آراء
كان أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ وعُقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ صديقينِ مُقرَّبَين، وكان عُقبةُ إذا رجعَ من سفرٍ صنعَ طعامًا، ودعا إليه أشرافَ قريش. وكان يُكثِرُ من مجالسةِ النبيِّ ﷺ، فلمّا عادَ من سفره مرَّةً صنعَ طعامًا ودعا الناسَ إليه، ودعا النبيَّ ﷺ فيمن دعا.
فلمّا قُدِّمَ الطعامُ، قال له النبيُّ ﷺ: ما أنا بآكلٍ من طعامكَ حتى تشهدَ أن لا إلهَ إلا الله، وأنِّي رسولُ الله.
فقال عُقبة: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله.
فأكلَ النبيُّ ﷺ من طعامه.
وكان أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ غائبًا، فلمّا عادَ وأُخبِرَ بما كان، جاء إلى عُقبةَ وقال له: أصَبَوتَ يا عُقبة؟
فقال: واللهِ ما صبأتُ، ولكن دخلَ عليَّ رجلٌ، فأبى أن يأكلَ من طعامي حتى أشهدَ له، فشهدتُ له، واستحييتُ أن يخرجَ من بيتي ولم يطعم.
فقال له أُبَيٌّ: لا أرضى عنكَ حتى تأتيَه فتَبصُقَ في وجهه. ففعلَ ذلك عُقبةُ، أخزاه الله.
فقال له النبيُّ ﷺ: لا ألقاكَ خارجَ مكةَ إلا علوتُكَ بالسيف!
فلمّا كان يومُ بدرٍ أُخِذَ عُقبةُ أسيرًا، فقُتِلَ دونَ الأسرى لما كان منه، وإبرارًا لكلامِ النبيِّ ﷺ. وأمّا أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ، فقد قتله النبيُّ ﷺ يومَ أُحدٍ.
وفي شأنِهما أنزلَ اللهُ تعالى قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
الدَّرسُ الأوَّل:
الدُّنيا لا تلبثُ على حالٍ، فلا تغتَرَّ؛ فالقويُّ لا يبقى قويًّا إلى الأبد، والضَّعيفُ لا يبقى ضعيفًا إلى الأبد، وكلُّ شيءٍ في هذه الدُّنيا يتوارثُه النَّاس.
اسألْ نفسكَ: أينَ هي الممالكُ التي حكمتِ الدُّنيا قديمًا؟
ما بقيَ من الرُّومانِ غيرُ آثارٍ دارسةٍ مُنتشرةٍ هنا وهناك، وأين نارُ المجوسِ التي بقيتْ مُضاءةً قرونًا؟ أُطفئتْ أخيرًا، وزالَ الأكاسرةُ وصاروا صفحةً من التَّاريخ.
وما الذي بقيَ من دولةِ الفراعنةِ في مصرَ غيرُ أهراماتٍ وحجارةٍ هي الدَّليلُ الوحيدُ على أنَّهم كانوا يومًا هنا؟
وأين حضارةُ الأندلسِ العظيمةُ التي حكمتِ الدُّنيا؟ ما الذي بقيَ منها غيرُ آثارِ القومِ هناك؟
فإذا كان هذا حالَ الدُّولِ والممالك، فكيفَ هو حالُ النَّاس؟!
أين فرعونُ الذي كان يصرخُ متبجِّحًا: أنا ربُّكم الأعلى؟
وأين النَّمرودُ الذي كان يدَّعي أنَّه يُحيي ويُميت؟
وأين قارونُ صاحبُ الذَّهبِ والأموالِ الطَّائلةِ والكنوز؟
وأين ذو القرنينِ الذي طافَ الأرضَ من مشرقِها إلى مغربِها؟
وأين هارونُ الرشيدُ الذي كان يُخاطبُ السَّحابةَ في السَّماءِ قائلًا: أمطري حيثُ شئتِ فسيرجعُ إليَّ خراجُكِ؟
أين أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ؟ أين الأنبياءُ، والصَّالحونَ على مرِّ التَّاريخ؟
ذهبوا جميعًا، وبقيتْ لهم أعمالُهم عند الله تعالى.
سنواتٌ قليلةٌ هي التي كانت فاصلةً بين الأذى الذي ناله النَّبيُّ ﷺ من أُبَيِّ بنِ خلفٍ وعُقبةَ بنِ أبي مُعَيْط، ثمَّ انقلبتِ الحالُ وتغيَّرتْ موازينُ القوى، فقُتلا عقابًا عدلًا، وجزاءً مُستحقًّا، ليدخلَ بعدَها الذي كانوا يستضعفونَه إلى مكةَ فاتحًا. لو دامتِ المناصبُ لغيركَ لدامتْ لكَ، ولو دامتِ الأموالُ لغيركَ لدامتْ لكَ؛ فتواضعْ، لا أحدَ يبقى على القمَّة، لا أحد!
الدَّرسُ الثَّاني:
اُنظُرْ مَن تُصاحِبْ، فإنَّ الصَّاحبَ ساحِبٌ!
ولو أَجَلْتَ عينيكَ في سورةِ الكهفِ لاكتشفتَ أنَّ كلبًا خَلَّدَ اللهُ تعالى ذِكرَه في القرآنِ الكريم، فقط ببركةِ صُحبةٍ صالحةٍ مشى معها.
ثمَّ أَعِدِ النَّظرَ في هذه القِصَّةِ التي نتدارسُها: صاحبُ سوءٍ أَردى صاحبَه، وأمرَه بسوءِ الأخلاقِ فأطاعَه؛ فلا تُصاحِبْ إلا مَن يُساعدُكَ على أن تحفظَ دينَكَ.
إنَّ المرءَ لا يستغني عمَّن يأخذُ بيدِه إلى الله تعالى؛ إذا نسيَ ذكَّرَه، وإذا ذكرَ أعانَه، وإذا أخطأَ أخذَ على يدِه وقال له: أخطأتَ. وليس بصاحبِكَ مَن زيَّنَ لكَ أخطاءَكَ.
وفي حليةِ الأولياء أنَّ عمر بن عبد العزيز قال لصاحبِه: إذا رأيتني ضللتُ الطَّريقَ، فخُذْ بمجامعِ ثيابي، وهُزَّني هزًّا، وقُلْ لي: يا عمرُ، اتَّقِ الله، فإنَّكَ ستموت!
الدَّرسُ الثَّالث:
إذا أردتَ أن تعرفَ الصديقَ الصالحَ من صديقِ السُّوء، فانظُرْ أين تجعلُكَ صُحبتُه من اللهِ عزَّ وجل؛ فإن قرَّبكَ فهذا صديقٌ صالحٌ فتمسَّكْ به، وإن باعدكَ فهذا صديقُ سوءٍ ففارقْه ولا تأسف.
ولصديقِ السُّوء علاماتٌ دنيويَّةٌ يُعرَفُ بها، هذه بعضُها: صديقُ السُّوء يُشكِّكُ بقدراتِكَ، ويُثبِّطُ من عزائمِكَ، ولا ينفكُّ يكسرُ مجاذيفَ إرادتِكَ، ويُردِّدُ على مسامعِكَ أنَّكَ لا تستطيع، وهذا في الحقيقةِ إنَّما يخشى أن تستطيعَ وتفعلَها.
وصديقُ السُّوء في الغالبِ إنسانٌ استغلاليٌّ، يُشعِرُكَ أنَّ مساعدتَكَ له واجبٌ عليك، فيستنزفُكَ مادِّيًّا وشعوريًّا كالطفيليِّ يعيشُ على حسابِ غيرِه، ومتى لم تعدْ له عندكَ حاجةٌ سيُغادِرُكَ إلى غيرِكَ.
هذا لا يعني ألَّا تُساعدَ أصدقاءَكَ مادِّيًّا وتدعمَهم معنويًّا، فبأيِّ شيءٍ تكونُ صديقًا إلَّا بهذا؟!
وإنَّما القصدُ أن تُميِّزَ بين مَن يُحبُّكَ لشخصِكَ وبين مَن يستغلُّكَ.
وصديقُ السُّوء من خصالِه أنَّه لا يحترمُكَ، ولا يتورَّعُ عن تقديمِ الإهاناتِ لكَ على مرأًى من النَّاس، فإيَّاكَ أن تتقبَّلَ الإهاناتِ بحُجَّةِ أنَّها نصيحة؛ مَن لم يُراعِ كرامتَكَ لا يلزمُكَ.
وصديقُ السُّوء دائمُ الشكوى، كثيرُ التذمُّر، لا يُقيلُ لكَ عثرةً، ولا يُقيمُ لكَ زلَّةً، يقفُ لكَ على الخطوةِ، وعلى الكلمةِ، وعلى التصرُّف؛ ما حاجتُكَ إلى قاضٍ في حياتِكَ؟!
الدَّرسُ الرَّابع:
رحلةُ الهجرةِ من مكةَ إلى المدينةِ تُخبرُنا أنَّ المرءَ لا يستغني عن صاحبٍ ولو كان نبيًّا، ولكنَّ العاقلَ يتخيَّرُ، فيختارُ كتفًا، وسندًا، وعكّازًا.
لقد حدَثتْ حادثةُ الإسراءِ والمعراج، ورأتْ فيها قريشٌ فرصةً سانحةً لتشكيكَ أبي بكرٍ رضي الله عنه بدعوةِ النبيِّ ﷺ، فالحادثةُ تتخطّى حدودَ العقل، وأبو بكرٍ من أعقلِ النَّاس، ولا يقبلُ خلافَ العقل، والنبيُّ ﷺ لم يلتقِ به بعدُ فيُحدِّثَه بما حدَث معه.
قالوا له: يا أبا بكرٍ، إنَّ صاحبَكَ يزعمُ أنَّه أُسريَ به إلى بيت المقدس، وعاد إلى مكةَ في جزءٍ من الليل!
فقال لهم: إن كان قالَ فقد صدق.
هذا هو الصديقُ حقًّا، الذي يعرفُكَ كما يعرفُ نفسَه، ولو جاءتِ الدُّنيا كلُّها لتُشكِّكَكَ به، ما ازدادَ به إلا إيمانًا وتصديقًا ويقينًا.
وكان النبيُّ ﷺ يعلمُ جيِّدًا من أيَّةِ طينةٍ هو صاحبُه، لهذا كان يُخبِّئُه ليكونَ رفيقَه في الرِّحلةِ التي غيَّرتْ وجهَ هذا الكوكبِ إلى الأبد.
كان أبو بكرٍ كلَّ يومٍ يستأذنُه بالهجرة، فيقولُ له: انتظرْ، لعلَّ اللهَ أن يجعلَ لكَ رفيقًا.
فكان هو رفيقَه!





