أولى الركائز الأساسية في النظام الجديد تتمثّل في رفع سقف الإعفاء الضريبي بشكلٍ ملحوظ. إذ ينصّ التعديل على إعفاء أيّ دخلٍ سنوي يقل عن 50 مليون ليرة سورية من الضريبة بشكلٍ كامل. وعند تحويل هذا الرقم إلى دخلٍ شهري، نجد أنّه يعادل نحو 4.16 مليون ليرة، ما يعني عملياً أنّ شريحة واسعة من الموظفين لم تعد خاضعة لأيّ اقتطاع ضريبي مباشر. هذه الخطوة تحمل دلالة اقتصادية واجتماعية واضحة، إذ تستهدف حماية القوة الشرائية للفئات الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة.
لفهم أهمية هذا التعديل، لا بدّ من مقارنته بالنظام السابق. في السابق، كانت الرواتب حتى المتوسطة منها تخضع لضرائب تصاعدية تبدأ من 5% وتصل إلى 15%. هذا يعني أنّ الموظف كان يدفع جزءاً ملموساً من دخله حتى لو كان ضمن حدود المعيشة الأساسية. على سبيل المثال، كان صاحب راتب شهري قدره مليونا ليرة يدفع ما بين 100 ألف و200 ألف ليرة ضريبة، وهو مبلغ ليس بسيطاً في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة.
أمّا في النظام الجديد، فإنّ هذا الموظف نفسه أصبح معفى بالكامل من الضريبة، ما يترجم إلى زيادة مباشرة في صافي دخله الشهري. وينطبق الأمر ذاته على من يتقاضى أربعة ملايين ليرة شهرياً، حيث كان يدفع سابقاً نحو 400 ألف ليرة، بينما أصبح الآن خارج نطاق التكليف الضريبي. هذه الأمثلة تعكس بوضوح حجم التحوُّل في السياسة الضريبية، والتي باتت أكثر ميلاً لحماية أصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
لكن التغيير الأكثر أهمية يظهر عند دراسة الشرائح الأعلى دخلاً. فالنظام الجديد لا يعفي هذه الفئات بالكامل، بل يعتمد مبدأ الضريبة على الجزء الزائد فقط. بمعنى آخر، يتمّ إعفاء أول 4.16 مليون ليرة من الدخل الشهري، وتُفرض الضريبة فقط على ما يتجاوز هذا الحد. فعلى سبيل المثال، إذا كان راتب الفرد 6 ملايين ليرة شهرياً، فإنّ الجزء الخاضع للضريبة يقتصر على نحو 1.83 مليون ليرة. وبافتراض معدل ضريبي تقريبي قدره 10%، فإنّ الضريبة المستحقة تبلغ حوالي 180 ألف ليرة، مقارنة بنحو 900 ألف ليرة في النظام القديم. هذا الفارق الكبير الذي يصل إلى نحو 700 ألف ليرة شهرياً يعكس انخفاضاً جذرياً في العبء الضريبي.
إلى جانب ذلك، يتضمن الإصلاح الضريبي توجُّهاً مهماً نحو إعادة هيكلة الضرائب غير المباشرة، من خلال إلغاء “رسم الإنفاق الاستهلاكي” واستبداله بما يُعرف بـ”ضريبة المبيعات”. الهدف من هذا التحوُّل هو تبسيط الإجراءات الضريبية، وزيادة الشفافية، وتقليل فرص التهرب. كما يشمل المقترح إعفاء نحو 9300 سلعة وخدمة أساسية في مقدمتها الغذاء والدواء من أي ضرائب، وهو ما يخفف بشكلٍ غير مباشر من الأعباء المعيشية على المواطنين.
ولا يقتصر الإصلاح على جانب الإعفاءات، بل يمتد إلى تحفيز النشاط الاقتصادي. فقد أعلنت الحكومة عن تقديم إعفاءات ضريبية للمنشآت الصناعية والسياحية والتجارية المتضررة، بهدف دعم إعادة التشغيل وتحريك عجلة الإنتاج. في المقابل، هناك تشدد واضح في ملاحقة التهرب الضريبي، خاصة لدى أصحاب الدخول المرتفعة والمهن غير المسجلة، في محاولة لإنهاء ما وُصف سابقاً بـ”الجنة الضريبية” لهذه الفئات.
ومن الأدوات الجديدة التي تمّ طرحها أيضاً ما يُعرف بـ”القائمة الذهبية”، وهي آلية تمنح مزايا تشجيعية للمكلفين الملتزمين ضريبياً، مقابل فرض عقوبات صارمة على المخالفين. هذا النهج يعكس تحولاً في فلسفة الإدارة الضريبية، من مجرّد التحصيل إلى بناء علاقة قائمة على الثقة والتحفيز والالتزام المتبادل.
رغم هذه الإيجابيات، يبرز تساؤل جوهري حول مدى كفاية سقف الإعفاء المحدد بـ64 مليون ليرة سنوياً (بعد إضافة بدلات الإعالة والمعيشة) في ظلّ الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة. فبينما يبدو الرقم كبيراً من الناحية الاسمية، إلا أنّ قيمته الحقيقية تتآكل بفعل التضخم، ما قد يستدعي مراجعة دورية لهذا السقف لضمان بقائه متناسباً مع الواقع الاقتصادي.
مع ذلك، يمكن القول إنّ النظام الضريبي الجديد يمثّل خطوة مهمة نحو تحقيق توازن دقيق بين تخفيف العبء عن المواطنين وتأمين الموارد اللازمة للدولة. فهو لا يفرض الضرائب على الجميع بشكلٍ عشوائي، بل يركز على الفائض الحقيقي في الدخل، ويعفي الأساسيات، ويشجع الإنتاج، ويكافح التهرب.
في الخلاصة، لا ينبغي النظر إلى هذه التعديلات باعتبارها عبئاً إضافياً، بل إعادة تنظيم أكثر عدالة ومرونة للنظام الضريبي. فالغالبية العظمى من أصحاب الدخل المحدود لن تدفع أيّ ضريبة، بينما ستتحمل الفئات الأعلى جزءاً أقل ممّا كانت تدفعه سابقاً. وبهذا، يمكن تبديد المخاوف من أنّ تكون الضرائب شاملة للجميع، إذ إنّ جوهر الإصلاح يقوم تحديداً على العكس: حماية المواطن أولاً، وتحقيق العدالة الضريبية ثانياً.
