آراء
أحكي لكم اليوم قصة الأديب السعودي محمد بن سعود الحمد، وهو مولع بالسير الذاتية والمذكرات، وبذل الوقت والجَهد في البحث والتنقيب عنها، فأخرج لنا معجمًا مهمًّا في كتب السير الذاتية، وفي الكتاب جهدٌ ظاهر، واجتهادٌ نادر، أتعب فيه نفسه واستقصى ما شاء اللّه له أن يستقصي! حتى وصلت السير التي ذكرها في معجمه إلى أكثر من ستة آلاف سيرة، فضلًا عن كتابه المهم “فن البوح وترجمة الذات“.
يقول الأستاذ محمد سعود الحمد: “سيظلُّ أدب السيرة الذاتية من أحَبّ فنون الأدب إلى القارئ في كُلِّ زمانٍ ومكان، لأنّه -باختصار- هو “فنُّ الحياة” الذي يبوح فيه الإنسان بسريرة نفسه، وأعماق وجدانه، وبما يجيش في نفسه من مشاعر وأحاسيس، لذلك كُتِب لفنِّ السيرة الذاتية الخلود والذيوع والتألُّق، وقد حفل هذا الفنّ الأدبي بالعواطف الإنسانية اللافتة، التي اتَّسَمَت في مُجملها بالصدق والعفويَّة والتلقائية والحيويَّة”.
وما أصدق الدكتور جونسون، الأديب الإنجليزي الشهير، حين يقول: “إنّ حياة الرجل حين يكتبها بقلمه هي أحسن ما يُكتب عنه!”.
يورد لنا الحمد ما ذكره المفكر والفيلسوف “زكي نجيب محمود” عندما وصف كتابة السيرة الذاتية بأنّها: “تغريدة البجعة، ذلك لأنّ البجعة عندما تشعر بدنو أجلها وعند احتضارها وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة تطلق نغمة رائعة جميلة يَطرَب لها الإنسان، كأنّها تُخرِج أناتها الحزينة الشجية وهي على حافَة الهاوية، وتنطلق في صوتٍ شجي حزين آسر يخلب الأسماع والألباب، هو نوعٌ من التغريد لما فات من أيام، أو نوع من الإرهاص بالنهاية الوشيكة، والرحيل القريب، فألم البجعة عند سامعها هو نَعَمُ عَذْبٌ جميل، والمدهش أنّنا نجد أنّ ما كتبه كثير من الأدباء والعلماء في سيرهم الذاتية، هو أجمل ما كتبوه على الإطلاق”.
لذلك جَرَت العادة على أن يُسمَّى كلّ عمل أخير لفنان مبدع أو أديب أو شاعر «تغريدة البجعة»، وهذا العمل يكون آخر منجزاته وأعظمها معًا، فهو من حياته -كما نقول نحن- مسك الختام.
والحمد يكتشف بعد طول معاشرته هذا الفنّ، أنّ السيرة الذاتية التي تعبق بالصدق وجودة السبك وبراعة الأسلوب لا تقلّ قيمة عن أروع الروايات التي يُطلق عليها الأكثر مبيعًا، بل قد تكون أبدع وأمتع، لأنّ الروايات من نسج الخيال، والسيرة الذاتية تُصاغ حروفها من صميم الحياة والواقع.
السير الذاتية عالم منوَّع لخَّصه الأستاذ الحمد بقوله: “إنّها معرض فسيح لصورٍ شتى من الجهد والمثابرة، والتحدي والجَلَد، وهي كتاب كبير من الدروس والعبر، فضلًا عن الحشد المثير للذكريات، والمواقف الدقيقة، والمآزق الحرجة، والمواجهات الحادّة، والمنعطفات المصيرية، والقرارات الحاسمة والمراحل التاريخية المتعاقبة”. وينبهنا الحمد أنّ كاتب السيرة الذاتية لو كان شخصية عامة، فقد يكون له تأثير في الجماعة، وأحيانًا في الأمة، بشكلٍ يفوق كثيرًا دائرته الخاصة المحيطة به، وهنا تصبح حياته ذات أهمية، ويغدو الحديث عن سيرته مصدرًا للتاريخ الحي.

